الإثنين 17 آب , 2026 01:08

ماذا بعد الستين؟ إيران: الحرب لم تنتهِ بعد

انتهاء مهلة الستين يومًا بين إيران وأمريكا

انتهت اليوم مهلة الستين يوماً التي نصّ عليها تفاهم إسلام آباد بين إيران والولايات المتحدة، لكن السؤال الحقيقي ليس ماذا بعد الستين؟ بل هل ما يزال التفاهم قائماً أصلاً؟ هل انتهت الحرب أساساً؟ وما هي استراتيجية إيران للمرحلة المقبلة؟

هنا مربط الفرس. فطهران لا تتعامل مع 17 آب باعتباره موعداً تلقائياً للعودة إلى الحرب، فالحرب لم تتوقف، ولا يوجد هدنة مستقرة أساساً كي تحتاج إلى تمديد. لا سيما أن النص الأصلي للتفاهم تحدث عن إنهاء العمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما فيها لبنان، وعن تفاوض للوصول إلى اتفاق نهائي خلال ستين يوماً قابلة للتمديد بموافقة الطرفين. كما نص على رفع الحصار البحري الأميركي تدريجياً، وعلى حرية الملاحة في مضيق هرمز لمدة ستين يوماً. لكن واشنطن نقضت التفاهم واعتدت على إيران قبل أن يتحول هذا التفاهم إلى مسار تفاوضي حقيقي، ثم أعلن ترامب انتهاء التفاهم في تموز الماضي، لتعود العمليات العسكرية والضغوط البحرية. ولذلك تقول طهران عملياً لا يمكن أن نطلب من إيران تمديد تفاهم لم تلتزم الولايات المتحدة ببنوده الأساسية.

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي لخّص الموقف بوضوح حين قال إن مذكرة إسلام آباد نصت على "إنهاء الحرب" وليس على هدنة مؤقتة مدتها 60 يوماً، وإن الولايات المتحدة خرقت المذكرة، وبالتالي "لا توجد هدنة 60 يوماً تحتاج إلى تمديد". وهذا ما أكد عليه المتحدث باسم الخارجية إسماعيل بقائي، وقال إن المذكرة لا تضع إيران تحت ضغط زمني، وأن طهران تعمل وفق مصالحها الوطنية، مشيراً إلى أن التفاوض حول مستقبل مضيق هرمز "شائك ومعقد" ويحتاج إلى وقت طويل.

واللافت هنا أن هناك رواية باكستانية نقلتها وكالة الأناضول تحدثت عن موافقة أولية أميركية وإيرانية على تمديد المهلة من دون تحديد سقف زمني، لكن الجانب الإيراني نفى عملياً وجود اتفاق على تمديد هدنة، مؤكداً أن واشنطن مطالبة أولاً بالعودة إلى تنفيذ التزاماتها.

إذاً، الستون يوماً انتهت زمنياً، لم تُنتج اتفاقاً سياسياً، ولم تُنهِ الحرب. لكن ما هي الاستراتيجية الإيرانية لمرحلة ما بعد الستين؟ طهران تؤكد أن اليد على الزناد، مع عدم إغلاق الباب أمام الوسطاء، لكن من دون العودة إلى طاولة تفاوض مباشرة أو غير مباشرة مع واشنطن قبل أن تثبت الأخيرة أنها قادرة على الالتزام بما وقّعت عليه وتستعيد ثقة طهران. أما الرسائل التي تنقلها باكستان وقطر وغيرهما من الوسطاء، فلا تعتبرها طهران مفاوضات ولا مباحثات، بل تبادل رسائل وقنوات اتصال لإدارة الأزمة. فيما باب التفاوض مع سلطنة عُمان حول إدارة مضيق هرمز فتركته طهران مفتوحاً، لأن هذه القضية، وفق نص المذكرة نفسها، تحتاج إلى نقاش مع الدول الساحلية وخصوصاً عُمان. وهذا يعني أن إيران لا ترفض مبدأ التفاوض، بل ترفض التفاوض تحت النار، لا سيما مع الطرف الأمريكي الذي يخرق التفاهم ثم يطلب تمديده.

النووي الأميركي يُهدد إيران!

الأخطر من انتهاء مهلة الستين يوماً هو طبيعة الخطاب الأميركي الذي بدأ يقترب من منطقة كانت، حتى وقت قريب، من المحرمات السياسية والعسكرية وهو إمكان استخدام السلاح النووي التكتيكي ضد إيران.

النائبة الجمهورية السابقة مارغوري تايلور غرين كشفت إن اجتماعات استراتيجية أميركية تناقش استخدام الأسلحة النووية ضد إيران، ووصفت ذلك بأنه "شر محض"، محذرة من أن مثل هذا القرار قد يفتح الباب أمام حرب نووية واسعة.

هذه التصريحات تثبت وجود قرار أميركي باستخدام السلاح النووي، وأهميتها السياسية تكشف اتساع النقاش داخل البيئة السياسية الأميركية حول سقف التصعيد. وهنا المفارقة فواشنطن تقول إن إيران لم تكن قريبة من امتلاك سلاح نووي، ثم تذهب في الوقت نفسه إلى نقاش استخدام السلاح النووي ضدها.

