تمهيد: في منزلة الكلمة وبوصلة الحرص
إنّ من دواعي الارتياح الفكري والاطمئنان المنهجي، لدى متابعة الطروحات والنقاشات الدائرة على منصات التواصل الاجتماعي – ولا سيما ما طرحه مؤخراً سماحة الشيخ محمد حيدر – ذلك الحرص البارز على صيانة الدماء، والتمسك بزمام الحجة في مواجهة سرديات التزييف العالمي. غير أن ما نُقدّمه هنا ليس سوى محاولة نسلط فيها الضوء على البنية المنهجية والسردية للخطاب، دون المساس بنقاء المقصد أو صدق النية. إنما الغاية استكمال أدوات القوة، وتجريد الخطاب من أي ثغرة يمكن أن تتسرب منها سرديات الخصم أو العدو، سعياً إلى صقل الحجة وتجليتها في أبهى صورها.
إن المسألة التي نناقشها ليست خلافاً في الحرص على الدماء، ولا اعتراضاً على ضرورة امتلاك الحجة، وإنما هي تساؤل سقراطي جوهري: هل نطرح السؤال الصحيح ونستخدم المفهوم الصحيح للإجابة عليه؟ وهنا تحديداً يبدأ الانتقال من قبول الأسئلة الجاهزة إلى امتلاك زمام المعنى. فالمطلوب ليس الإجابة عن سؤال: من بدأ الجولة؟ وحسب، بل فكّ الافتراضات التي جعلت هذا السؤال هو المسيطر، وتحرير الخطاب من مفاهيم تخلط بين الأسبقية العملياتية والتاريخية.
أولاً: الإشكال المصطلحي – بين دلالة "العدو" وإشكالية "الخصم"
عند تأمل المفردات المتداولة في الخطاب، يبرز انزياح دلالي واضح في استخدام مصطلح "الخصم" كبديل عن "العدو". ولا يتعلق الأمر بمؤاخذة لغوية شكلية، بل بما يمكن أن تفعله المفردة في هندسة الإدراك السياسي.
ففي المعجم العربي، ترجع مادة (ع د و) إلى أصل دلالي جامع يدور حول التجاوز ومجاوزة الحد، وهو التوصيف الحقّ للكيان المحتل باعتباره معتدياً متجاوزاً. بينما يحيل "الخصم" إلى سياق الندية والمنازعة في إطار تقاضي أو تنافس، حيث توجد، من حيث الأصل، صورة من الندّية بين طرفين. ومن ثم، فإن استعمال "الخصم" قد يمنح الطرف الآخر – من دون قصد من الكاتب – تمثيلاً أقرب إلى الندّية، بما قد يفتح باباً لتسوية غير مبررة بين المعتدي والمعتدى عليه، وفق ما تسعى إليه السردية المعادية.
وهنا يبرز التساؤل الأول: ما المقصود بالمبادأة؟ وهل استخدام مصطلحات مثل "الخصم" بدلاً من "العدو" يغير البنية الدلالية للمعادلة؟ فحين نردد هذه المصطلحات، هل هي مجرد مرادفات لغوية، أم أن لكل منها عالماً دلالياً مختلفاً؟ إن وصف الطرف الذي يمارس الاحتلال بأنه "خصم" يمنحه شرعية وجودية في المعادلة، ويدخل النص من باب غير منتبه إليه في سردية العدو الساعية يائسة إلى مساواة الجاني بالضحية. ولهذا فإن ضبط المصطلح، والعودة إلى توصيف أكثر تحديداً مثل "العدو" أو "المحتل" أو "القوة الغاصبة القائمة بالاحتلال"، ليس ترفاً لغوياً، بل جزء من تحرير الخطاب من الالتباس، ووسيلة لسد ثغرة الندّية المصطنعة.
ثانياً: المبادأة – بين الدلالة الاصطلاحية وأسر المعنى
يُشير لسان العرب الى أن الفعل "بدأ" يرتبط بالابتداء والاختراع من غير سابق مثال، وأن دلالة "المبادأة" كانت محصورة في السياق اللغوي المحض، كالمبادأة بالكلام أو المسابقة إليه. ولا يظهر في الدلالة المعجمية الأصلية للمبادأة ما يجعلها، بذاتها، مصطلحاً عسكرياً تقنياً يساوي بين مجرد الأسبقية في فعل عسكري وبين افتتاح الحرب بوصفها حالة تاريخية وسياسية.
