لم تعد السياسة الخارجية الأميركية حكرًا على البيت الأبيض ووزارة الخارجية، إذ بدأت الولايات والبلديات تتحول تدريجيًا إلى لاعبين مؤثرين في القضايا المرتبطة ب"إسرائيل" وإيران وروسيا والصين. بحسب مقال نشره موقع "ناشيونال انترست" وترجمه موقع الخنادق الإلكتروني.
ويقول الكاتب أن هذا التوسع قد يمنح الخصوم الأميركيين مساحات جديدة للتأثير والتغلغل.
وبذلك، فإن الولايات المتحدة تواجه صعود دبلوماسية موازية، قد تجعل صياغة الموقف الأميركي الخارجي أكثر تعقيدًا وأقل مركزية.
النص المترجم
بدا غريبًا عندما أصدر رئيس بلدية نيويورك، تهديدًا باعتقال رئيس حكومة أجنبي الشهر الماضي. لكنه لم يكن أمرًا غير معتاد. فعلى الرغم من "تطرف" هذه الخطوة، فإن المواجهة البارزة التي خاضها رئيس البلدية زوهران ممداني مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو جسّدت تصاعد الانخراط السياسي الدولي من جانب البلديات.
دعوا الحفر في الطرق جانبًا. فاليوم، يوجّه المسؤولون المحليون ومسؤولو الولايات أنظارهم إلى قضايا كبرى مثل حقوق الإنسان الدولية، والتجارة، ونزع السلاح النووي، والتحركات العسكرية الخارجية. وسواء كان هذا الاتجاه مرغوبًا أم لا، فإن تداعياته اللاحقة تستحق النظر، في وقت تتحول فيه بلدياتنا إلى ما يشبه وزارات خارجية مصغّرة. بل إن خصوم الولايات المتحدة قد يستغلون هذه الشراكات الدولية الواسعة والموزعة وغير المحددة بوضوح.
خلال يوليو/تموز، انهالت على ممداني اتهامات بتجاوز حدود منصبه. وكتبت صحيفة واشنطن إكزامينر في أحد عناوينها: «ممداني نسي أنه مجرد رئيس بلدية». وكتب مقال رأي في جيروزاليم بوست: «انتُخب زوهران ممداني لخدمة سكان نيويورك، لا لشن حرب على إسرائيل». كما كرر المعلق دوغلاس موراي دعوته إلى أن يركز ممداني ورئيس بلدية لندن صادق خان على خفض معدلات الجريمة والابتعاد عن السياسة الخارجية.
لكن هؤلاء المهوّلين أغفلوا الصورة الأوسع. فقبل أسابيع فقط من مواجهة ممداني ونتنياهو، تبنّى مؤتمر رؤساء البلديات الأميركيين بالإجماع قرارًا يدعو الولايات المتحدة إلى قيادة جهد عالمي لوقف سباق التسلح النووي وعكس مساره. وكان القرار يهدف إلى معالجة انتهاء العمل باتفاقية نيو ستارت الأميركية ـ الروسية للحد من الأسلحة النووية.
وبالمثل، نظم مسؤولون محليون ومسؤولو ولايات تحركات مرتبطة مؤخرًا بسياسة التجارة الدولية. ففي 7 يوليو/تموز، أعد مؤتمر رؤساء البلديات، بقيادة رئيس بلدية سان دييغو تود غلوريا، بيانًا انتقد إدارة ترامب بسبب رفضها تجديد اتفاقية الولايات المتحدة ـ المكسيك ـ كندا (USMCA). وعلى نحو منفرد، اعتمد حكام إلينوي وأوريغون وتكساس ووايومنغ، من بين آخرين، مذكرات مرتبطة بالتجارة مع دول أجنبية.
ولا ننسى وفود رؤساء البلديات. ففي مايو/أيار، سافر رئيس بلدية شيكاغو براندون جونسون، الذي يحظى بشعبية منخفضة تاريخيًا، إلى روما للقاء البابا ليو الرابع عشر، المولود في شيكاغو. وفي وقت سابق من هذا العام، انضمت رئيسة بلدية بوسطن ميشيل وو إلى رئيسي بلديتي وارسو وكييف في مؤتمر ميونيخ للأمن. وهناك أعلنت انضمام بوسطن إلى ميثاق المدن الحرة، وهو تحالف بين المدن يصف نفسه بأنه مناهض للشعبوية.
