الثلاثاء 18 آب , 2026 02:52

من ترامب إلى أوكاسيو-كورتيز: هل يتغيّر وجه أمريكا؟

أوكاسيو-كورتيز

لم يعد السؤال في واشنطن ما إذا كانت ألكسندريا أوكاسيو-كورتيز ستترشح للرئاسة عام 2028؛ فهي لم تعلن ذلك رسمياً حتى الآن. السؤال الأكثر أهمية هو: هل تتشكل داخل الولايات المتحدة لحظة سياسية تسمح لواحدة من أبرز وجوه اليسار التقدمي بالوصول إلى البيت الأبيض؟

إذا حدث ذلك، فلن يكون الأمر مجرد انتقال من رئيس إلى رئيسة، ولا من جمهوري إلى ديمقراطي. سيكون اختباراً لاتجاه البندول السياسي الأمريكي بعد عقد من الاستقطاب الذي بدأ مع صعود دونالد ترامب، وترسخ مع حركة "MAGA"، وأعاد تشكيل علاقة الأمريكيين بالمؤسسة السياسية والحزبية. وقد أصبحت فرضية ترشح أوكاسيو-كورتيز أكثر حضوراً في النقاش السياسي خلال الأسابيع الأخيرة، مع ارتفاع الاهتمام الوطني بها وتصدرها بعض الاستطلاعات المبكرة، فيما تؤكد التقارير أنها لم تحسم قرارها بعد.

أوكاسيو-كورتيز قد تكون، في هذا السياق، أكثر من مرشحة محتملة. قد تصبح مؤشراً على مقدار التغيير الذي أحدثه عصر ترامب داخل أمريكا نفسها.

صعودها لم يكن من بوابة المؤسسة. ففي عام 2018، أطاحت بالنائب الديمقراطي المخضرم جو كراولي، لتنتقل من شخصية شابة قادمة من خارج النخبة السياسية إلى واحدة من أشهر وجوه الكونغرس. ومنذ ذلك الوقت، بنت نفوذها على ثلاث ركائز: خطاب تقدمي حاد، قدرة استثنائية على التواصل المباشر، وقاعدة جماهيرية شابة تستطيع تحويل وسائل التواصل الاجتماعي إلى قوة سياسية وتمويلية.

لكن الظاهرة الأهم ليست AOC وحدها.

الحزب الديمقراطي نفسه يتغير.

فصعود المرشحين التقدميين في الانتخابات المحلية والتمهيدية، والغضب من تكاليف المعيشة والرعاية الصحية ونفوذ الشركات الكبرى، وتراجع الثقة بالمؤسسة الحزبية التقليدية، كلها مؤشرات إلى أن شريحة من الناخبين الديمقراطيين لم تعد تريد مجرد استعادة الماضي؛ بل تريد إعادة تعريف المستقبل.

وتؤكد التطورات الأخيرة داخل الحزب هذا الاتجاه؛ فقد شكل فوز المرشح التقدمي عبد السيد في الانتخابات التمهيدية لمجلس الشيوخ في ميشيغان، وهي ولاية متأرجحة، دليلاً إضافياً على أن التيار اليساري لم يعد محصوراً في المدن الديمقراطية الساحلية، بل بدأ يفرض نفسه في قلب خريطة انتخابية أكثر تنافسية.

وهنا يمكن فهم جاذبية أوكاسيو-كورتيز.

هي لا تقدم نفسها فقط كديمقراطية في مواجهة الجمهوريين، بل كصوت ضد منظومة سياسية واقتصادية ترى قطاعات واسعة من الأمريكيين أنها فقدت قدرتها على تمثيلهم.

لكن المفارقة أن هذه القوة قد تكون أكبر نقطة ضعف لديها.

فالرئاسة الأمريكية لا تُحسم في نيويورك ولا على منصات التواصل الاجتماعي، بل في ولايات متأرجحة تحتاج إلى تحالف انتخابي واسع يضم الشباب، والطبقة العاملة، والناخبين السود، والمستقلين، والوسطيين، وحتى بعض الناخبين الذين لا يرون أنفسهم جزءاً من اليسار التقدمي.

وهنا يبدأ الاختبار الأصعب:

هل تستطيع أوكاسيو-كورتيز أن تنتقل من تمثيل الغاضبين إلى إقناع المترددين؟

هذا هو الفارق بين مرشحة مؤثرة ومرشحة رئاسية قابلة للفوز.

