هناك تناقض واضح بين أرقام وزارة الطاقة الأميركية التي تتحدث عن تدفقات تصل إلى 9 ملايين برميل يومياً وتتجاوز أحياناً 20 مليوناً عبر الخليج الفارسي، وبين بيانات شركات تتبع الملاحة مثل Kpler وWindward التي ترصد أعداداً محدودة جداً من السفن العابرة. وتلجأ الولايات المتحدة إلى "العبور الظلي" للناقلات حيث تطفئ أجهزة التتبع لتجنب الاستهداف الإيراني، وارتفع عدد هذه السفن من نحو الثمن إلى قرابة نصف حركة المرور المرصودة خلال شهر واحد.
بحسب تقرير أعده موقع CNN وترجمه موقع الخنادق الإلكتروني.
وهنا تكمن الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز فإيران لا تحتاج بالضرورة إلى إغلاقه بالكامل؛ فمجرد جعل المرور عبره أكثر خطورة وغموضاً ورفع كلفته يربك سوق الطاقة ويجعل تقدير الإمدادات الفعلية موضع شك. والأهم أن المخزونات العالمية استُنزفت بالفعل بما يتراوح بين 1.5 و1.9 مليار برميل منذ بداية الحرب، ما يعني أن استمرار اضطراب التدفقات، قد يدفع السوق تدريجياً نحو نقطة يصبح فيها الاحتياطي غير كافٍ لتلبية الطلب العالمي.
النص المترجم
يتبلور نقاش في سوق النفط: هل مضيق هرمز مفتوح فعلياً؟
كانت القناعة السائدة تقول إن الممر المائي الحيوي مغلق فعلياً أمام حركة ناقلات النفط. فقد أطلقت إيران النار على عشرات الناقلات التي حاولت عبور المضيق. كما أبلغت خدمات تتبع الملاحة البحرية، التي تستخدم مزيجاً من بيانات أجهزة الإرسال والاستقبال والصور عبر الأقمار الصناعية، عن انخفاض كبير في عدد السفن التي تحاول الإبحار في هذه المياه. وفي الوقت نفسه، تواصل مخزونات النفط العالمية التراجع.
لكن وزير الطاقة الأميركي كريس رايت قدم الأسبوع الماضي رواية مختلفة تماماً: "المضيق مفتوح، والنفط يتدفق بوتيرة أسرع بكثير مما يقدره السوق. فالجيش الأميركي موجود هناك بالفعل، حيث يقوم بدوريات في المياه ويرافق السفن من وإلى المضيق ويحميها من نيران العدو".
ولا يختلف ذلك كثيراً عن أسلوب إدارة ترامب في الضغط الكلامي لخفض أسعار النفط. فقد قال الرئيس دونالد ترامب مراراً إن الولايات المتحدة تسيطر على مضيق هرمز، وكثيراً ما يزعم أن التوصل إلى اتفاق مع إيران بات وشيكاً.
لكن بعيداً عن التصريحات الدعائية، اعتمد محللو وول ستريت إلى حد كبير على بيانات التتبع الصادرة عن جهات مستقلة، إلى جانب قياسات المخزونات التي تقدمها الصناعة وبيانات أخرى.
الارتباك يسود
أكد رايت أن متوسط تدفق النفط خلال سبعة أيام عبر مضيق هرمز ارتفع إلى 9 ملايين برميل يومياً. وأشار حسين إلى أن ذلك يتعارض بشكل مباشر مع إعلان إيران أن المضيق مغلق، وكذلك مع بيانات تتبع السفن التي أظهرت رقماً يبلغ نحو نصف الرقم الذي ذكره رايت.
وقال حمد حسين، كبير اقتصاديي المناخ والسلع في مؤسسة Capital Economics: «أصبح من الصعب بصورة متزايدة معرفة كمية النفط التي تغادر الخليج. فالادعاءات المتناقضة من المسؤولين الأميركيين والإيرانيين تزيد حالة الغموض».
ويقول محللو وول ستريت، الذين يستخدمون خدمات تتبع السفن مثل Kpler وWindward Intelligence إلى جانب العديد من مصادر البيانات الأخرى لتقدير تدفقات النفط، إن ناقلات النفط كانت "تنقل نحو 4 ملايين برميل يومياً إلى خارج الخليج الفارسي".
وإضافة إلى نحو "7 ملايين برميل يومياً تعيد دول الشرق الأوسط توجيهها بعيداً عن المضيق عبر خطوط الأنابيب ووسائل أخرى"، فإن نحو 11 أو 12 مليون برميل يومياً كانت تغادر المنطقة، وفقاً لخدمات التتبع.
وهذا أقل بكثير من 20 مليون برميل يومياً كانت المنطقة تصدرها قبل بدء الحرب مع إيران.
لكن رايت قال إن إجمالي النفط الخارج من الخليج تجاوز في 8 أغسطس/آب حاجز 20 مليون برميل يومياً.
ودافعت شركة Kpler عن بياناتها، التي تعتمد على شبكة تضم 13 ألف جهاز استقبال مملوك ومُشغّل من جانبها في 190 دولة، وتتعقب 350 ألف سفينة مع تحديث مواقعها كل خمس دقائق. كما تمتلك الشركة أسطولاً من الأقمار الصناعية الموجودة في مدار أرضي منخفض.
