انهارت مذكرة التفاهم الأمريكية-الإيرانية عمليًّا مع مطلع الأسبوع الثاني من تموز 2026، إثر الانتهاك الأمريكي المتكرر لبنودها، وفي مقدمها الخروج على "خريطة المرور الآمن" التي حددتها طهران. عاد تشديد العقوبات النفطية، وتجدّد العدوان العسكري، واتّسع نطاق العمليات حتى بلغ ثلاث عشرة ليلة متتالية من الضربات الجوية، وارتفعت معها مؤشرات استئناف الحرب الواسعة، خصوصًا بعد مخرجات قمة الناتو في أنقرة يومي 7 و8 تموز. وبالتوازي مع الضغط الناري، سعت واشنطن إلى تفعيل حلفائها الإقليميين والأوروبيين واستثمار ما هو متاح من دعم وتعاون؛ وهي عملية تحمل دلالاتها الخاصة، إذ تكشف عن حدود القدرة الأمريكية على إدارة المواجهة منفردة، وتؤشر في الوقت نفسه إلى شكل الحرب المقبلة وساحاتها والفاعلين فيها.
تتوزع مسارح المواجهة المحتملة وفق أكثر من معيار. فمن حيث طبيعة التدخل، ثمة ساحات انخرطت فعليًّا كدول الخليج التي تحتضن القواعد الأمريكية، والسعودية، وقاعدة دييغو غارسيا، واليمن والعراق؛ وساحات بدأت مشاركتها تتبلور كبريطانيا وأوكرانيا وبلغاريا وقبرص وفلسطين؛ وساحات لا تزال كامنة كأذربيجان وتركيا وسوريا ولبنان والكيان الصهيوني؛ وأخرى مترددة وحذرة كفرنسا وألمانيا. ومن حيث نوعية التهديد الدافع إلى الانخراط، يبرز الدافع الاقتصادي لدى الأوروبيين ودول الخليج، والجيوسياسي لدى أوكرانيا ومصر، والديموغرافي لدى تركيا وسوريا وأذربيجان وباكستان، والوظيفي لدى الكيان وبلغاريا وقبرص. أما من حيث حساسية الساحة، فقطر والبحرين والكويت والأردن والعراق والسعودية واليمن ساحات ساخنة، فيما تتقدم لبنان والكيان وقبرص وبلغاريا في لائحة المرشّحة، وقد تحيّدت الإمارات وسلطنة عمان نسبيًّا، على أن هذا التصنيف غير ثابت وخاضع للتطور الميداني والسياسي وللعامل الزمني.
تقوم السردية الإيرانية، عسكريًّا وسياسيًّا، على اعتبار القواعد التي تنطلق منها العمليات الأمريكية أو تُدار منها أهدافًا مشروعة. وقد حدد المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي هذه الدائرة بالقول إن أي دولة تتعاون أو تتواطأ مع الولايات المتحدة في الهجوم على إيران ستواجه الدفاع المشروع، وإن وضع القواعد أو الإمكانات العسكرية واللوجستية بتصرف المعتدي يضع صاحبها في صف المعتدين. ويستند هذا الموقف إلى قرار سياسي وعسكري بفتح الجبهات المتعددة وتحمّل الأكلاف بلوغًا إلى الهدف الأسمى: إزالة القواعد الأمريكية من المنطقة. غير أن توقيت انخراط كل ساحة يبقى محكومًا باعتبارات عملية تشمل جغرافيا القاعدة المستهدفة ودورها الفعلي في إدارة الحرب، والقدرات الصاروخية الإيرانية كمًّا ونوعًا ومدى، ومزاج الرأي العام الداخلي، وتوافر أدوات أقل كلفة من المواجهة المباشرة كالعمليات المستورة وغير الموقّعة واستهداف مصالح العدو في دول ثالثة.