فصورتها كـ"اشتراكية ديمقراطية" تمنحها قاعدة شديدة الولاء، لكنها توفر في الوقت نفسه للجمهوريين مادة انتخابية جاهزة. وسيكون من السهل على خصومها اختزال تاريخها السياسي في مجموعة من المواقف الأكثر إثارة للجدل، ثم تقديمها للناخب الأمريكي باعتبارها الوجه الجديد لليسار المتطرف.

ولهذا تبدو محاولتها الأخيرة لإعادة تعريف بعض مواقفها الثقافية ذات أهمية استراتيجية، وخصوصاً انتقادها لما وصفته بتطرف المرحلة الأولى من "الصحوة". وقد قرأ محللون هذه اللغة باعتبارها محاولة لتوسيع جاذبيتها الانتخابية، فيما انتقدها بعض الناشطين اليساريين باعتبارها تراجعاً عن مواقف سابقة.

هذه ليست بالضرورة مراجعة فكرية كاملة، بل يمكن قراءتها كعملية إعادة تموضع انتخابي.

هي لا تحتاج إلى التخلي عن اليسار؛ تحتاج إلى جعل اليسار قابلاً للتسويق وطنياً.

وهنا تحديداً تظهر معادلة "ما بعد ترامب".

إذا كان ترامب قد نجح في تحويل الغضب الشعبي من المؤسسة إلى قوة انتخابية يمينية، فإن أوكاسيو-كورتيز تحاول أن تفعل شيئاً مشابهاً من الجهة المقابلة: تحويل الغضب الاقتصادي والاجتماعي إلى مشروع تقدمي.

لكن السؤال الاستراتيجي هو:

هل تستطيع أن تقدم نقيض ترامب من دون أن تصبح امتداداً لمنطق ترامب؟

أي هل تستطيع مواجهة الشعبوية اليمينية بشعبوية اجتماعية واقتصادية، من دون إعادة إنتاج الاستقطاب نفسه بلون آخر؟

هذه قد تكون المعركة الفكرية الحقيقية لعام 2028.

فأمريكا لا تبحث فقط عن شخص يحكمها بعد ترامب؛ إنها تبحث عن إجابة على سؤال: ماذا يأتي بعد ترامب؟

وإذا جاءت الإجابة في صورة أوكاسيو-كورتيز، فإن الولايات المتحدة لن تكون أمام تغيير حزبي تقليدي، بل أمام محاولة لإعادة بناء التحالف الديمقراطي على أساس جديد: الشباب، والطبقة العاملة، والعدالة الاقتصادية، والمناخ، والرعاية الصحية، وتقييد نفوذ رأس المال.

لكن هذا المشروع يصطدم بعقبة لا يمكن تجاوزها بالشعارات: الناخبون السود.

فالنجاح في المدن الكبرى وبين الشباب التقدميين لا يكفي. الحزب الديمقراطي يحتاج إلى تحالف انتخابي واسع، ولا سيما في الولايات المبكرة التي تمنح الناخبين السود وزناً حاسماً في تحديد اتجاه الانتخابات التمهيدية.

إذا لم تستطع أوكاسيو-كورتيز بناء علاقة أعمق مع هذه القاعدة، فقد تبقى نجمة اليسار من دون أن تصبح مرشحة الحزب.

أما السياسة الخارجية، فستكون اختباراً أكثر قسوة.

مواقفها من إسرائيل والحرب في غزة عززت رصيدها لدى قطاعات تقدمية، لكنها في الوقت نفسه وضعتها في مسافة حساسة مع أجزاء من المؤسسة الديمقراطية. وإذا تحولت إلى مرشحة رئاسية، فلن يعود السؤال متعلقاً بموقف سياسي منفرد؛ بل بقدرتها على تقديم عقيدة متكاملة للأمن القومي الأمريكي.

ماذا ستفعل تجاه إسرائيل؟ كيف ستتعامل مع إيران؟

كيف ستوازن بين الصين وتايوان؟ ما رؤيتها للحرب الروسية-الأوكرانية؟ وكيف ستتعامل مع شبكة التحالفات الأمريكية؟

هنا تنتقل أوكاسيو-كورتيز من سياسة الاحتجاج إلى مسؤولية القوة العظمى.

وهذه هي الفجوة الأخطر.

المرشح يستطيع أن يقول إن النظام يجب أن يتغير. الرئيس مطالب بأن يشرح كيف سيعمل النظام في صباح اليوم التالي.

لذلك قد يكون مجلس الشيوخ، بالنسبة إليها، أكثر من مجرد محطة سياسية. قد يكون اختباراً ضرورياً للانتقال من رمز تقدمي إلى شخصية دولة، خصوصاً في ملفات السياسة الخارجية والتشريع والأمن القومي.