وقال مات سميث، مدير أبحاث السلع في Kpler: «ليس من الممكن التوفيق بين الفارق الهائل بين ما نراه وما يقوله هو».
وتستخدم خدمات أخرى لتتبع السفن، مثل Windward Intelligence، الصور عبر الأقمار الصناعية والذكاء الاصطناعي لتتبع السفن حتى عندما تقوم بإيقاف أجهزة الإرسال والاستقبال الخاصة بها. ويسمح ذلك لخدمات التتبع بملاحقة ما يسمى الأساطيل الظلية التي تحاول إخفاء مواقعها لتجنب اكتشافها.
وتقدر Kpler أيضاً حركة الأساطيل الظلية. وأظهرت بيانات كل من Kpler وWindward أن نحو خمس سفن فقط إجمالاً غادرت مضيق هرمز في اليوم الذي قال فيه رايت إن 20 مليون برميل من النفط خرجت من منطقة الخليج.
وكان أكثر من 100 سفينة يومياً يعبر المضيق قبل الحرب. وبالتالي، فإن هذا العدد من السفن لا يكفي لاستيعاب تدفق نفطي بهذا الحجم.
لكن حسين أقر بأن الصورة التي تلقاها سوق النفط ربما تكون غير مكتملة. فقد أصبحت إيران أكثر عدوانية بكثير في هجماتها على السفن خلال الأسابيع الأخيرة، كما فعل حلفاؤها الحوثيون الشيء نفسه في البحر الأحمر.
وقد دفع ذلك عدداً متزايداً من السفن التي تعبر مضيقي هرمز وباب المندب في البحر الأحمر إلى بذل كل ما في وسعها لإخفاء مواقعها وشحناتها لتجنب الهجمات.
وخلال الأسابيع الأخيرة، شكّلت عمليات العبور السرية نحو نصف حركة المرور التي تمكنت Kpler من تتبعها عبر مضيق هرمز، مقارنة بنحو الثمن قبل شهر. وترى وزارة الطاقة الأميركية أنها لا تتمكن من رصد كل هذه العمليات.
وعندما تعيد ناقلات النفط البطيئة الحركة تشغيل أجهزة الإرسال والاستقبال بعد خروجها من منطقة الخطر، فمن المرجح أن يدرك السوق أن كميات من النفط خرجت من المنطقة أكبر بكثير من التقديرات السابقة، بحسب حسين.
وقال دان بيكرينغ، مؤسس ومدير الاستثمار في Pickering Energy Partners، لشبكة CNN إنه مستعد للأخذ بأرقام وزارة الطاقة الأميركية في الاعتبار.
وقال: «الولايات المتحدة تمكّن كمية لا بأس بها من النفط من المرور عبر المضيق، وإيران لا توقف كل شيء. في عالم اكتسبت فيه الإدارة قدراً كبيراً من الشكوك حول مصداقيتها، ربما لا يمكنك أن تفعل أفضل من اتباع نهج: ثق، ولكن تحقّق».
وقالت ناتاشا كانيفا، رئيسة استراتيجية السلع العالمية في JPMorgan، في يونيو/حزيران إن انخفاض سعر النفط نسبياً دفعها إلى إعادة النظر في كمية النفط التي ربما كانت تخرج من الخليج الفارسي، مع إقرارها باحتمال وجود كمية مفاجئة من النفط «السري» غير المحتسب، يجري نقلها على متن ناقلات أوقفت أجهزة الإرسال والاستقبال الخاصة بها.
وتستشهد JPMorgan بمعلومات الشحن التي توفرها Kpler كواحد من عدة مصادر للبيانات التي تعتمد عليها للوصول إلى تقديراتها بشأن العرض والطلب على النفط.
لكن السبب كان في أن السوق اختار الوقوف إلى جانب إدارة ترامب. فقد تمسك بالأمل في أن يكون التوصل إلى حل قريباً، وأن يتمكن الجيش من إبقاء تدفقات النفط مستمرة. وأدى ذلك إلى إبقاء الأسعار عند مستويات أقل بكثير مما كان يفترض أن تكون عليه في ظل أكبر صدمة لإمدادات النفط على الإطلاق.
لكن التقدير الدقيق لتدفقات النفط من الخليج الفارسي لا يهم فقط بالنسبة للأسعار بقدر أهميته لاستقرار السوق، بحسب حسين.
فقد أصبحت المخزونات العالمية أقل بما يتراوح بين 1.5 و1.9 مليار برميل مقارنة بمستوياتها عند بداية الحرب.
وقد ساعدت المخزونات الضخمة من النفط الخام قبل الحرب في منع وقوع كارثة عندما بدأ المعروض بالجفاف.
كذلك سوق النفط لا يزال يعاني عجزاً في الإمدادات.
وقال بيكرينغ: «لا يستطيع السوق مواصلة سحب المخزونات إلى الأبد. عاجلاً أم آجلاً، ستفرغ الخزانة».
المصدر: CNN
الكاتب: ديفيد غولدمان