في مقابل الحرب الأميركية الإسرائيلية التي تحاول فرض مسارات تاريخية وجغرافية جديدة على المنطقة عبر سيطرة إدراكية محكمة، واجهت إيران هذه الحرب بحربٍ إدراكية مماثلة، فلم تقبل بالصورة التي سعى الإعلام المعادي إلى ترسيخها، صورة الدولة التي تخوض حربًا ضد شعبها وضد دول جوارها، بل قدّمت نفسها بوصفها طرفًا يقود مواجهة ضد الهيمنة الأميركية والإجرام الصهيوني ومشاريعهما الإقليمية. وقد عمل الخطاب الإيراني بمستوياته السياسية والعسكرية والديبلوماسية والإعلامية على إعادة صياغة المفاهيم المتداولة، فأعاد تعريف "المعتدي" ليصبح واشنطن وتل أبيب لا طهران، وأعاد تعريف الصمود والنصر والتفاوض، حتى استقرّ في خطابه أن التفاوض ليس تنازلًا وأن النصر هو منع العدو من بلوغ هدفه.
ارتكز هذا المسار على ثلاثة عناصر متلازمة هي النية والإرادة والقدرة. فمنذ بداية الحرب أعلنت إيران قرارها بلا استسلام ولا تراجع ولا تنازلات، وكرّرت أن ما عجزت الآلة العسكرية عن فرضه لن تفرضه المفاوضات، والصورة المراد زرعها في ذهن صانع القرار المقابل أن استمرار الضغط لن ينتج استجابة انهزامية بل زيادة في كلفة الضغط نفسه. أما الإرادة فظهرت أوضح من القدرة العسكرية ذاتها، إذ حوّل الخطاب الخسائر إلى شهادة على التضحية، والضربات إلى دليل على الصمود، والتهديدات الأميركية إلى دليل على العجز عن الحسم، واستمرار الحرب إلى امتحان للإرادة الوطنية. وحين يقول عراقجي إن إيران خرجت منتصرة، فهو لا يقدّم ميزانًا عسكريًا موضوعيًا بقدر ما يعيد تأطير النتيجة: ما دامت واشنطن عجزت عن انتزاع الاستسلام غير المشروط الذي أعلنته، فإن مجرد الاستمرار يصبح انتصارًا للإرادة. وعلى مستوى القدرة، انتقل الخطاب من "نحن نريد" إلى "نحن نستطيع" عبر تكرار رموز الصواريخ الباليستية والمسيّرات والقدرة البحرية وتهديد الملاحة وضرب القواعد الأميركية، بحيث استقرت المعادلة: نية عالية وإرادة عالية وقدرة قابلة للاستخدام تساوي ردعًا.
وفي المستوى العملياتي، أنتجت البيانات الإيرانية بعد منتصف حزيران صورة رباعية قوامها الدفاع عن السيادة لا الحرب التوسعية، والردّ المتناسب الموجّه إلى مصادر الهجوم لا إلى الدول العربية، والتصعيد المتدرّج من التحذير إلى التهديد فالضربات المحدودة فالقواعد فالضغط على الملاحة، وأخيرًا توسيع كلفة الحرب على قاعدة أن استمرارها لن يبقيها محصورة داخل الجغرافيا الإيرانية. والهدف من ذلك كله ليس إقناع الخصم بكل كلمة، بل دفعه إلى السؤال: ماذا لو كانت إيران قادرة فعلًا على تنفيذ ما تهدد به؟ وهكذا يصبح عدم اليقين نفسه سلاحًا، وترتفع تقديرات الخصم لكلفة الحرب واحتمال توسّعها، فيما تنخفض قناعته بأن إيران ستنهار سريعًا أو تقدّم تنازلات تحت القصف. كما أن كثافة البيانات وتعدّد الأصوات أدّت وظيفة إضافية، هي إظهار دولة تتحدث بصوت واحد بعد ضربات كبيرة، أي أن كثافة الخطاب صارت بذاتها علامة على استمرارية الدولة والقيادة والقرار.
