الأربعاء 19 آب , 2026 03:25

سيناريو الخيار المعقّد: مشاركة الناتو في الحرب الأميركية على إيران

الناتو

وضعت الحرب الأميركية على إيران حلف شمال الأطلسي أمام اختبار يختلف جذريًا عن ذلك الذي فرضته الحرب الروسية–الأوكرانية عام 2022، فالتهديد الروسي أعاد تركيز الحلف على وظيفته التقليدية في الدفاع الإقليمي، بينما تكشف المواجهة مع إيران حدود التماسك الأطلسي حين تختلف الدول الأعضاء في تعريف التهديد وترتيب الأولويات واختيار الوسائل. فإيران تمثل بالنسبة إلى الولايات المتحدة جزءًا من مشكلة استراتيجية أوسع ترتبط بموقعها في غرب آسيا ومنع الانتشار النووي وحماية الملاحة والطاقة وصون شبكة النفوذ والتحالفات، في حين يقرأ كثير من الدول الأوروبية الأزمة من زاوية الاستقرار الإقليمي وأمن الإمداد ومنع اتساع الحرب، لا باعتبارها تهديدًا وجوديًا يستدعي حملة عسكرية واسعة.

ويزداد هذا التباين حدة لأن العمليات الأميركية بدأت خارج آلية القرار الجماعي للحلف، فلم يظهر الناتو فاعلًا استراتيجيًا موحدًا بل مجموعة من الحكومات تتخذ قرارات وطنية متفاوتة، بعضها يمنح تسهيلات لوجستية أو دفاعية، وبعضها يذهب إلى مشاركة أوسع، وبعضها يرفض استخدام أراضيه أو قواعده في العمليات الهجومية. وتكشف هذه الحالة أن العضوية لا تنتج تلقائيًا اتفاقًا على كل حرب تخوضها الدولة الأقوى داخل التحالف، كما أنها لا تخلق الخلافات من الصفر بل تُظهر ما هو قائم أصلًا في ملفات تقاسم الأعباء والاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية وطبيعة استخدام القوة ومدى الاعتماد على واشنطن.

ومن الناحية المؤسسية، لا تنشئ معاهدة شمال الأطلسي التزامًا عامًا بالمشاركة في كل حرب يخوضها عضو فيها، إذ يرتبط الدفاع الجماعي بشروط قانونية وسياسية محددة، وحتى عند انطباقه تحتفظ الدول بسلطة تحديد طبيعة مساهمتها. أما العمليات الخارجة عن هذا الإطار فتبقى رهن القرارات الوطنية، ولا تُنفَّذ باسم الحلف إلا بتوافق سياسي داخله. ومن هنا يلزم التمييز بين التوافق الضمني، والموافقة على عملية بعينها، والاصطفاف السياسي مع الولايات المتحدة، والمشاركة الثنائية خارج مؤسسات الناتو، فقد تكون دولة حليفًا وثيقًا لواشنطن وترفض في الوقت نفسه الانضمام إلى حرب محددة.

غير أن الاستقلال القانوني لا يعني استقلالًا استراتيجيًا كاملًا. فالدول الأوروبية تعتمد على الولايات المتحدة في قدرات يصعب تعويضها سريعًا، من الردع النووي والاستخبارات الاستراتيجية إلى القيادة والسيطرة والنقل بعيد المدى والتزود بالوقود والدفاع الجوي والصاروخي، بينما تعتمد واشنطن على الجغرافيا الأوروبية وقواعدها وموانئها وعمقها العملياتي والشرعية التي يمنحها الاصطفاف الأوروبي. وهو اعتماد متبادل لكنه غير متكافئ، وقادر على التحول من أداة تعاون إلى أداة مساومة عند الخلاف على حرب بعينها، فالأوروبيون يستطيعون نظريًا تحويل القواعد والممرات من تسهيلات شبه تلقائية إلى أصول تفاوضية، وتستطيع واشنطن استثمار اعتمادهم الأمني للضغط نحو مستويات أعلى من الدعم. وهنا تعمل معضلتا التخلي والانجرار اللتان صاغهما غلين سنايدر: خشية أن يتخلى الحليف عند الحاجة، وخشية أن يجرّ إلى حرب لا تخدم المصلحة المباشرة.

