الإثنين 17 آب , 2026 02:09

قراءة في خطاب الشيخ نعيم قاسم بين واقع الميدان والاشتباك الداخلي

الشيخ نعيم قاسم

يُمثل خطاب أمين عام لحزب الله، الشيخ نعيم قاسم، في ذكرى انتصار المقاومة في حرب تموز 2006، محطة مفصلية تعكس بوضوح حجم التحولات العميقة والضغط الاستراتيجي، المتعدد الأبعاد، الذي تعيشه المقاومة في هذه المرحلة الحرجة. لم يعد الخطاب مجرد استذكار لانتصار تاريخي سابق، بل تحول إلى وثيقة سياسية وعسكرية تعيد تعريف قواعد الاشتباك بدقة، ليس فقط على الجبهة العسكرية المباشرة مع "إسرائيل" فحسب، بل والأهم من ذلك، على الجبهة الداخلية اللبنانية التي وصلت إلى مرحلة غير مسبوقة من التوتر والقطيعة السياسية.

أولاً: البُعد العسكري والميداني وسردية البقاء في مواجهة التفوق الناري

- الربط بين محطات الردع والاستمرارية الاسترتيجية: يسعى الخطاب إلى خلق رابط وثيق بين محطتين فارقتين في تاريخ الصراع "تموز 2006" و"أولي البأس 2024"، مُصوِّراً حرب تموز باعتبارها القاعدة التأسيسية والنموذج المثالي للردع طويل الأمد الذي كسر أنف التفوق الإسرائيلي لقرابة عقدين من الزمن، وصولاً إلى المعركة الراهنة التي وُصفت بأنها "وجودية" بكل ما للكلمة من معنى ولا تقبل التراجع.

- الاعتراف بالضغط وتكلفة الصراع العالية: وصف القتال بأنه "قتال كربلائي" يحمل أبعاداً تعبوية وعقائدية عميقة، لكنه يعكس في الوقت ذاته إقراراً بحجم الخسائر الهائلة وعدم التكافؤ المادي والناري الصارخ، مقابل التمسك المطلق بالإرادة البشرية للمقاومة وبيئتها والصلابة الاستراتيجية كعنصر حسم رئيسي في معادلة البقاء وعدم الاستسلام.

ثانياً: الانعطافة السياسية الداخلية وإعلان القطيعة مع السلطة الرسمية إلى حين التراجع عن الأخطاء الجسيمة

يُعد الهجوم على ما يُسمى بـ "اتفاق الإطار" والسلطة اللبنانية التصعيد السياسي الأبرز في خطاب سماحة الشيخ نعيم قاسم، وهو ما يعكس قراءة واقعية لطبيعة الدور الحكومي الراهن:

- نزع الشرعية عن مسار التسوية: رفض الاتفاق ووصفه بأنه "ليس اتفاقًا ولا إطارًا، بل إملاءات إسرائيلية بالحبر الإسرائيلي توقّع عليها السلطة" يعكس قناعة تامة لدى القيادة بأن الحكومة اللبنانيّة انخرطت في مسار استسلامي أو وظيفي يخدم الأجندة الأمريكية-الإسرائيلية بالكامل، متجاوزة الإجماع الوطني.

- السلطة في مرمى النقد المباشر: انتقاد تعامل السلطة مع الجيش وإخضاعه لما سمي ب "المناطق التجريبية" ولجان المراقبة، يهدف إلى تحذير الدولة من تجاوز الخطوط الحمراء المتعلقة بسيادة المؤسسة العسكرية وكرامتها وربطها بالاشتراطات الخارجية ورفض تحويلها إلى أداة لتنفيذ أهداف الخصم.

- القطيعة السياسية: الخطاب يعلن بوضوح نهاية أي هامش للثقة بين حزب الله والحكومة الحالية، معتبراً إياها تبعية وسلطة مأمورة تفتقر للسيادة الوطنية وتراكم الفشل السياسي والدستوري، متسائلًا عن غياب أي إنجاز حقيقي لجولات التفاوض المتتالية، ومطالبًا السلطة بالاعتراف بفشلها الذريع والتراجع عنه.

ثالثاً: الربط بين الرمزية الإقليمية والمعاناة المستمرة

مثًلت الإشارة إلى رد المقاومة في الثاني من آذار نقطة تقاطع شديدة الأهمية؛ فهي من جهة جاءت ردّاً على اغتيال السيد علي الخامنئي (رض)، ومن جهة أخرى أتت تأكيداً على أنها تختصر "الألم الذي عُشناه لـ15 شهراً" من الاعتداءات اليومية والضغط المستمر. هذا التزاوج يوضح بجلاء بعدين أساسيين متداخلين في استراتيجية حزب الله:

- ​البعد العقائدي والإقليمي: الذي يربط بين مصير الساحة اللبنانية ومصير الجبهات بالمنظومة الكبرى لمحور المقاومة ورموزها.

- ​البعد الميداني والداخلي: الذي يضع الرد في إطار مسار دفاعي متواصل لردع آلة الدمار والاعتداءات الإسرائيلية المتصاعدة طوال الأشهر الخمسة عشر الماضية، مما يعطي المعركة طابعاً دفاعياً وجودياً في نظر المقاومة وقاعدتها الشعبية.

رابعاً: هندسة الغضب الشعبي والتعبئة الداخلية

- توجيه البوصلة نحو الحاضنة الشعبية: خصص الشيخ قاسم مساحة عاطفية وتعبوية للنازحين وأهل المقاومة، وهذا يعكس اهتمامًا قياديًّا بهذه البيئة الحاضنة للمقاومة وإحساسًا بآلامها ومعاناتها بفعل التهجير والقتل وتدمير البيوت. كما أكد سماحته بالالتزام المطلق بعدم تركهم.

- الرسالة المزدوجة (تحذير مبطن): عبارة "اختزنوا هذا الغضب... وليتحمل من لا يعرف العمل ويحاول العمل ضد المقاومة وأهلها" تمثل إنذاراً استراتيجياً شديد اللهجة للخصوم الداخليين. إنها محاولة لإعادة توجيه الطاقة النفسية والغضب الشعبي الناجم عن آلام الفقد والنزوح نحو وجهة سياسية وأمنية داخلية محددة ضد كل من يحاول استثمار مأساة الشعب للنيل من المقاومة أو محاصرتها في ظهيرها الشعبي

الخلاصة:

يضع هذا الخطاب حزب الله في حالة دفاع هجومي مزدوج؛ فهو يرفض بشراسة أي محاصرة سياسية سياسية أو تسوية استسلامية في الداخل اللبناني، ويعلن في الوقت ذاته جهوزيته المطلقة لمواصلة المعركة مهما بلغت التضحيات. كما أنه يوجه رسائل إنذار قوية للقوى السياسية المناهضة والسلطة الرسمية، محذّرًا من تداعيات السير في مسارات تخدم الخصم الإسرائيلي وتتجاوز المعادلات العسكرية الراسخة على الأرض.

هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة رأي الموقع.


الكاتب: د. ميرنا عطية




روزنامة المحور