وقد تكاملت وظيفتان متمايزتان في هذا الخطاب: العسكري جعل التهديد قابلًا للتصديق، والديبلوماسي منح التهديد معناه السياسي والقانوني وحدّد شروط التراجع والتفاوض. فحين يقول العسكري إننا سنضرب القواعد المستخدمة ضد إيران، تأتي الخارجية لتصف ذلك دفاعًا عن النفس وفق المادة 51، وحين يقول العسكري إننا سنوسّع نطاق الرد، تحمّل الخارجية واشنطن تبعات التصعيد. فالعسكري يحدد القدرة والديبلوماسي يحدد الشرعية والمسؤولية، وقد ظهر ذلك في بيان الخارجية في الثامن من تموز حين ربط الضربات الأميركية بميثاق الأمم المتحدة وبمذكرة التفاهم. ومن هنا برز مفهوم "الديبلوماسية لا تعني الهدوء" كما ورد على لسان غريب آبادي، أي أن الديبلوماسية تستمر أثناء الحرب لكن لغتها تصير جزءًا منها. وبذلك تحوّل التهديد الإيراني من تهديد عشوائي إلى تهديد مشروط: إذا استُخدمت القواعد فسيكون الرد، وإذا استمر الحصار فمضيق هرمز، وإذا عادت واشنطن إلى التفاهم أمكن استئناف المسار السياسي، والردع الفعّال لا يقول للخصم إنه بلا مخرج، بل يقول إن أمامه مخرجًا شرط أن يغيّر سلوكه.
وعلى مستوى صورة الخصم، لم تكتفِ إيران بوصف القوة الأميركية الإسرائيلية، بل بنت صورة مزدوجة قوامها أن هذا التفوّق الهائل مقيّد سياسيًا واستراتيجيًا، وأن كثرة القواعد والقوات والسفن يمكن أن تُقدَّم بوصفها شبكة أهداف لا شبكة حماية. وهذه الفكرة وجدت صداها في تململ إقليمي متزايد، بلغ حدّ ما نقلته "واشنطن بوست" في السابع عشر من آب عن مناقشات خليجية لسحب القواعد الأميركية بسبب الصراع مع إيران. وهنا تحديدًا استهدف الخطاب الإيراني إحداث فصل إدراكي بين الشعوب الخليجية وحكوماتها من جهة، وبين القواعد الأميركية من جهة ثانية، فتراجعت السردية القديمة القائلة إن إيران تهدد الخليج لتحلّ محلها سردية مؤداها أن الوجود الأميركي هو ما يجعل الخليج عرضة للحرب، وهي ليست دعاية بقدر ما هي كشف لهشاشة الحماية الأميركية وتغليب واشنطن مصالحها على مصالح دول المنطقة وشعوبها.
أما في الداخل الإيراني فكان النجاح أوضح، إذ عالج الخطاب مشكلة استراتيجية خطيرة هي منع الحرب من إنتاج تصوّر جماعي بالهزيمة، عبر رسالة مكثفة مفادها أن القائد موجود والدولة متماسكة والصواريخ تعمل. غير أن التحدي الأبرز يبقى في ردم الفجوة بين الخطاب والواقع، فكلما ارتفع السقف من "نستطيع الصمود" إلى "لقد استسلم العدو" ازدادت الحاجة إلى وقائع قابلة للتحقق حمايةً لمصداقية صارت جزءًا أصيلًا من المعركة. وإذا قيس النجاح بمستوياته الثلاثة — تصديق الجمهور، وتغيّر تقدير الخصم، وتغيّر سلوكه — فإن المستوى الأول تحقق، والثاني يصعب الجزم بحجمه من الخطاب وحده، والثالث لا يزال الحكم فيه مبكرًا، خصوصًا أن تعثّر المسار الأميركي الإيراني في آب وإصرار ترامب على ادعاء "السيطرة الكاملة" على هرمز يؤكدان أن التصورات المتنافسة لم تُحسم بعد.
الكاتب: غرفة التحرير