وتتشكل دوافع الاقتراب من الحرب من قدر من الاتفاق على خطورة البرنامجين النووي والصاروخي وعلى الدور الإقليمي لإيران، ومن أمن الطاقة والملاحة وانعكاس اضطراب الممرات البحرية على الأسعار والتأمين والتضخم، ومن الحرص على الثقة السياسية والأمنية مع واشنطن في ظل استمرار الحاجة إليها لمواجهة روسيا، ومن الرغبة في الاحتفاظ بموقع داخل صناعة القرار عبر مشاركة محدودة تمنح تأثيرًا في تحديد حدود الحملة وشروط إنهائها. ويظل التحول الأخطر مرتبطًا باستهداف أراضي دولة عضو أو قواتها أو سفنها أو بنيتها التحتية، لأنه ينقل الملف من مساندة حرب أميركية إلى مسألة تمس أمن الحلف مباشرة. وفي المقابل، يتصدر غياب الأساس القانوني الجماعي قائمة الكوابح، يليه اختلاف تقدير التهديد، والأحادية الأميركية وضعف التشاور، والخوف من الانزلاق التدريجي حين يبدأ الدعم بالنقل والوقود وينتهي بالرد على مصادر التهديد، وأولوية روسيا وأوكرانيا في ظل محدودية صواريخ الاعتراض والذخائر والقدرات الصناعية، والكلفة الاقتصادية التي تجعل الحرب نفسها مصدرًا للتهديد الذي يُراد احتواؤه، فضلًا عن صعوبة تبرير حرب جديدة أمام برلمانات ورأي عام تسكنه ذاكرة حروب طويلة سابقة، والحاجة لدى بعض العواصم إلى الاحتفاظ بدور الوساطة مع طهران.

بين هذه الدوافع والكوابح تمتد مساحة الإسناد الاستراتيجي من دون تأييد سياسي كامل، حيث تقدم الدولة قواعد وممرات ووقودًا ونقلًا وصيانة واتصالات ومعلومات تسمح باستمرار العمليات من دون مشاركة مباشرة في الهجمات أو تبنٍّ لأهداف الحرب. وتكتسب هذه الصيغة أهميتها من أن القوة العسكرية المعاصرة لم تعد تُنتَج في ساحة القتال وحدها، بل عبر سلسلة موزعة من المطارات والموانئ ومراكز القيادة والأقمار الصناعية ومخازن الذخائر وشبكات البيانات والشركات الصناعية، فتوجد الدولة داخل سلسلة إنتاج القوة حتى وقواتها غائبة عن القصف. وهكذا يصبح التفصيل الوظيفي للمساهمة أهم من إعلان المشاركة أو نفيها، وتتحول تسمية الفعل ذاتها إلى جزء من الصراع؛ إذ قد تعدّ واشنطن استخدام قاعدة أوروبية دليل تضامن، وتصفه الحكومة المضيفة دعمًا تقنيًا محدودًا، وتراه طهران مساهمة عدائية مباشرة. ولأن عبارات مثل "حماية الملاحة" أو "الدفاع عن القوات" قد تنتزع موافقة سياسية يتعذر الحصول عليها تحت عنوان المشاركة في الحرب، ترتفع أهمية الشفافية والرقابة البرلمانية واستقلال الإعلام، فكلما اتسعت الفجوة بين المساهمة الفعلية ووصفها السياسي ارتفع خطر أزمة ثقة داخل الدولة وبين الحلفاء.

