الخميس 13 آب , 2026 03:16

سقطت ذريعة السلاح.. فلماذا تصر "إسرائيل" على البقاء في غزة؟

نتنياهو وخليل الحية

في خطوة وُصفت بـ"التاريخية"، وصلت حركة حماس إلى اتفاق مع "مجلس السلام" والوسطاء على صيغة من 15 بندًا لتنظيم نزع السلاح وتخزينه، بالتوازي مع ترتيبات للانسحاب "الإسرائيلي" ووقف العمليات العسكرية وإدارة القطاع وإعادة إعماره. لكن المفارقة التي كشفها هذا التطور أنها لم تدفع "إسرائيل" قيد أنملة نحو قبول الاتفاق، بل على العكس، أظهرت أن القضية المركزية لم تعد سلاح حماس، بل بقاء إسرائيل في قطاع غزة.

فقد تحولت الحرب في غزة، واحتلال أكثر من نصف أراضيها، من مسألة أمنية مرتبطة بالسابع من أكتوبر 2023، إلى مشروع أيديولوجي يستهدف إعادة احتلال القطاع والاستيطان فيه، وبناء مناطق أمنية عازلة خالية من السكان والبنية التحتية. هذا هو الجوهر الذي تفسره تصريحات نتنياهو المتتالية برفضه القاطع لأي انسحاب، وتشبثه بصياغات تهدف إلى إطالة أمد الاحتلال.

حماس: آخر أوراق التفاوض على الطاولة

لم تأت موافقة حماس على الاتفاق بصورة مفاجئة أو من فراغ. فقد أظهرت الحركة خلال يوليو/تموز 2026 مرونة متزايدة، بدأت باستقالة لجنة الطوارئ الحكومية، وانتهت بالتوصل إلى اتفاق مع "مجلس السلام" بشأن نزع وتخزين سلاحها وتسليمه إلى لجنة التكنوقراط الفلسطينية. والمعنى العملي لهذا المسار أن حماس لن تبقى قوة حكومية أو عسكرية في قطاع غزة.

وصف غازي حمد، عضو وفد حماس المفاوض، ما قدمته الحركة بأنه "تنازلات من أجل الشعب الفلسطيني"، هدفها إنقاذ سكان القطاع من استمرار الإجراءات "الإسرائيلية" والمخططات التي تستهدفهم. وجاء الاتفاق بعد جولات من المفاوضات في القاهرة بمشاركة الوسطاء، وبعد انتخاب خليل الحية رئيسًا للمكتب السياسي للحركة.

دوافع حماس للموافقة: بين الإكراه والحسابات

دفعت عوامل عدة حماس إلى هذا القرار، ربما كان أبرزها:

أولًا: تعنت "إسرائيلي" متصاعد – إذ رفضت "إسرائيل" باستمرار تطبيق الانسحاب من غزة تحت ذريعة نزع السلاح، بل وسع جيشها احتلاله حتى بات يسيطر على نحو 60-70% من مساحة القطاع. واستمرت عمليات القتل والاغتيالات بشكل شبه يومي رغم اتفاق وقف إطلاق النار الموقع في أكتوبر 2025؛ حيث قتلت "إسرائيل" نحو 1,225 فلسطينيًا منذ توقيع الاتفاق، وأصابت أكثر من 4,000، فيما بلغت حصيلة شهر يوليو/تموز وحده 150 شهيدًا.

ثانيًا: غياب أوراق ضغط – بعد تسلم "إسرائيل" لجميع أسراها، خصوصًا الأحياء منهم، بدأت تنتهك الاتفاق تدريجيًا بعودة القصف والاغتيال، وتراجعت عن التزاماتها في المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، ورفضت تنفيذ المرحلة الثانية قبل نزع سلاح حماس.

ثالثًا: استجابة لتعهدات أميركية – كان السلاح الورقة الأخيرة التي تملكها حماس، لكنها لم تكن ورقة ضغط كورقة الأسرى، بل وسيلة لسحب الذريعة من "إسرائيل"، استجابة لتعهدات "مجلس السلام" والجانب الأميركي بأن نزع السلاح سيدفع إسرائيل إلى الانسحاب.

ملامح الاتفاق: تسوية مدروسة

صيغ الاتفاق بطريقة تتيح لحماس التعايش معه، وتضمن – نظريًا – تنفيذ التزامات "إسرائيل"، وذلك عبر:

- تخزين السلاح لا تدميره، مع تسليمه إلى لجنة التكنوقراط الفلسطينية.

- عملية متوازية بين نزع السلاح والانسحاب "الإسرائيلي" ووقف العمليات العسكرية.

- تفكيك الميليشيات المسلحة التابعة لـ"إسرائيل" وعدم انخراطها في أجهزة الأمن.

- دخول المساعدات الإنسانية وفتح مسار لإعادة الإعمار.

- اعتراف الخطة بحق تقرير المصير وإقامة دولة فلسطينية.

"إسرائيل": رفضٌ يفضح النوايا

عشية سفر نتنياهو إلى واشنطن في نهاية يوليو/تموز للقاء ترامب، صادق المجلس الوزاري المصغر في "إسرائيل" على دخول "مجلس السلام" إلى قطاع غزة، بما في ذلك السماح بدخول قوة الاستقرار الدولية للإشراف على المنطقة التجريبية في جنوب القطاع، وكان بن غفير المعارض الوحيد للقرار.

