عندما توجّه إسرائيل ضرباتها إلى مطار أبو الظهور العسكري في ريف إدلب الشرقي، بعد أشهر من أعمال التأهيل الواسعة التي شهدها الموقع، فإن الحدث يتجاوز في دلالته حدود العملية العسكرية العابرة، ليصبح مؤشرًا على صراع أوسع يتشكّل اليوم حول مستقبل القوة العسكرية في سوريا، وحول الجهة التي ستملك في النهاية حق رسم خريطة النفوذ بين دمشق وأنقرة وتل أبيب. فالمطارات، في المعادلات الاستراتيجية، ليست منشآت خدمية أو بنى تحتية محايدة، بل هي عقد ارتكاز تتحدد بموجبها قدرة الدولة على الحركة والردع وإعادة تكوين ذراعها الجوية، ومن هنا يكتسب استهداف موقع بعينه، في هذا التوقيت تحديدًا، طابعًا سياسيًا لا يقل عن طابعه العسكري.
الهدف المباشر للضربة يبدو واضحًا في اختيار المصارف: فتركيز القصف على المدرج والمنشآت المرتبطة بالتشغيل، لا على أهداف طرفية أو مخازن ثانوية، يكشف عن نية محددة تتمثل في تعطيل قدرة المطار على استقبال الطائرات، وتأخير مشروع إعادة التأهيل أو إجهاضه قبل أن يبلغ مرحلة التشغيل الفعلي. وهذه المقاربة تنتمي إلى منطق الضربات الاستباقية الذي تعتمده تل أبيب منذ سنوات، والقائم على التدخل في اللحظة التي تسبق تبلور القدرة، لا بعد اكتمالها، لأن كلفة تعطيل مشروع في طور الإنشاء أدنى بكثير من كلفة مواجهة قاعدة جوية عاملة تمتلك جاهزية تشغيلية كاملة.
غير أن البعد الأهم في الحادثة يتصل بالطرف الثاني في المعادلة، أي تركيا. فالدور التركي في إعادة تأهيل المطار يجعل استهدافه رسالة موجهة إلى أنقرة قبل أن تكون موجهة إلى دمشق، ويضع الضربة في سياق التنافس على النفوذ العسكري داخل الأراضي السورية أكثر مما يضعها في سياق الأمن الحدودي الإسرائيلي التقليدي. فتل أبيب تراقب بقلق متزايد اتساع الحضور العسكري التركي في الشمال والوسط السوريين، ولا ترغب في أن تتحول القواعد السورية إلى نقاط تمركز تركية دائمة تعيد تشكيل ميزان القوى الإقليمي على نحو يخرج عن سيطرتها. وبهذا المعنى، يصبح مطار أبو الظهور اختبارًا مبكرًا للخطوط الحمراء بين الطرفين، ومحاولة لتحديد سقف التمدد التركي قبل أن يترسخ ويصبح أمرًا واقعًا يصعب التراجع عنه.
وتتقاطع هذه الرسالة مع هدف ثالث لا يقل أهمية، وهو منع إعادة بناء سلاح الجو السوري. فإعادة تشغيل مطار بحجم أبو الظهور تعني توفير بنية تحتية قادرة على استقبال المقاتلات وطائرات النقل والطائرات المسيّرة، أي توفير الحاضنة المادية التي يمكن أن تنطلق منها عملية إعادة تكوين قوة جوية سورية ولو في حدها الأدنى. ومن هنا يندرج القصف ضمن سياسة أشمل تستهدف الحيلولة دون استعادة القدرات العسكرية الثقيلة، لأن استعادة هذه القدرات، حتى لو جاءت في إطار إعادة بناء مؤسسات الدولة لا في إطار المواجهة، تعني تلقائيًا تقليص هامش الحرية الذي تتمتع به الطائرات الإسرائيلية في الأجواء السورية منذ سنوات.