بالنسبة إلى طهران، الرسالة واضحة أمريكا لا تبحث فقط عن اتفاق نووي، وهي تناور وتشتري الوقت لفرض معادلة أمنية وسياسية بالقوة وفتح مضيق هرمز الذي بات معضلة ترامب. ولذلك جاءت الاستراتيجية الإيرانية مختلفة فهي تقوم على الجهوزية والاستعداد لجولة حرب جديدة لاستنزاف الأميركيين وحلفائهم، عدم تقديم أي تنازل مجاني تحت التهديد، وربط أي تسوية بالقدرة على الردع.

هل لبنان هو الاختبار... وعلي الطاهر قد تكون شرارة الجولة المقبلة؟

إذا كان مضيق هرمز هو الورقة الإيرانية في الخليج ومفتاحه بيد بحرية الحرس الثوري، فإن لبنان قد يكون نقطة اختبار استراتيجية جديدة. فتلة علي الطاهر ليست مجرد نقطة جغرافية عابرة، بل قد تكون شرارة الجولة المقبلة من الحرب الأميركية الإسرائيلية الإيرانية. بالإضافة الى كونها من المرتفعات ذات القيمة العسكرية العالية، وتشرف على النبطية وأجزاء واسعة من الجنوب، وقد أصبحت خلال الأشهر الماضية محوراً لمحاولات إسرائيلية للسيطرة عليها لكن دون فائدة أمام إصرار المقاومة على الدفاع عنها ومنع سقوطها،

واليوم، ثمة معلومات عن تفويض أميركي لإسرائيل بتوسيع الضربات على تلة علي الطاهر للسيطرة عليها شرط ان تبقى محدودة ومضبوطة وفق القناة 12 الإسرائيلية. لكن المؤكد وفق معلومات خاصة للخنادق أن الهجوم الإسرائيلي على تلة علي الطاهر يمكن أن تفتح مساراً تصعيدياً يتجاوز حدود الجنوب، وأن إيران لن تكتفي في حال توسع العدوان الإسرائيلي على لبنان بموقف سياسي أو إعلامي، بل قد تنتقل إلى تدخل عسكري مباشر في إطار معادلة الحرب الإقليمية كما فعلت سابقا وأطلقت الصواريخ البالستية الى عمق الكيان الصهيوني لتثبيت معادلة الردع في الضاحية الجنوبية لبيروت.

لذلك، لا ينبغي قراءة انتهاء الستين يوماً باعتباره نهاية مرحلة، بل بداية مرحلة أكثر خطورة. أما الولايات المتحدة، فهي أمام خيارات ثلاثة: العودة إلى التفاوض على أساس تنفيذ بنود مذكرة التفاهم الأربعة عشر، أو الذهاب نحو التصعيد، أو المراوحة في نفس المكان في حرب استنزاف طويلة تؤكد إيران أنها تجهزّت لها، وان الوقت ليس لمصلحة الأميركيين وحلفائهم.

إيران تنقل الردع إلى مستوى جديد

في السياق نفسه، جاء إعلان قائد الجيش الإيراني أمير حاتمي عن مكافأة قدرها خمس مليارات تومان، أي نحو 30 ألف دولار، لمن يقتل أو يأسر جندياً أميركياً، مع مضاعفة المكافأة إذا نفذت المهمة نساء إيرانيات.

هذا الإعلان يعكس انتقال الخطاب الإيراني من مستوى التهديد الاستراتيجي العام إلى بناء معادلة رفع الكلفة المباشرة للوجود العسكري الأميركي في المنطقة. إيران تريد القول إن الجندي الأميركي، والسفن الأميركية، هي جزء من بنك أهدافنا الجديد، وأن بقاء القوات الأميركية في المنطقة سيُبقى الصراع مفتوحاً على مصراعيه، بعبارة ثانية تغيرّت عناوين الحرب الآن فبعد ان كان الهدف إسقاط النظام الإسلامي في ايران وتدمير النووي و البالستي الإيراني وسحق محور المقاومة بات العنوان الآن إخراج القوات الأميركية من المنطقة، وفي السياق، كشفت صحيفة واشنطن بوست الأميركية "ان دول الخليج لا سيما السعودية والإمارات وقطر والكويت والبحرين تناقش جديًا سحب القواعد العسكرية الأميركية من أراضيها بسبب الصراع مع إيران".

هنا تبرز أهمية عامل الانتخابات النصفية الأميركية حيث أزمة الطاقة، وارتفاع الأسعار، ونقص الصواريخ الاعتراضية، وانخفاض احتياط النفط، والانقسام الداخلي، والضغوط الخليجية تحولت إلى عبء سياسي على إدارة ترامب، ما قد يدفع واشنطن إلى البحث عن تسوية ومخرج يحفظ ماء الوجه، وهذا ما دعا إليه رئيس أركان الجيش الأميركي الجنرال دان كاين، مشيراً الى انسداد الأفق في الخيارات العسكرية في المواجهة مع إيران والتي قاربت شهرها السادس. لكن ثمة رأي راجح يقول إنه رغم كل هذه الإخفاقات الأميركية في الحرب إلا ان ترامب يرفض الخسارة، لهذا يفترض أن الحرب لن تنتهي قريباً وقد تطول.


الكاتب:

د. محمد شمص

-إعلامي وباحث سياسي.

- استاذ في الجامعة اللبنانية.

-دكتوراه في الفلسفة وعلم الكلام.

- مدير ورئيس تحرير موقع الخنادق الالكتروني. 

[email protected]




روزنامة المحور