لا يستطيع رؤساء البلديات والحكام إطلاق القنابل النووية، أو تغيير جدول التعرفة الجمركية الأميركية، أو رسم سياسة الأمن الغربي. ومع ذلك، فإنهم ينخرطون في هذه المجالات.
ومن رأوا في تحرك ممداني محاولة منفردة للاستيلاء على النفوذ، من المرجح أنهم غير مطلعين على البنية التي نشأت حول الدبلوماسية الأميركية على مستوى الولايات والبلديات خلال السنوات الأخيرة. إذ تقول منظمة Sister Cities International، التي تتخذ من واشنطن مقرًا لها وتسهّل عمليات التبادل بين المدن الأميركية والأجنبية، إنها تدعم حاليًا ما لا يقل عن 1800 علاقة "شقيقة" بين مدن في 140 دولة، تشمل أكثر من 400 مدينة أميركية.
وتسعى منتديات أخرى دون وطنية إلى تعويض تراجع التعاون الأميركي الأخير في مبادرات المناخ. ويضم تحالف Under2 للمناخ، الذي أسسته حكومتا كاليفورنيا وولاية بادن-فورتمبيرغ الألمانية عام 2015، حاليًا 177 حكومة من الحكومات غير المركزية. كما يضم تحالف المناخ الأميركي، الذي تأسس عام 2017، 24 حاكمًا لولايات أميركية، ويمثل 60 في المئة من الاقتصاد الأميركي.
حتى الجهات التقليدية التي كانت تمنح هذا النوع من التحرك شرعيته تخلت عن جزء من مساحتها لصالح الحكومات دون الوطنية. فقد أنشأت وزارة الخارجية الأميركية وحدة للدبلوماسية دون الوطنية لفترة قصيرة عام 2022، كما اعترف مجموعة السبع بالمدن بوصفها مجموعة مشاركة رسمية في يناير/كانون الثاني 2026.
هناك ما يدعو إلى الاحتفاء بالانفجار في الانخراط العالمي. فقيام الحكومات دون الوطنية أحيانًا بتحدي حكوماتها المركزية قد يكون أمرًا جيدًا للعالم؛ إذ يضيف منافسة ديمقراطية، ومن المرجح أن يحقق فوائد صافية للبشرية. وفي عام 2024، عندما أقر أكثر من 100 مجلس بلدي أميركي قرارات تدعو إلى وقف إطلاق النار في غزة، رغم أنها لم تكن ذات أثر قانوني، فإنها شكّلت مؤشرًا مهمًا على الرأي العام.
وبالمثل، فإن الحجم الأصغر للدبلوماسية دون الوطنية يجعلها أكثر ملاءمة لمقاربة إنسانية تقوم على "التواصل بين الشعوب". فقد حفر متطوعون من بينغهامتون في نيويورك بئرًا في إل تشاركون في السلفادور؛ ومولت مدن أوروبية وحدات لإنتاج السماد العضوي في بنغازي بليبيا؛ ونسقت العديد من المدن الشقيقة حول العالم مع البلديات الأوكرانية لتقديم مساعدات خلال الحرب.
كما توفر هذه الاتفاقيات هياكل تسمح لمجموعات صغيرة من السكان في مناطق متشابهة، ولكن في دول مختلفة، بالتعاون في قضايا خاصة بمناطقهم، كما حدث عندما وقّع رئيسا بلدية سان دييغو وتيجوانا مذكرة تفاهم بشأن الإدارة المشتركة للحدود وتلوث نهر تيخوانا.
لكن ممارسة رؤساء البلديات لصلاحيات مرتبطة بالسياسة الخارجية تطرح أيضًا مشكلات ومخاطر جديدة.
أولى هذه المشكلات هي مشكلة التفويض، وهي الأكثر شيوعًا في الانتقادات. فرؤساء البلديات يُنتخبون عمومًا لإدارة قضايا محلية مثل النقل والإسكان والشرطة، وليس لإبداء آرائهم في الصراعات العالمية. وعلى الرغم من أن هذا انتقاد مشروع، فإن المشكلة تراجعت إلى حد ما مع العولمة التي دمجت الأبعاد العالمية والمحلية في تجربة الإنسان. وقد أظهرت مركزية الصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني في حملة ممداني ذلك بوضوح.