في المقابل، تتجه واشنطن إلى توسعة عملياتها، ويرتفع احتمال لجوئها إلى عمل بري بعدما أعلن ترامب نيته توجيه ضربة كبيرة. وقد جهدت خلال الهدنة في تحصيل الدعم الإقليمي والدولي والتأثير على مواقف دول الناتو للمشاركة في فتح المضيق. وتتدرج المشاركة المطلوبة من الحلفاء بين إسناد ناري ودفاعي ضد الصواريخ والمسيّرات، وتأمين خطوط الإمداد وقواعد التزود بالوقود، وصولًا إلى المشاركة بالعديد في أي إنزال بري أو بحري، وأخيرًا محاولة تشكيل تحالف عربي أو دولي ينقل الصراع من صيغته الصهيو-أمريكية/الإيرانية إلى صيغة عربية-إيرانية. وتتوزع دوافع هؤلاء بين مصالح مشتركة مع واشنطن، وارتباط وظيفي، وأطماع في تقاسم الحصص، وخسائر تراكمية يفرضها استمرار إغلاق المضيق، فضلًا عن دول قد تُستدرج بسياسة العصا والجزرة أو عبر الزجّ غير المباشر بتحريك أدوات داخلها.
بريطانيا في طليعة المرشحين للرد المباشر عبر سفنها ومصالحها البحرية في الخليج والمضيق والبحر الأحمر، ثم عبر قواتها في البحرين وقطر وقبرص إذا اتسعت مشاركتها، وصولًا في مرحلة متقدمة إلى قاعدتي فيرفورد وأكروتيري، مع بقاء الخيار السيبراني مفتوحًا. وقد ركزت الدبلوماسية الإيرانية على تحذير لندن من استخدام قواعدها السيادية في قبرص، حيث تشكل أكروتيري وديكيليا منصتين مركزيتين لطائرات الاستطلاع ومركزًا استخباريًّا ولوجستيًّا يربط أوروبا بمسرح العمليات، وقد سبق أن استُهدفت الأولى بمسيّرة في آذار 2026. أما في الفضاء الأطلسي الأوسع، فيتحول الحلف تدريجيًّا إلى تحالف "متعدد السرعات"، تشارك فيه دول ويكتفي آخرون بالدعم السياسي، فيما تخشى برلين وسواها استنزاف قدراتها الدفاعية مع تراجع مخزون الباتريوت والثاد، وتشتيت الموارد عن الجبهة الأوروبية في مواجهة روسيا. وقد يتبدل هذا الموقف إذا استُهدفت قواعد الحلف أو فُعّلت المادة الخامسة أو طال إغلاق المضيق حدًّا يهدد أمن الطاقة الأوروبي.
الحالة الأوكرانية أشد التباسًا. فبعد استهداف سفينة إيرانية تجارية في بحر قزوين في 25 تموز، وهو ما أقرّ به زيلينسكي شخصيًّا، سارعت كييف في 28 منه إلى الاتصال بالوزير عراقجي لاحتواء الأزمة والاعتذار بذريعة عدم التعمد، في تعبير عن حجم الورطة التي يخلقها انخراطها. وتحذّر مراكز الدراسات الغربية والروسية من أن أي تدخل يحوّل كييف من داعم إلى طرف مباشر، ويقضم شرعيتها في صورة المدافع عن أرضه، ويصرف الاهتمام الغربي عنها، ويرفع عائدات موسكو النفطية. وهذا التنافس على الموارد ملموس: طلب زيلينسكي في 30 تموز حزمة طارئة لفصل الشتاء تتضمن صواريخ اعتراضية للباتريوت بعدما شارف مخزونه على النفاد، في وقت بدأ البنتاغون مراجعة للوجود الأمريكي في أوروبا مدتها ستة أشهر.