والأرجح ألا ينتقل الحلف من الامتناع إلى الحرب الجماعية دفعة واحدة، بل أن تتوزع الاستجابات على مستويات متفاوتة: امتناع أوروبي واسع يقتصر على الدبلوماسية وحماية المواطنين ومنع التوسع، وإسناد لوجستي واستخباري يبقى الاحتمال الأقوى مع قيود وطنية على الاستخدام الهجومي، ومشاركة دفاعية ترتفع فرصها إذا تعرضت قواعد أو سفن أو أجواء الأعضاء للخطر، وائتلاف للدول الراغبة يتجاوز عقبة الإجماع لكنه يبرز التباين السياسي، ودخول رسمي للناتو يبقى الأضعف احتمالًا ما لم يقع هجوم مباشر على عضو، وتسارع في الاستقلالية الدفاعية الأوروبية قد يكون النتيجة الأعمق للحرب لا الامتناع عنها فحسب. ومن مجموع هذه المسارات يتبلور نموذج "الناتو متعدد الاستجابات"، حيث تحتفظ البنية المشتركة بتماسكها بينما تتوزع الأدوار: دولة في الدفاع الجوي، وأخرى في اللوجستيات، وثالثة في العمليات البحرية، ورابعة في ائتلاف هجومي، وخامسة ترفض استخدام أراضيها أصلًا.

ويبقى هذا التدرج مفتوحًا على أحداث منخفضة الاحتمال شديدة الأثر: هجوم غامض يُنسب سريعًا إلى إيران قبل اكتمال التحقق، أو انكشاف استخدام غير معلن لقاعدة أوروبية يحوّل مسألة تقنية إلى أزمة سياسية داخلية وأطلسية، أو انهيار الحد بين الدفاع والهجوم حين يستلزم الاعتراض التعامل مع مصادره، أو انتقال أزمة "ائتلاف الراغبين" إلى الحلف كله إذا طلبت دولة مشاركة دعم بقية الأعضاء، أو تصعيد مبني على تقدير استخباري خاطئ، أو تقليص أميركي مفاجئ للالتزام الأوروبي قبل امتلاك القارة بدائل كافية. أما نقطة الانكسار الأعمق فهي أن يُنتج الضغط أثرًا معاكسًا، فيقتنع الأوروبيون بأن اعتمادهم العسكري على واشنطن يقلص استقلال قرارهم، فتتحول حرب إيران من خلاف عابر إلى عامل يسرّع إعادة تشكيل العلاقة عبر الأطلسي.

خلاصة ذلك أن الاتفاق على وجود تهديد لا يعني الاتفاق على حجمه، ولا على الحرب باعتبارها الوسيلة الأنسب لمواجهته، وأن التكامل العملياتي لا يستلزم توافقًا سياسيًا، فقد يستمر الحلف في العمل بكفاءة كشبكة قواعد واتصالات وقيادة ومعايير تشغيل بينما أعضاؤه منقسمون حول الحرب ذاتها. ومن هنا تنشأ مفارقة تبدو متناقضة في ظاهرها: الحرب قادرة على تعزيز أهمية الناتو عملياتيًا وإضعافه سياسيًا في آنٍ واحد، فكلما ازدادت الحاجة إلى بنيته اتضح حجم الخلاف على الغاية التي تُستخدم من أجلها. وتتجه العلاقة عندئذ نحو مقايضة صريحة: إتاحة القواعد والمجالات الجوية مقابل التشاور قبل القرار، والدعم العملياتي مقابل ضمانات أمنية واضحة، وتحمل المخاطر مقابل حق أكبر في التأثير على مسار الحرب. وبذلك لا يتحدد الاختبار الحقيقي بقدرة الحلف العسكرية على قتال إيران، بل بقدرته على إدارة الاعتماد المتبادل حين تتباعد الاستراتيجيات، وعلى إبقاء الرابط واضحًا بين ما يستطيع فعله، وما يتفق سياسيًا على فعله، وما يستطيع تبريره أمام مجتمعاته.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور