يشهد ميناء المخا على الساحل الغربي لليمن تحوّلًا بنيويًا متسارعًا في وظيفته الاستراتيجية، بعدما كشفت معطيات ميدانية حديثة أن إدارته انتقلت لوجستيًا من أبوظبي إلى الرياض مطلع عام 2026، في مؤشر لافت على تحوّله من موقع خاضع للإشراف الإماراتي المباشر إلى قاعدة إمداد عسكري متكاملة تُدار بإشراف سعودي مباشر. هذا التحول، الذي ظلّ لسنوات بعيدًا عن الأضواء، خرج إلى العلن بفعل العمليات العسكرية اليمنية الاستباقية التي نُفذت مطلع أغسطس الجاري، والتي كشفت حجم الانخراط السعودي الفعلي في إدارة هذا الموقع، بما في ذلك وجود ضباط سعوديين في غرف العمليات هناك.
فقد أظهرت تحقيقات ميدانية أن انتقال إدارة الميناء من أبوظبي إلى الرياض مطلع العام لم يكن مجرد إجراء إداري أو لوجستي عابر، بل يعكس إعادة توزيع للأدوار داخل التحالف الذي تقوده الرياض نفسها. ويكتسب هذا التبدّل دلالة أعمق حين يُقرأ في سياق التوتر المتصاعد بين الرياض وأبوظبي في ملفات موازية مثل المكلا وحضرموت والمهرة خلال الأشهر الأخيرة، بما يوحي بأن معركة النفوذ داخل جنوب اليمن وغربه لم تعد محصورة بين صنعاء والتحالف، بل باتت تشمل أيضًا تنافسًا بين شريكي التحالف أنفسهما على مواقع السيطرة والإشراف.
ولا يمكن فهم أهمية ميناء المخا بمعزل عن موقعه من مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية الدولية، والذي تمر عبره نسبة معتبرة من تجارة النفط والبضائع العالمية بين آسيا وأوروبا وأفريقيا. هذا الموقع الجغرافي المتفرد يمنح أي قوة تسيطر عليه قدرة فائقة على التأثير في حركة الملاحة الدولية، وهو ما يجعل التموضع في منافذ مثل المخا يتجاوز أبعاده اليمنية المحلية ليصبح جزءًا من معادلة إقليمية ودولية أوسع. ويرى مسؤولون في صنعاء أن هذا التموضع العسكري المتنامي يخدم في جوهره حسابات نفوذ أمريكية-إسرائيلية تتجاوز الغطاء القانوني المعلن المتمثل في "أمن الملاحة"، وتستهدف عمليًا السيطرة على مفتاح تدفق الطاقة والتجارة بين القارات.
وفي غضون ذلك، كشفت مصادر ميدانية أن الضربات اليمنية الأخيرة طالت غرف عمليات يشرف عليها ضباط سعوديون بشكل مباشر داخل المخا، إلى جانب نقل عدد من القتلى والجرحى السعوديين إلى المستشفى الميداني الموجود هناك. وهذا المعطى، إن صحّ، يعكس تحولًا نوعيًا في طبيعة الحضور السعودي في الميناء، إذ ينتقل من دور الداعم والممول التقليدي إلى دور القائد الميداني المباشر المنخرط في إدارة العمليات على الأرض، بما يتسق تمامًا مع مسار نقل الإدارة اللوجستية من أبوظبي إلى الرياض مطلع العام ذاته. بعبارة أخرى، فإن ما كان يُدار سابقًا من الخلف بات اليوم يُدار من الأمام، وهو ما يفسر جزئيًا الزخم الذي اكتسبته العمليات اليمنية الأخيرة في استهداف هذا الموقع تحديدًا.
فقد نفذت القوات المسلحة اليمنية بين 6 و9 أغسطس 2026 سلسلة عمليات استباقية استهدفت تحشيدات ومخازن أسلحة القوات الموالية للرياض في المخا، مستخدمة صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة، وأعلنت في أعقابها تدمير إمدادات عسكرية واسعة بالقرب من الميناء. وبحسب تحليل نشرته صحيفة "ذا ناشيونال"، فإن هذه الضربات لم تكن معزولة أو عشوائية، بل جاءت ضمن استراتيجية استباقية مدروسة تسعى لاستباق تحوّل التحشيدات السعودية إلى هجوم واسع النطاق. وتكشف هذه القراءة أن صنعاء استثمرت سنوات الهدوء النسبي التي أعقبت تفاهمات 2022 في تطوير قدراتها الصاروخية والمسيّرة، بما مكّنها من الانتقال من موقع الدفاع التفاعلي إلى موقع المبادرة الاستباقية، وهو تحول نوعي في قواعد الاشتباك بين الطرفين.
وفي نهاية المطاف، يُختزل ملف ميناء المخا اليوم صراعًا أوسع بكثير من حدوده الجغرافية الضيقة، إذ يمثل ساحة اختبار حقيقية لموقع اليمن في المعادلة الإقليمية ككل. فمن جهة، ثمة محاولة سعودية-إماراتية متشابكة، وإن بدت متنافسة في تفاصيلها، لتحويل المخا إلى قاعدة عسكرية دائمة تُدار مباشرة من الرياض. ومن جهة أخرى، ثمة محاولة يمنية مضادة تسعى لفرض معادلة ردع تحول دون اكتمال هذا التحول، عبر ضربات استباقية متكررة تستهدف بنية القيادة والتحكم في الموقع نفسه. وهكذا، فإن انتقال الإدارة من أبوظبي إلى الرياض، حين يُقرأ مقترنًا بوتيرة الضربات الاستباقية المتصاعدة، يشكّل اختبارًا حقيقيًا لموازين القوة في البحر الأحمر، ومؤشرًا واضحًا على أن معركة باب المندب لم تُحسم بعد لصالح أي طرف من الأطراف المتصارعة على هذا الممر الحيوي.
الكاتب: غرفة التحرير