وبغض النظر عن الفروق العميقة بين نظرية سوسير في العلامة اللغوية وبين التصورات العربية القديمة لعلاقة اللفظ بالمعنى (كما فصلها ابن جني في كتاب الخصائص)، فإن النقطة المنهجية هنا هي أن المصطلح الاصطلاحي يمكن أن يكتسب معنى تخصصياً جديداً؛ لكن اكتسابه هذا المعنى لا يبيح استخدامه بعد ذلك بلا قيد للإجابة عن أسئلة مختلفة.
هنا يبرز الإشكال المنهجي حين تتحول هذه الدلالة المحددة إلى مفهوم شامل يُستخدم للإجابة عن أسئلة مختلفة: من بدأ العملية؟ من بدأ الجولة؟ من بدأ الحرب؟ من أنشأ حالة الصراع؟ ومن يتحمل المسؤولية التاريخية عن استمرارها؟ فهذه ليست أسئلة واحدة، والمبادأة العملياتية لا تستلزم المبادأة التاريخية.
ثالثاً: من قبول السؤال إلى تفكيك الأسبقيات
تكمن العثرة الكبرى في السجال الدائر في الوقوع فيما يمكن تسميته "أسر السؤال"؛ أي قبول السؤال كما صيغ، ثم محاولة الانتصار داخله، بدلاً من فحص الافتراضات التي بُني عليها.
هناك، منهجياً، ثلاثة مستويات ينبغي ألا تُدمج في مفهوم واحد:
1. افتتاح الحرب: من أنشأ حالة الصراع والعداء وعدم الاستقرار أصلاً؟
2. افتتاح جولة عسكرية داخل صراع قائم: من بدأ جولة اشتباك في توقيت معين؟
3. المبادرة التكتيكية داخل الجولة نفسها: من قام بالهجوم أو المناورة داخل الجولة؟
وقد يكون طرف ما مسؤولاً عن المستوى الثالث دون أن يكون مسؤولاً عن الثاني، وقد يكون مسؤولاً عن الثاني دون أن يكون هو منشئ الصراع في مستواه التاريخي الأوسع.
وهنا تظهر المغالطة الأساسية. فالخطأ لا يكمن في القول إن طرفاً ما بدأ عملية عسكرية معينة؛ فهذا يمكن أن يكون واقعة قابلة للبحث والتوثيق. الخطأ يبدأ عندما تنتقل هذه الواقعة من مستواها العملياتي إلى مستوى مختلف تماماً، ثم تُستخدم لإثبات أن هذا الطرف أنشأ الحرب أو أنشأ حالة الصراع.
ولهذا فإن القاعدة المنهجية الحاكمة هي: «لا يجوز أن يُستعمل جواب صحيح عن سؤال عملياتي للإجابة عن سؤال تاريخي مختلف.» فالسؤال: من أطلق الرصاصة الأولى في هذه الجولة؟ هو سؤال عملياتي مشروع. لكن الإجابة عنه لا تجيب تلقائياً عن السؤال: من أنشأ السياق التاريخي الذي جعل هذه الجولة ممكنة؟ ومن هنا تأتي القاعدة الثانية: «المبادأة العملياتية لا تستلزم المبادأة التاريخية.»
رابعاً: تفكيك الاستشهاد بقول الإمام علي (ع) – هل المقولة حظر دائم لكل مبادرة عسكرية هجومية؟
يستند بعض المحللين في نقضهم لمبدأ المبادأة بالقتال إلى قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: «لا تقاتلوا القوم حتى يبدؤوكم، فإنكم بحمد الله على حجة، وترككم إياهم حتى يبدؤوكم حجة أخرى لكم عليهم..».