وما يجعل هذه السياسة أكثر من مجرد رد فعل ظرفي هو ارتباطها برؤية استراتيجية أوسع تقوم على إبقاء سوريا في موقع عسكري ضعيف بصورة بنيوية. فكل مطار يُعاد تشغيله، وكل منظومة دفاع جوي تُستعاد، وكل مخزن تسليح يُعاد تفعيله، يمكن أن يشكل مستقبلًا لبنة في قدرة ردع سورية ما، وهو تحديدًا ما لا ترغب تل أبيب في السماح بتشكله مهما كانت طبيعة السلطة في دمشق أو توجهاتها المعلنة. وهنا يظهر التحول الأبرز في العقيدة الإسرائيلية تجاه سوريا: فالاستهداف لم يعد مرتبطًا حصرًا بالوجود الإيراني أو بخطوط إمداد حزب الله، كما كان الحال طوال السنوات الماضية، بل بات يشمل أي محاولة لإعادة بناء قدرات عسكرية سورية جديدة أيًا كان مصدرها أو الجهة الراعية لها. أي أن المعيار انتقل من هوية القوة إلى طبيعة القدرة نفسها.
ويحمل القصف في طياته أيضًا رسالة تتعلق بفرض قواعد اشتباك جديدة داخل سوريا، مفادها أن الكيان الإسرائيلي يريد الاحتفاظ لنفسه بحق تحديد ما يُعدّ مقبولًا وما يُعدّ غير مقبول عسكريًا داخل الأراضي السورية، وأن هذا الحق ليس موضوعًا للتفاوض بل واقعًا يُفرض بالقوة ويُثبَّت بالتكرار. وهذه المقاربة تسعى إلى تحويل التدخل الجوي من استثناء أمني إلى قاعدة دائمة، بحيث تصبح السيادة السورية على أجوائها ومنشآتها مسألة مشروطة بموافقة ضمنية من تل أبيب.
ويضيف موقع مطار أبو الظهور بعدًا جغرافيًا إلى هذه الحسابات. فإمكان تطويره بدعم تركي قد يحوّله من مطار محلي محدود الوظيفة إلى قاعدة لوجستية وجوية متقدمة قادرة على خدمة عمليات أوسع في شمال سوريا ووسطها، وعلى تأمين عمق تشغيلي يربط مناطق النفوذ التركي بعضها ببعض. وهذا التحول، إن اكتمل، لن يبقى محصورًا في نطاقه المحلي، بل سيغيّر في طبيعة ميزان القوى داخل الأراضي السورية، وهو ما تنظر إليه تل أبيب باعتباره تطورًا غير مريح يستدعي التحرك قبل نضوجه.
من هذه الزاوية، يصبح مطار أبو الظهور جزءًا من صراع أكبر بكثير من حجمه، صراع على مستقبل سوريا الجديدة وعلى الجهة التي ستتمكن من رسم خريطتها العسكرية. فدمشق تسعى إلى استعادة مؤسساتها العسكرية بوصفها شرطًا لاستعادة الدولة نفسها، وأنقرة تعمل على تثبيت نفوذها وترجمته إلى حضور مؤسسي دائم لا إلى وجود مؤقت مرتبط بموازين اللحظة، بينما تسعى تل أبيب إلى منع نشوء قوة عسكرية سورية جديدة تخرج عن قدرتها على الضغط والاحتواء. وهذه الأهداف الثلاثة تتقاطع كلها في موقع واحد، ما يفسّر لماذا تحوّل مطار في ريف إدلب إلى نقطة تماس بين ثلاث إرادات إقليمية.
وعليه، فإن قصف أبو الظهور لا يتعلق بمدرج طائرات أو منشآت محددة فحسب، بل يحمل رسالة متعددة الاتجاهات: إلى دمشق بأن إعادة بناء القوة العسكرية ستكون عملية مكلفة ومعرّضة للانتكاس في أي لحظة، وإلى أنقرة بأن تمددها العسكري داخل سوريا سيواجه اعتراضًا فعليًا لا لفظيًا، وإلى المنطقة بأن تل أبيب تصرّ على تقديم نفسها لاعبًا قادرًا على التأثير في شكل التوازن العسكري داخل سوريا لا مجرد طرف معني بأمن حدوده. وبهذا المعنى، قد يكون استهداف المطار مؤشرًا إلى بداية فصل جديد من صراع النفوذ على سوريا، فصل يتجاوز حدود الحادث الأمني العابر ليطال مستقبل البنية العسكرية السورية، وحدود النفوذ التركي، والقواعد التي تسعى إسرائيل إلى فرضها على المشهد العسكري في البلاد لسنوات مقبلة.
الكاتب: غرفة التحرير