لكن التاريخ الأمريكي لا يكافئ دائماً أصحاب المسارات التقليدية. باراك أوباما أثبت أن اللحظة السياسية قد تختصر سنوات من الانتظار عندما يلتقي الجيل الجديد مع مزاج شعبي يبحث عن التغيير.

وهنا تأتي ميزة العمر.

أوكاسيو-كورتيز تمثل جيلاً مختلفاً تماماً عن أجيال ترامب وبايدن. وإذا وصلت إلى الرئاسة عام 2028، فستكون أصغر رئيسة في تاريخ الولايات المتحدة، في لحظة يتزايد فيها الطلب على تجديد القيادة الأمريكية.

لكن الشباب وحده لا يصنع رئيساً.

الرئاسة تحتاج إلى إدارة دولة، لا إدارة حملة.

وتحتاج إلى القدرة على الانتقال من خطاب "نحن ضد المؤسسة" إلى خطاب "نحن مسؤولون عن المؤسسة"، وهذا هو الامتحان الذي سيحدد مصيرها.

فإذا حافظت على صورتها كمتمردة، فقد تبقى محبوبة من قاعدتها لكنها معرضة لخسارة الوسط.

وإذا اندمجت أكثر من اللازم في المؤسسة، فقد تكسب الوسط وتخسر السبب الذي جعلها ظاهرة أصلاً.

إنها عالقة بين هويتين: الثائرة التي صنعتها، والرئيسة التي قد تحتاج إلى أن تصبحها.

ولهذا فإن ترشح أوكاسيو-كورتيز، إذا حدث، سيكون اختباراً للحزب الديمقراطي أكثر مما هو اختبار لشخصها.

إذا فازت بالترشيح، فهذا يعني أن اليسار التقدمي انتقل من موقع الضغط على الحزب إلى موقع قيادته.

وإذا خسرت، فستكون قد أثبتت أن التقدميين يستطيعون تحريك الحزب، لكنهم لم يصبحوا بعد قادرين على الاستيلاء على مركزه، وفي الحالتين، ستكون قد غيرت المعادلة.

أما ترامب، الذي توقع بالفعل أن تترشح، فقد يكون فهم مبكراً طبيعة المعركة. فقد ربط في تصريحاته الأخيرة احتمال ترشحها بمحاولتها الابتعاد عن بعض مواقف اليسار السابقة بشأن الجريمة ومدن الملاذ، وهو ما يكشف أيضاً كيف يمكن أن يستخدم الجمهوريون سجلها السابق في معركة انتخابية وطنية.

وجود أوكاسيو-كورتيز كمرشحة يمنح الجمهوريين فرصة لإعادة رسم الانتخابات باعتبارها مواجهة بين "أمريكا المحافظة" و"أمريكا الاشتراكية".

لكن هذا السلاح قد ينقلب عليهم أيضاً.

فإذا تحولت أوكاسيو-كورتيز من رمز لليسار إلى مرشحة تقدمية تتحدث بلغة الطبقة العاملة والاقتصاد والأمن القومي، فإن المعركة ستصبح أقل أيديولوجية وأكثر ارتباطاً بمن يستطيع تقديم مستقبل أفضل للأمريكيين.

وهنا يتغير السؤال كله.

أمريكا لا تختبر في 2028 ما إذا كانت مستعدة لألكسندريا أوكاسيو-كورتيز فقط؛ بل تختبر ما إذا كانت مستعدة للخروج من عصر ترامب، أم أنها ستبقى أسيرة البندول الذي نقلها من شعبوية اليمين إلى احتمال شعبوية اليسار.

فإذا استطاعت أوكاسيو-كورتيز أن تحول الغضب إلى برنامج، والشعبوية إلى مشروع حكم، والاحتجاج إلى دولة، فقد لا يكون وصولها إلى البيت الأبيض مجرد انتصار ديمقراطي.

قد يكون إعلاناً بأن أمريكا دخلت فعلاً عصر ما بعد ترامب.

أما إذا عجزت عن عبور المسافة بين القاعدة والوسط، وبين الخطاب والحكم، وبين السياسة الداخلية وإدارة القوة الأمريكية، فستبقى واحدة من أكثر الشخصيات تأثيراً في جيلها، من دون أن تصبح رئيسة للولايات المتحدة.

وفي النهاية، لن يكون السؤال:

هل تستطيع ألكسندريا أوكاسيو-كورتيز أن تصل إلى البيت الأبيض؟

بل:

هل تستطيع أمريكا أن تتغير بالسرعة التي تتغير بها ألكسندريا؟

هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة رأي الموقع.


الكاتب: خليل القاضي




روزنامة المحور