ولا خلاف في قيمة هذا التوجيه ولا في دلالته الأخلاقية والسياسية في سياقها التاريخي. لكن التساؤل السقراطي الثاني يفرض نفسه: هل المقولة تتحدث عن افتتاح الحرب أم عن كل مبادرة داخلها؟
1. التمييز بين "افتتاح الحرب" و"المبادرة داخل الحرب": موضوع النهي هو البدء بالقتال قبل أن يبدأ الطرف الآخر. وهذا يختلف مفهومياً وتاريخياً عن أن يكون القتال قد بدأ بالفعل، ثم تقوم إحدى القوات بهجوم أو مناورة أو عملية عسكرية داخل الحرب القائمة. فالقول: «لا تفتتح الحرب» ليس هو بالضرورة: «لا تبادر بالهجوم أثناء الحرب».
2. سياق صفين ودلالة ليلة الهرير: كانت صفين مواجهة داخلية نشأت بعد تولي الإمام علي (ع) الخلافة وتمرد معاوية. ولم تكن ليلة الهرير حرباً جديدة افتتحها الإمام (ع)، بل كانت مرحلة متقدمة وحاسمة من حرب صفين القائمة أصلًا، وشهدت حملات وزحوفاً وهجمات متبادلة. وهذا يشكل قرينة تاريخية قوية على أن المقولة لا ينبغي أن تُفهم تلقائياً بوصفها حظراً مطلقاً على كل عملية عسكرية لاحقة، بل انتقل الواقع إلى سؤال آخر: كيف تُدار الحرب القائمة؟ ما بعد ليلة الهرير – في حدود السياق والدلالة: كما أن ما ورد في نهج البلاغة بشأن ما أعقب صفين وقضية التحكيم لا يقدم دليلاً على أن الإمام كان يرى في العميات العسكرية داخل الحرب القائمة خرقاً لمبدأ أصلي؛ بل يدور سياقها حول أزمة التحكيم والظروف السياسية التي أحاطت بانقسام الصف. ومن ثم لا يصح تحميل هذه النصوص حكماً أوسع من محيطها المباشر، أو اتخاذها ذريعة لتعميم حظر على كل فعل هجومي تكتيكي دون إقامة دليل مستقل.
خامساً: الحالة اللبنانية–الإسرائيلية – لماذا لا يصح إسقاط صفين عليها آلياً؟
يطرح التساؤل الثالث: هل يصح نقل الحكم من صفين إلى الحالة اللبنانية–الإسرائيلية؟ والجواب أن القياس بين الحالتين لا يصح لمجرد أن كليهما يتضمن قتالاً. فصفين كانت حرباً داخلية في إطار دولة إسلامية ناشئة. أما الحالة اللبنانية–الإسرائيلية، فهي حالة تاريخية مختلفة جذرياً، نشأت فيها المواجهة قبل ظهور المقاومة الحديثة بزمن طويل، وتداخل فيها النزاع المسلح والاحتلال والانتهاكات والنزاع الحدودي.
هنا تطبق القاعدة المنطقية: التشابه في النتيجة أو الشكل لا يعني التشابه في العلة والسياق. ومن يريد نقل حكم من سياق إلى سياق آخر، فعليه أن يثبت وحدة العلة أو ما يكفي من التماثل السياقي، وإلا كان الاستشهاد مجرد توظيف للفظ دون وعي بفروق الموضوع.
سادساً: الأسبقية التاريخية – قبل أن نسأل من بدأ الجولة
في السياق اللبناني_الإسرائيلي، لا تبدأ القصة عندما أطلقت المقاومة عمليتها في مزارع شبعا مستهدفة مواقع عسكرية لجيش الاحتلال في 8\10\2023. اذ ان هناك سياق تاريخي سابق على ظهور المقاومة الحديثة، يبدأ من حرب 1948، ثم اتفاقية الهدنة لعام 1949، وما تلا ذلك من توترات وأعمال عسكرية واجتياحات.