لكن الأكثر إثارة للقلق هو مشكلة القاعدة الشعبية أو "الديموس". فالمواقف من السياسة الخارجية شديدة التباين، وغالبًا ما تضم المدن عددًا كبيرًا من وجهات النظر المتعارضة بشأن قضايا الحرب الصفرية. وبالتأكيد، سيتذكر التاريخ بعض الحالات بإيجابية؛ فبحلول عام 1985، كان أكثر من 120 مجلسًا بلديًا بريطانيًا قد تبنى إجراءات مناهضة للفصل العنصري متحديًا رئيسة الوزراء مارغريت تاتشر. لكن هذه الإجراءات كلفت رؤساء البلديات جزءًا من قدرتهم على تمثيل جميع السكان.
وسيجادل المشككون في مشكلة القاعدة الشعبية بأنه لا يستطيع أي سياسي اتباع سياسة تمثل ناخبيه بصورة كاملة، وأن الدبلوماسية المحلية قوة تعمل على تعزيز الديمقراطية. لكن المدن أكثر مرونة بكثير من الدول. فالولايات المتحدة، على سبيل المثال، تمتلك منظومة من اللجان التشريعية والتنفيذية التي تشارك في صياغة سياستها الخارجية، بينما يعمل رؤساء البلديات غالبًا بمفردهم أو ضمن فريق صغير.
ولا يبدو أن هناك مجلسًا للأمن القومي في مدينة سان خوسيه بولاية كاليفورنيا، حيث اختار رئيس البلدية السابق سام ليكاردو الحفاظ على علاقة مع يكاترينبورغ الروسية رغم الغزو الروسي لأوكرانيا.
ولا يمكن توقع أن يكون الناخبون في سان خوسيه قد درسوا بصورة معمقة أخلاقيات الفصل بين سياسات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الحربية وبين التواصل مع المواطنين الروس العاديين. ومن المرجح أن سكان سان خوسيه كانوا يفضلون أن يركز رئيس بلديتهم على الارتفاع الحاد في تكاليف المعيشة. ومن هذا المنظور، قد تكون "الدبلوماسية دون الوطنية أقل ديمقراطية".
وبما أن عملية صنع السياسات على المستوى البلدي غير رسمية، فإن الروابط دون الوطنية هي الأسهل اختراقًا من جانب خصوم الولايات المتحدة. فكثيرًا ما تعمل علاقات المدن الشقيقة والترتيبات المشابهة لها في مناطق رمادية قانونيًا، حيث تملك الحكومات المركزية نفوذًا محدودًا، لأن البلديات لا تتمتع، بموجب القانون الدولي، بصلاحية إبرام المعاهدات.
وخوفًا من ذلك، قدم النائب تشيب روي، الجمهوري من تكساس، في مايو/أيار مشروع "قانون شفافية المدن الشقيقة لحماية المدن الأميركية من استغلال الحزب الشيوعي الصيني"، والذي من شأنه أن يفرض الكشف عن أنشطة الدبلوماسية دون الوطنية بين المدن الأميركية والصين أو روسيا.
في الوقت الراهن، يبدو من غير المرجح أن يعمد الحزب الشيوعي الصيني إلى اختطاف مبادرة لإحدى المدن الشقيقة من أجل حفر بئر. لكن مع توسع الدبلوماسية دون الوطنية، سترتفع احتمالات زرع عناصر استخباراتية معادية داخل شراكات تبدو غير ضارة.
إن الطابع غير الرسمي ــ بل والتافه أحيانًا ــ للدبلوماسية دون الوطنية يخلق مفاضلات. فالساسة المحليون يمتلكون قدرًا ضئيلًا من السلطة الفعلية في السياسة الخارجية، ما يدفع الحكومات المركزية إلى السماح إلى حد كبير بهذا النوع من النشاط السياسي الصغير. ويسمح هذا التساهل للدبلوماسيين المحليين بتحقيق تقدم إنساني واجتماعي. لكنه يفتح أيضًا الباب أمام تجاوز الصلاحيات والتدخل الأجنبي.
كانت محاولة ممداني لاعتقال رئيس حكومة أجنبية لافتة، لكنها لم تكن غير مسبوقة في سياق هذا الاتجاه. ومع تطلع مزيد من البلديات إلى أن تصبح وزارات خارجية، يجب علينا أن نقيس الفوائد التي نحصل عليها مقابل مستوى الأمن الذي قد نتخلى عنه في المقابل.
المصدر: ناشيونال انترست
الكاتب: بيتر ن. جونز