في 21 أغسطس 2026، وخلال حديثه على بودكاست الإعلامي ماريو نوفل، أطلق توم براك، السفير الأمريكي لدى تركيا والمبعوث الرئاسي الخاص إلى سوريا والعراق، سلسلة تصريحات تجاوزت حدود الدبلوماسية التقليدية، وأعادت فتح ملف موثوقيته كوسيط بين واشنطن وحلفائها المتنازعين في الشرق الأوسط. جاءت هذه التصريحات في أعقاب الضربة الجوية الإسرائيلية على قاعدة أبو الظهور في إدلب شمال سوريا، والتي زعمت إسرائيل أنها استهدفت استعدادات تركية لنشر قوات في الموقع، وهو ما نفته أنقرة. الأزمة كشفت بوضوح أن براك، بازدواجية منصبه كسفير في تركيا ومبعوث لسوريا في آن، بات يقف على خط تماس دقيق بين ثلاثة أطراف متوترة.
1. المحاور الأربعة الخلافية
أ- ملف الجولان: خرج براك عن السياسة الأمريكية الرسمية حين وصف الجولان بأنه أرضٌ سورية محتلة كما نصت قرارات الأمم المتحدة (242 عام 1967 و497 عام 1981) والنظام الدولي، متجاهلاً أن الرئيس ترامب اعترف رسمياً بالسيادة الإسرائيلية على الهضبة عام 2019 كجزء من حزمة قرارات مؤيدة لإسرائيل شملت أيضاً الاعتراف بالقدس عاصمة. هذا التصريح لم يكن مجرد زلة لغوية، بل مسّ جوهر إرث سياسي يتبناه ترامب شخصياً، ما جعله الأكثر حساسية من بين كل ما قاله.
ب. الدافع الانتخابي المفترض للضربة: لمّح براك إلى أن التوقيت — قبل الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر — قد يكون وراء توجيه الضربة، بما يخدم نتنياهو انتخابياً عبر إظهار حزم أمني. هذا النوع من التحليل، حين يصدر عن دبلوماسي أمريكي رسمي وليس محلل مستقل، يحمل دلالة خطيرة: فهو يضع تشكيكاً علنياً في نزاهة القرار العسكري الإسرائيلي، ويحوّل عملية دفاعية معلنة إلى أداة سياسية داخلية.
ج. التشكيك في الاستخبارات الإسرائيلية: أشار براك إلى أن واشنطن راجعت المعلومات التي زودتها بها إسرائيل بخصوص نية تركيا نقل معدات وقوات إلى الموقع المستهدف، ووجدتها "غير دقيقة". هذا التصريح يمس نقطة حساسة للغاية في العلاقة الأمنية الأمريكية-الإسرائيلية، القائمة تاريخياً على تبادل استخباراتي وثيق ومفترض المصداقية.
د. تبرئة الموقف التركي: أكد براك أن أنقرة، بما فيها الرئيس أردوغان، لا تسعى لأي مواجهة أو علاقة عدائية مع إسرائيل؛ وهو تصريح جاء بالتزامن اللافت مع مطالبة تركيا الإنتربول بإصدار مذكرات اعتقال بحق نتنياهو ومسؤولين إسرائيليين آخرين بتهم من بينها الإبادة الجماعية، ما جعل التصريح يبدو منفصلاً عن الواقع الميداني.
2. ردة الفعل الإسرائيلية والتراجع السريع
الرد الإسرائيلي جاء بشكل استثنائي: وزير الدفاع يسرائيل كاتس أصدر بياناً حاداً عبر منصة إكس خلال عطلة السبت اليهودية؛ وهو توقيت لا يُستخدم عادة إلا في الحالات الطارئة، واصفاً تصريحات براك بأنها "مليئة بعدم الدقة"، ومؤكداً أن الضربة نُفذت بعد إنذار مسبق للنظام السوري وتزويد الجهات الأمريكية المعنية بالمعلومات الاستخباراتية اللازمة. وبحلول صباح الأحد، 23 أغسطس، تراجع براك نفسه عن موقفه من الجولان في تصريح لوكالة أسوشيتد برس، مؤكداً أن سياسة الولايات المتحدة بشأن الجولان حددها الرئيس ترامب عام 2019 ولم تتغير. ويُعتبر ذلك تراجعًا سريعًا يوحي بتدخل مباشر من البيت الأبيض لضبط الخطاب.
3. قراءة استراتيجية
من منظور استراتيجي، تكشف هذه الحادثة عن معضلة بنيوية في تصميم مهمة براك ذاتها: الجمع بين دور السفير لدى تركيا ودور الوسيط بين إسرائيل وسوريا يضع صاحبه أمام تضارب مصالح وظيفي، إذ يصعب أن يكون المرء في آن واحد مدافعاً عن مصالح أنقرة وحكماً محايداً في نزاع تكون فيه تركيا طرفاً غير مباشر. كما أن هذه ليست الحادثة الأولى؛ فقد سبق أن اصطدم براك بالموقف الإسرائيلي حول لبنان، حين تبنى رؤية تقوم على ضرورة إشراك حزب الله وإيران في أي تسوية شاملة (وهي واقعية تفاوضيّة)، معتبراً لبنان "مكعب روبيك معقد" لا يمكن حل جزء منه دون تحريك أجزاء أخرى. هذه المقاربة اعتبرتها إسرائيل شرعنة لحزب الله ومنحة لإيران بنفوذٍ مستمر.
الخلاصة
تصريحات براك، وإن جرى تصحيحها سريعاً، تركت أثراً تراكمياً على رصيد الثقة الإسرائيلية به كوسيط. فالمصداقية في الوساطة الدبلوماسية لا تُبنى فقط على مضمون المواقف، بل على الاتساق والحياد الظاهري. وبقدر ما تسعى واشنطن إلى خفض التصعيد بين إسرائيل وتركيا عبر آلية لمنع الاشتباك، فإن استمرار الشكوك حول ولاءات براك قد يقوّض قدرته على لعب هذا الدور الوظيفي بفعالية في المرحلة المقبلة، خصوصاً مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية ومفاوضات الجولان الحساسة.
هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة رأي الموقع.
الكاتب: د. ميرنا عطية