فالاحتلال والعدوان السابقان للمقاومة ليسا تفصيلاً في القصة؛ إنهما جزء من السياق التأسيسي الذي لا يجوز حذفه عند تعريف معنى الفعل اللاحق. وإذا استمرينا في الإجابة عن السؤال التاريخي (من أنشأ الصراع؟) باستخدام إجابة السؤال العملياتي (من أطلق النار اليوم؟)، فستكون النتيجة هي تبرئة السياق التاريخي، وتحويل النقاش إلى لعبة "من بدأ" التي تُنسي الجميع "لماذا بدأ" و"بأي حق يستمر".
سابعاً: المبادأة في ضوء مناهج النحو العربي والاستعارة المعرفية
بعد أن ثبتت الفروق التاريخية والعملياتية، يقدم لنا التراث النحوي العربي استعارة تفسيرية عميقة لفهم الخلل في ترتيب عناصر الخطاب:
1. سيبويه والمبتدأ والخبر: نصّ سيبويه في كتابه على أن المبتدأ هو الأصل الذي يُبنى عليه الكلام (المسند إليه)، وأن الخبر هو المبنيّ عليه. وحين يعتبر الخطاب فعل المقاومة هو "المبادأة"، فكأنه قدّم الخبر (التابع) على المبتدأ (الأصل التأسيسي وهو الاحتلال) نحويّاً وواقعيّاً، فظهر العدو بمظهر المدافع!
2. ابن جني والأصل والعلة: أشار ابن جني في كتاب الخصائص في باب "تخصيص العلل" إلى خطورة بناء الأحكام على علل عارضة واهتزاز هندسة الاستدلال، وهو ما يعادل هنا اعتماد المعايير الإعلامية السائدة التي تهمل العلة الأصلية الكبرى (دفع الاحتلال والظلم) وتتشبث بعلة عارضة.
3. ابن مالك والرتبة المعرفية: في قواعد الرتبة والتقديم والتأخير التي قررها ابن مالك، فإن إغفال المبتدأ الحقيقي وإسناد صفة البادئ إلى الخبر يعد قلباً للرتبة المعرفية يُحدث خللاً تاماً في الفهم ويُضلّل السامع عن إدراك حقيقة المتسيد للموقف.
في استعادة التراث: اللغة بوصفها رأسمالاً معرفياً حياً وليس استدعاء التراث اللغوي هنا استحضاراً لماضٍ جامد، بل إعادة تفعيل لرأسمال لغوي ورمزي قابل لإنتاج المعنى في حقول الحاضر. ووفق منظور بورديو في كتابه "اقتصاد التبادل اللغوي" (Langage et pouvoir symbolique)، لا تُفهم اللغة بمعزل عن الحقل الذي تُستعمل فيه وعن القيمة الرمزية التي يكتسبها القول داخله؛ ومن ثم فإن توظيف مفاهيم التراث في قضايا معاصرة ليس ترفاً بلاغياً، بل إعادة إدخال لهذا الرأسمال في السوق اللغوية المعاصرة لإنتاج دلالات قادرة على منافسة الدلالات المهيمنة.
ومن هنا، فإن استحضار سيبويه وابن جني وابن مالك لا يعني نسبة أسئلتنا الراهنة إليهم، بل استثمار طاقة تراثهم المفهومية في سياق جديد. فالعربية ليست أثراً قابعاً في متحف الزمن، بل لغة حية تتجدد قيمتها كلما أُعيد توظيف رصيدها الرمزي في إنتاج أسئلة الحاضر وصياغة معانيه. والعودة إلى التراث، بهذا المعنى، ليست ارتداداً إلى الماضي، بل استعادة للرأسمال المعرفي من أجل امتلاك الحاضر.
ثامناً: في أثر الخطاب على الحاضنة الشعبية
مما يستوقف المتأمل في هذه الأطروحة أنها، وهي تسعى إلى صون الحجة ودرء الذريعة، قد أغفلت – في مسارها النقدي – السؤال عن موقع الفاعل والمفعول به في معادلة الجدل.
فالعدو الذي تفترض الأطروحة إمكانية نزع أسلحة السردية عنه، هو نفسه كيان لا تتزحزح مواقفه أمام الوقائع التاريخية ولا أمام الحجج القانونية، وهذا ما أقر به الطرح نفسه حين أشار إلى أن سردياته وتوضيحاته لا تبدل من جوهر الآلة الإعلامية المعادية.