لكن بعد عودة نتنياهو، وفي 31 يوليو/تموز، أعلن ترامب عن التوصل إلى اتفاق "تاريخي" مع حماس على "نزع سلاحها". وخلال الأيام الخمسة التالية، لم يصدر موقف رسمي من "إسرائيل"، ربما بتكتيك من نتنياهو لتجنب تعقيد المشهد مع ترامب، ولرصد ردود فعل المشهد السياسي "الإسرائيلي".

التحفظات "الإسرائيلية": شروط تعجيزية

في الرابع من أغسطس/آب، وبعد موجة رفض ونقد للاتفاق، خرج نتنياهو بموقفه العلني: "إسرائيل" ترفض الاتفاق بصيغته المطروحة. وضعت "إسرائيل" مجموعة من التحفظات سلمتها لعضو "مجلس السلام" توني بلير، وأبرزها:

- تدمير السلاح بعد حصره وجمعه، وليس تخزينه.

- رفض الانسحاب قبل التأكد من "نزع سلاح" حماس بشكل كامل.

- رفض وجود تركيا وقطر في لجنة التحقق من تطبيق الاتفاق.

- رفض توقف العمليات العسكرية "الإسرائيلية" في القطاع بعد 14 يومًا من المصادقة.

وفي لقاء ملادينوف ونتنياهو في 3 أغسطس، طالب الأول بوقف القصف والاغتيالات، لكن النتيجة كانت أن "الانسحاب الإسرائيلي من القطاع سيكون بعد نزع سلاح حماس لا متزامنًا معه"، وتم شطب كلمة "الانسحاب الكامل" واستبدالها بـ"انسحابات في غزة".

لماذا الرفض؟ ثلاثة أبعاد تفسر الموقف "الإسرائيلي"

تصريحات نتنياهو ورفضه القاطع لاتفاق تخزين السلاح تطرح سؤالًا جوهريًا: لو كانت قضية السلاح هي المسألة المركزية، لكان تخزينه خطوة تستجيب للهدف "الإسرائيلي" بجمعه ومعرفة مكانه تحت إشراف اللجنة الوطنية. فما الذي يمنع "إسرائيل" من القبول؟

البعد الأيديولوجي: الاحتلال مشروع وليس وسيلة

لم تعد الحرب في غزة مسألة أمنية مرتبطة بالسابع من أكتوبر فقط، بل تحولت إلى مشروع أيديولوجي يتمثل في إعادة احتلال القطاع والاستيطان فيه. وقد صرّح نتنياهو بوضوح: "ما دمت رئيسًا للوزراء، فلن تكون هناك دولة فلسطينية، لا في غزة ولا في يهودا والسامرة". وفي ظل اقتراب الانتخابات "الإسرائيلية" في أكتوبر/تشرين الأول 2026، حوّل اليمين "الإسرائيلي" قضية إعادة بناء المستوطنات في غزة إلى محور حملته.

البعد الأمني-العسكري: مناطق عازلة لا حدود

ترتبط العقيدة الأمنية "الإسرائيلية" بسعي المؤسسة العسكرية لبناء مناطق أمنية عازلة حول "إسرائيل"، خالية من السكان والبنية التحتية المدنية والعسكرية. وهذا ما يفسر استمرار التوسع العسكري حتى بلوغ السيطرة على 60-70% من مساحة القطاع.

البعد السياسي-الانتخابي: لا انسحاب قبل الانتخابات

يرفض نتنياهو تنفيذ أي خطوة نحو الانسحاب من القطاع أو الانتقال إلى مرحلة سياسية تتمثل في دخول لجنة التكنوقراط الفلسطينية، خوفًا من تأثير ذلك على جمهور اليمين المؤيد للحكومة، والذي يطالب باستمرار الاحتلال والاستيطان.

عندما تسقط الذرائع

كان الاتفاق بين حماس و"مجلس السلام" تاريخيًا من الناحية العملية (نزع السلاح وتخزينه) والرمزية (موافقة حماس على ذلك). لكن الموقف "الإسرائيلي" ظل معارضًا، بل متحديًا للموقف الأميركي منه. وهذا يثبت مرة أخرى أن السلاح لم يعد ما يهم "إسرائيل" في القطاع؛ فالقطاع بسلاحه الموجود لم يعد يشكل تهديدًا أمنيًا على "إسرائيل"، لا عسكريًا (بتدمير البنية التحتية العسكرية المركزية) ولا سياسيًا (لن يتخذ قائد فلسطيني قرارًا بإعادة شن عمليات عسكرية).

ومع ذلك، ترفض "إسرائيل" الانسحاب وتطبيق المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار. والسبب واضح: "إسرائيل" تريد تحويل احتلالها إلى حالة ثابتة في القطاع، والاستيطان فيه مستقبلًا. سقطت ذريعة السلاح، فلم يبقَ سوى وجه الاحتلال العاري.


الكاتب:

د.محمد الأيوبي

كاتب صحفي فلسطيني
بكالوريوس في الصحافة والإعلام
دكتوراه في الحقوق
[email protected]




روزنامة المحور