يشير مهیار رامزنكاني في هذا المقال، الذي نشره موقع "ميدل إيست آي" وترجمه موقع الخنادق الالكتروني، أن الجمهورية الإسلامية في إيران التي حوصرت وحُرمت -وفقاً لوصفه- من عقد كامل من النمو، قد حصلت في المقابل على قدرة عالية على تحمّل العقوبات والحصار، وهي قدرة لا تتمتع بها سوى قلة من الاقتصادات المنفتحة. مبيناً بالأدلة والشواهد قدرة الاقتصاد الإيراني على التأقلم مع الحرب والحصار والضغوط الخارجية (العدوان الاقتصادي الأمريكي) – لا سيما بعد تهديد الإدارة الأمريكية ورئيسها دونالد ترامب بشن حرب اقتصادية على إيران – مستنتجاً بأنه أياً كان الوصف المناسب لهذا الوضع، فإنه بالتأكيد ليس الانهيار الذي كان من المفترض أن ينتج في معظم البلدان الأخرى عن أكثر من 5 أشهر من القصف والحصار البحري، وبالتالي فشل سياسية العقوبات الأمريكية من تحقيق أهدافها.
النص المترجم:
كان مضيق هرمز مغلقاً فعلياً طوال معظم الأشهر الستة الماضية. ويتداول خام برنت عند أقل بقليل من 90 دولاراً للبرميل، بعدما ارتفع بنحو 5 في المئة خلال جلسة واحدة في وقت سابق من هذا الشهر.
ومع ذلك، عندما عدّل صندوق النقد الدولي توقعاته للاقتصاد العالمي في 8 تموز/يوليو، خفّض تقديرات النمو العالمي لعام 2026 من 3.1 إلى 3.0 في المئة فقط؛ أي عُشر نقطة مئوية واحدة نتيجة إغلاق أهم ممر نفطي في العالم، إلى جانب 5 أشهر من الحرب. لقد أعاد سوق النفط تسعير نفسه، لكن الاقتصاد العالمي بالكاد تحرك.
أما المفارقة الأكثر دلالة فتظهر داخل إيران. فوفق أي قراءة اقتصادية تقليدية، يفترض أن يكون الاقتصاد الإيراني في حالة سقوط حر.
في نيسان/أبريل، خفّض صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو إيران في عام 2026 بمقدار 7.2 نقاط مئوية، من نمو قدره 1.1 في المئة إلى انكماش بنسبة 6.1 في المئة. وفي تحديث تموز/يوليو، عدّل الصندوق هذه النسبة بشكل طفيف، مقدّراً الانكماش بنحو 5.4 في المئة.
وفي حزيران/يونيو، كانت أسعار المستهلكين أعلى بنسبة 88.6 في المئة مقارنة بالعام السابق، بينما ارتفعت أسعار الغذاء والمشروبات والتبغ بنسبة 134.6 في المئة، وسجلت أسعار اللحوم الحمراء والدواجن ارتفاعاً بلغ 178 في المئة.
ويوم الاثنين، لامس الريال مستوى مليوني ريال مقابل الدولار، عقب أنباء عن استعداد واشنطن للإعلان عن عقوبات جديدة.
كما انخفض إنتاج الغاز بنحو 230 مليون متر مكعب يومياً، مقارنة بنحو 650 مليون متر مكعب قبل الحرب. وكانت إيران تعاني أصلاً من عجز في البنزين يبلغ نحو 20 مليون لتر يومياً قبل بدء القتال، فيما بدأت المدن تطبيق إجراءات لترشيد استهلاك الكهرباء.
ومع ذلك، لا تتجاوز البطالة الرسمية 7.5 في المئة. وما زالت الرواتب والمعاشات تُدفع، والمتاجر مزوّدة بالسلع، ولم تحدث أزمة مصرفية، ولا تخلف سيادي عن سداد الديون، ولا انهيار فوضوي لشركة كبرى.
وأياً كان الوصف المناسب لهذا الوضع، فإنه بالتأكيد ليس الانهيار الذي كان من المفترض أن ينتج في معظم البلدان الأخرى عن أكثر من خمسة أشهر من القصف والحصار البحري.
لا شيء يمكن سحبه
التفسير هنا مثير للاهتمام، لأنه يقلب رأساً على عقب ما يقوله الاقتصاديون عادة للحكومات. فمعظم السمات التي تجعل إيران مكاناً فقيراً لجذب رؤوس الأموال في زمن السلم — من تركّز الملكية، وتقنين النقد الأجنبي، والانفصال شبه الكامل عن النظام المالي العالمي، وصولاً إلى وجود عدد محدود من الجهات شبه الحكومية التي تهيمن على اقتصاد التصدير — هي نفسها التي تمتص صدمة الحرب.