ومن هنا تتكشف مفارقة جوهرية: الأطروحة تُنتج جهداً نظرياً موجهاً إلى أفق لا يتأثر به، بينما تظهر آثارها الفعلية في مساحة أخرى.
فالتداول اليومي لهذا الخطاب على منصات التواصل الاجتماعي يكشف، أنه قد تحول من أداة نقد إلى مادة خصبة لجدل داخلي محتدم بين أبناء الحاضنة الاجتماعية الواحدة.
وهذه الظاهرة تستدعي منهجياً أن نسأل: أين تقع إصابات هذا السجال؟ إنها لا تمس البنية العسكرية للعدو، ولا تعيد تشكيل سرديته، بل تظهر في نسيج الحاضنة الاجتماعية، حيث تستنزف المعنويات وتولّد تنافساً داخلياً شقاقيا قد ينتج هوّة داخل أبناء الصف الواحد، وهو أثر لا اظن انه في حسبان البناء النظري للأطروحة، لأن الاهداف المعلنة مختلفة تماما عن الآثار الناجزة.
وعليه، فإن قراءة نقدية واعية تقتضي إعادة النظر في منظور هذه الأطروحة: فبدلاً من تركيز الجهد النقدي على ضبط توقيت الفعل العسكري ومحاكمة مفهوم المبادأة، ينبغي تحويل بوصلة النقد نحو بناء سردية سيادية تستند إلى الوقائع التاريخية الثابتة (الاحتلال، العدوان، النزاع المستمر)، وتجعل من تلك الوقائع أساساً للحجة، لا من توقيت إطلاق الرصاصة.
فالحجة السيادية ليست سلاحاً يُوجه إلى العدو، بل أرضية معرفية تُبنى عليها كل الوقائع اللاحقة.
وإذ لا يُقصد بهذه القراءة إغلاق باب النقد، فإنها دعوة مبنية إلى مراجعة مسار الأطروحة، وإعادة توجيه طاقتها النقدية من الجدل الداخلي حول "متى نبدأ؟" إلى التأكيد على "لماذا نقاوم أصلًا؟"، فالأول مسألة تكتيكية متغيرة، والثاني حقيقة تاريخية ثابتة لا يجوز أن تُختزل أو تُنسى.
تاسعاً: خاتمة – من قبول الأسئلة الجاهزة إلى امتلاك المعنى
ليس المطلوب في هذا النقاش أن ننفي أن المقاومة بدأت عملية عسكرية محددة، بل المطلوب عدم الخلط بين مستويات مختلفة من الأسبقية. فقد يبدأ طرف جولة عسكرية، لكن لا يترتب على ذلك تلقائياً أنه أنشأ الحرب أو أنشأ الصراع.
وهنا تبرز القاعدة الأساسية: «افتتاح الحرب ليس هو المبادرة العملياتية، والمبادرة العملياتية ليست هي الأسبقية التاريخية.» والقاعدة الأشد أهمية: «لا يجوز أن يُستعمل جواب صحيح عن سؤال عملياتي للإجابة عن سؤال تاريخي مختلف».
أليس التمسك بـ "من بدأ" هو في حد ذاته نوع من الوقوع في فخ الأسئلة الجاهزة؟ أي أننا نركض خلف سؤال صيغته لنا المؤسسات الدولية (من المعتدي؟)، بينما السؤال الصحيح الذي يجب أن يُطرح على المحتل هو: "بحق من تحتل أرضي؟" وليس "من أطلق الصاروخ أولاً؟". فإذا أجبنا عن السؤال الأول، وضعنا السؤال الثاني في حجمه الصحيح، ومنعناه من أن يتحول إلى بديل عن السؤال التاريخي والقانوني الأسبق.
إنها دعوة إلى رفض الاختزال المنهجي. وهذا هو جوهر السيادة المعرفية: أن نملك نحن القدرة على تعريف السؤال، وتحديد مستواه، وترتيب أسبقياته، قبل أن نقدم الإجابة عنه.
هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة رأي الموقع.
الكاتب: د. عاطف الموسوي