الأربعاء 19 آب , 2026 01:25

فخ المناطق التجريبية: هل تعيد "إسرائيل" تجربة أوسلو لابتلاع الضفة؟

آليات إسرائيلية

في الضفة الغربية المحتلة، حيث يخيم الصمت الثقيل على بلدات وقرى تئن تحت وطأة الاستيطان والتهجير، يفاجئنا الاحتلال بخطوة جديدة تحمل في طياتها أكثر مما تظهر على السطح. قرار نقل صلاحيات "إنفاذ القانون" من الجيش إلى الشرطة الإسرائيلية، الذي أوعز به وزير الحرب يسرائيل كاتس، ليس فقط تغيير إداري أو تنظيمي هامشي، بل هو حلقة متقدمة في سلسلة ممنهجة من التخطيط الاستعماري لابتلاع ما تبقى من الأرض الفلسطينية، وتكريس مشروع "إسرائيل الكبرى" الذي لا يخفي العدو شغفه بتحقيقه.

فطنت الفصائل الفلسطينية فوراً إلى خطورة هذا القرار، فتوالت بياناتها بدءاً من حركة حماس مروراً بالجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية، وتقاطعت مع تحذيرات الأمم المتحدة، مجمعة على أن هذه الخطوة تمثل ضماً فعلياً للضفة وإلغاءً لما يسمى "الخط الأخضر". فتحويل الضفة من نظام الحكم العسكري إلى القوانين المدنية "الإسرائيلية" يعني، بكل بساطة، عدّها جزءاً من "دولة" الكيان المزعومة، وهو ما يمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية التي تؤكد على عدم شرعية الاحتلال والاستيطان.

أوسلو: غطاء سياسي للتوسع الاستيطاني

لكن الخطورة الأعمق تكمن في أن هذه الخطوة ليست وليدة اللحظة، بل هي نتاج طبيعي لمسار بدأ قبل ثلاثة عقود، حين أوقعت "اتفاقية أوسلو" الفلسطينيين في فخ التفاوض على حساب الحقوق الثابتة. فلم يكن اتفاق أوسلو مجرد ترتيب مرحلي لإدارة الصراع، كما روّج له البعض، بل كان بمثابة غطاء سياسي ومهلة زمنية مكنت العدو الصهيوني من تنفيذ مشاريع لم يجرؤ على الإقدام عليها سابقاً.

في ذلك الاتفاق، قُسّمت الضفة إلى ثلاث مناطق: (أ) الخاضعة للسيطرة الفلسطينية الأمنية والإدارية، و(ب) الخاضعة للسيطرة المدنية الفلسطينية والأمنية "الإسرائيلية"، و(ج) الخاضعة للسيطرة "الإسرائيلية" الكاملة. هذا التقسيم، الذي بدا في ظاهره ترتيباً مرحلياً، كان في جوهره أداة لتثبيت الاحتلال وتوسيع الاستيطان، إذ وجد الصهاينة في وعوده الفضفاضة فرصة ذهبية لتوسيع البؤر الاستيطانية، وإقامة الشوارع الالتفافية، وتكريس سياسة الأمر الواقع.

فعدد المستوطنين قفز من 110 آلاف في العام 1993، إلى نحو 516 ألفاً في الضفة الغربية وحدها في العام 2024، إضافة إلى 230 ألف مستوطن داخل القدس المحتلة. هذا التوسع لم يأتِ صدفة، بل كان نتيجة مخطط مدروس استغل كل ثغرة في الاتفاق، وكل فترة تهدئة، لتعزيز الوجود الاستيطاني وتغيير المعادلة الديموغرافية على الأرض.

نقل الصلاحيات: الضم يبدأ من البوابة القانونية

ما يحدث اليوم، بنقل صلاحيات إنفاذ القانون إلى الشرطة "الإسرائيلية"، هو امتداد طبيعي لهذا المسار، لكنه يحمل خطورة إضافية تتمثل في تحويل الاحتلال العسكري المؤقت إلى إدارة مدنية دائمة، وهو ما يكرس الضم بحكم الأمر الواقع. فالقوانين العسكرية كانت، حتى الآن، تحكم الضفة بسلطة الأمر الواقع جراء الاحتلال، لكن تحويل الأمور إلى قوانين مدنية يعني جعل الضفة جزءاً لا يتجزأ من الكيان، وإخضاع سكانها لنفس القوانين التي تخضع لها المستوطنات داخل الخط الأخضر.

هذا التدرج في الضم، يذكرنا بما يجري على الحدود اللبنانية من محاولات لفرض "مناطق تجريبية" أو "خطوط صفراء" تُستخدم كذريعة لتوسيع السيطرة وتقييد حركة المقاومة. وفي غزة، يحاول الاحتلال فرض وقائع مماثلة عبر اتفاق القاهرة الأخير، الذي يحمل في طياته ألغاماً كثيرة، أبرزها ملف نزع السلاح، وقضية لجنة التكنوقراط، ومصير "قوة الاستقرار" الدولية.