على خط القواعد البعيدة، تبقى دييغو غارسيا، حاضنة قاذفات B-2 وB-52، هدفًا مركزيًّا بعد استهدافها بصاروخين باليستيين في 20-21 آذار، فيما شكّل التصويت البلغاري (136 مقابل 13) على استقبال ثماني طائرات تزويد بالوقود ومئتين وخمسين عسكريًّا في قاعدة بيزمر حتى مطلع تشرين الأول، قابلًا للتمديد، مؤشرًا بالغ الدلالة: من يبني محطة تزويد بالوقود لعشرة أسابيع لا يستعد لعملية قصيرة. أما في الشمال، فتتحرك أذربيجان بحساسية عالية بحكم علاقتها بالكيان وموقع خط باكو-تبليسي-جيهان، وتوازن تركيا بين عضويتها في الناتو واحتضانها قاعدة إنجرليك وبين تشديدها على أن استخدامها قتاليًّا يحتاج موافقة أنقرة، وهي التي منعت تحول الجبهة الكردية إلى جبهة إضافية وقيّدت أي تحرك سوري باتجاه لبنان. وفي دمشق، أعلن الشرع في 17 تموز تجنب الانخراط ما لم تتعرض سوريا لهجوم مباشر، في اليوم نفسه الذي استهدفت فيه إيران مركز قيادة للعمليات الخاصة الأمريكية في التنف. وقد أحبطت الرسائل الإيرانية سيناريو تدخل عسكري سوري في لبنان كان يُحضَّر بطلب أمريكي وتمويل إماراتي، فحوّلته من خيار قابل للتسويق إلى مغامرة عالية الكلفة.
خليجيًّا، تمثل الكويت أكبر تجمع للقوات الأمريكية وعقدتها اللوجستية الأولى، ما يجعلها نقطة انطلاق أي تعزيز بري ويجعل الخيار الاستباقي الإيراني تجاهها واردًا في الساعات الأولى للحرب حفاظًا على الهيمنة في التصعيد. وتبقى قطر والبحرين والإمارات عرضة لاستهداف يستمر حتى إخراج القواعد من الخدمة، مع امتداد محتمل إلى المصالح الاقتصادية والشركات الكبرى الداعمة لواشنطن والكيان. وفي العراق تؤدي فصائل المقاومة دورًا محوريًّا في تأمين الحدود والإسناد الناري وصد أي تقدم كردي، فيما عادت الهجمات اليمنية على العمق السعودي منذ 13 تموز بعد أربع سنوات من الحصار، وسط استعداد سعودي لعملية بحرية وربما برية، ومبادرة لتحالف بحري حضره ممثلو 43 دولة ولم يعلن تأييدها رسميًّا سوى أربع عشرة، لافتًا غياب الإمارات وعمان عنها.
أما تحييد الكيان حتى الآن فيخدم غايات أمريكية محددة: منع ربط الساحات، والحفاظ عليه "رصيد قوة"، ونقل الصراع إلى صيغة عربية-إيرانية، ومراعاة موقف الخليج، وتجنب استنزاف طويل. ويرتبط مصير لبنان بهذا الحساب، مضافًا إليه ملف السفارة الأمريكية في عوكر بما يحيط بها من هواجس تتصل بمساحتها وامتدادها واتصالها بالبحر والرحلات العسكرية إلى بيروت والقليعات، فيما تبقى الضفة وغزة مرشحتين لعودة العمليات إذا سنحت الفرصة. وفي المحصلة، يقوم منطق التصعيد الأمريكي على تخفيف الكلفة وتوزيع الأعباء وتنشيط الردع الممتد وفصل الساحات، فيما تقوم المقاربة الإيرانية على انتزاع الهيمنة في التصعيد لا الاكتفاء بالرد المماثل، والقضم التدريجي للقواعد، وإدارة الجبهات بالتوزيع لا بالتزامن. ويبقى استمرار إغلاق المضيق العامل الأقوى في رفع التقاطع والتخادم بين الساحات، بما يجعل من هذه الحرب لحظة تأسيسية في إعادة رسم بنية النظام الإقليمي.
الكاتب: غرفة التحرير