هل تعيد "إسرائيل" تجربة أوسلو في غزة؟

السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: هل يسير المشهد في غزة نحو تكرار تجربة أوسلو؟ هناك تشابه مقلق في النهج، فالاحتلال يستغل أي اتفاق أو تهدئة لترسيخ وقائع جديدة على الأرض، تماماً كما فعل في الضفة بعد أوسلو. ففي غزة، يتحدثون عن "لجنة تكنوقراط" تدير القطاع، وعن "قوة استقرار" دولية، وعن نزع سلاح المقاومة، لكن الثمن المطلوب مقابل هذه الترتيبات هو التنازل عن الحقوق الثابتة، وقبول واقع جديد يكرس التبعية ويحافظ على التفوق "الإسرائيلي".

إن إصرار الاحتلال على ربط أي تقدم في غزة بنزع سلاح المقاومة، واستمراره في منع لجنة التكنوقراط من دخول القطاع، وتعطيل إعادة الإعمار، كلها مؤشرات على أنه يسير في الاتجاه ذاته الذي سلكه في الضفة: استغلال المفاوضات لإطالة أمد الاحتلال، وتكريس التقسيم، ومنع أي كيان فلسطيني موحد من الظهور.

التوقيت: الانتخابات والضم

لا يمكن فصل هذه الخطوات عن السياق الإقليمي والداخلي "الإسرائيلي". فمع اقتراب الانتخابات البرلمانية "الإسرائيلية" في أكتوبر/تشرين الأول 2026، يبدو نتنياهو بحاجة ماسة إلى إنجازات يعرضها على ناخبيه، خصوصاً بعد الفشل في تحقيق النصر المطلق في غزة، وتآكل صورته كـ"السيد الأمني" للكيان. ضم الضفة، ولو بشكل تدريجي، هو ورقة انتخابية بامتياز، ترضي حكومة اليمين المتطرف، وتحافظ على تماسك الائتلاف الحاكم، وتعطي انطباعاً بأن "إسرائيل" "تنتصر" رغم كل شيء.

كما أن انشغال العالم بغزة، والمواجهات الأميركية-الإيرانية، وتراجع الاهتمام الدولي بالقضية الفلسطينية، كلها عوامل توفر غطاءً مثالياً لتنفيذ مخطط الضم، في غياب أي ردع دولي جاد أو عقوبات حقيقية.

ماذا عن السلطة الفلسطينية؟

في خضم هذا المشهد المظلم، يبقى الموقف الفلسطيني الرسمي محيراً. ففي الوقت الذي يتسارع فيه الاحتلال في تنفيذ مخططاته، تبقى السلطة الفلسطينية عاجزة عن تقديم بديل استراتيجي، وتواصل الرهان على مسار التفاوض الذي أثبت فشله مراراً وتكراراً. لقد تحولت السلطة، بعد أوسلو، إلى مقاول أمني يدير شؤون المدن الفلسطينية تحت رقابة الاحتلال، ويوفر الغطاء لاستمرار الاستيطان من خلال التنسيق الأمني الذي بات أشبه بخدمة للعدو أكثر منه حماية للمواطن الفلسطيني.

ففي النهاية؛ فإن المقاومة هي السبيل الوحيد، حيث أنه منذ ثلاثين عاماً من المفاوضات، ومن عقود من الرهان على المجتمع الدولي، هو أن الاحتلال لا يفهم إلا لغة القوة. كل تهدئة استغلها لتوسيع الاستيطان، وكل اتفاق وظفه لتعزيز قبضته على الأرض، وكل مفاوضات استخدمها كورقة لتأجيل الحقوق وتثبيت الوقائع. ليس أمام الفلسطينيين، إن أرادوا الحفاظ على ما تبقى من أرضهم وحقوقهم، إلا خيار المقاومة بكل أشكالها، واستعادة الوحدة الوطنية، وبناء استراتيجية موحدة تواجه مشروع الضم والتهجير.

فخ المناطق التجريبية الذي نصبه الاحتلال في الضفة وغزة، لا يمكن كسره إلا بإرادة فلسطينية صلبة، ومقاومة شاملة تدرك أن العدو لا يقدم تنازلات إلا تحت الضغط، وأن الحرية لا تمنح، بل تنتزع. وإلا، فسيكون مصير الضفة وغزة هو ذات المصير الذي حلّ بمعظم فلسطين التاريخية: ضم تدريجي، وتهجير ممنهج، ومشروع استيطاني لا يتوقف إلا عندما يصل إلى البحر.


الكاتب:

د.محمد الأيوبي

كاتب صحفي فلسطيني
بكالوريوس في الصحافة والإعلام
دكتوراه في الحقوق
[email protected]




روزنامة المحور