لنبدأ بالآلية الأبسط: لا يوجد شيء يمكن سحبه.
إيران تحمل قدراً ضئيلاً للغاية من الديون الخارجية، ولا تكاد تمتلك استثمارات أجنبية في المحافظ المالية. فلا يمكن أن تحدث هروب رؤوس الأموال من دون وجود رأس مال أجنبي أصلاً.
أُغلقت بورصة طهران في 28 شباط/فبراير، مع بدء الضربات الأميركية-الإسرائيلية على طهران، وبقيت مغلقة لنحو 80 يوماً. فالسوق الذي لا يملك الأجانب حصة تُذكر فيه يمكن ببساطة إيقافه.
لكن ما حدث عندما أعيد فتحها في أيار/مايو كان أكثر غرابة. فقد كان مؤشر "تدبيكس" قد تراجع إلى نحو 3.7 ملايين نقطة قبل الإغلاق، وهو مستوى أدنى بكثير من 4.5 ملايين نقطة التي بلغها في بداية العام. ثم تجاوز حاجز 5.9 ملايين نقطة في أوائل تموز/يوليو، مسجلاً أعلى مستوى له على الإطلاق، وذلك في الشهر الخامس من الحرب، قبل أن يعود إلى ما دون حاجز الخمسة ملايين نقطة خلال أسبوع واحد.
إذا قرأت هذا الارتفاع في البورصة باعتباره تعبيراً عن الثقة، فأنت تسيء تفسيره. فمع وصول أسعار الفائدة على الودائع إلى مستويات سالبة بشدة بالقيمة الحقيقية، ومع تقنين العملات الصعبة، لا يجد المدخرون الإيرانيون مكاناً آخر يضعون فيه أموالهم. وإذا جرى احتساب المكاسب على أساس قيمة الريال، فإنها ليست مكاسب حقيقية في الواقع؛ فقد ارتفع المؤشر لأن مخارج الأموال مغلقة، ثم تراجع مجدداً بمجرد أن انهار إطار وقف إطلاق النار الذي كان قد ساهم لفترة وجيزة في دعم العملة.
ثم هناك عامل التركّز، الذي يتحول في زمن الحرب إلى نظام لتخصيص الموارد. فعندما تعطلت إمدادات المواد الأولية إلى مجمعات البتروكيماويات في عسلويه وماهشهر، أوقفت الحكومة صادرات البتروكيماويات بالكامل من أجل إبقاء المصانع المحلية قيد التشغيل.
كان السوق المفتوح سيحتاج إلى إشارات سعرية، وإعادة التفاوض على العقود، وعدة أشهر للتكيف. أما إيران فكانت تحتاج إلى توجيه واحد ربما إلى نحو 12 جهة. فالخسارة الاقتصادية الناجمة عن الاحتكار في زمن السلم تتحول إلى قدرة على إصدار الأوامر في زمن الحرب، وإيران راكمت هذه القدرة على مدى 15 عاماً.
ثالثاً، لم تكن آليات الالتفاف على العقوبات إجراءات مرتجلة تحت نيران الحرب. فقبل اندلاع الحرب، كانت إيران تنقل ما بين 1.4 و1.8 مليون برميل يومياً عبر أسطول يضم عدة مئات من الناقلات القديمة، وكان الجزء الأكبر من هذه الكميات يذهب إلى مصافي التكرير المستقلة في شاندونغ بالصين، بخصومات تتراوح بنحو 10 إلى 15 دولاراً مقارنة بسعر خام برنت.
أما الطرق البرية المؤدية إلى العراق وتركيا وباكستان، وروابط السكك الحديدية باتجاه روسيا والصين، فقد أُنشئت في وقت كانت فيه عمليات الشحن تخضع للعقوبات فقط، ولم تكن تحت الحصار. وتقول وزارة النفط الإيرانية إنها باعت ما قيمته 11.5 مليار دولار من النفط الخام خلال فترة القتال نفسها، إضافة إلى 6.5 مليارات دولار أخرى خلال فترة وقف إطلاق النار، ما وفّر أكثر من 60 في المئة من الإيرادات التي كانت مرصودة في موازنة العام.
العقوبات لم تُضعف هذه البنية التحتية. بل هي التي دفعت إيران إلى بنائها.
الأسر تدفع الثمن
هنا، لا بد من الاعتراف بجانب من الحقيقة. فما يحدث ليس امتصاصاً للصدمة، بل نقل للصدمة.
في الاقتصاد المتكامل، تظهر الحرب في الميزانيات العمومية: حالات تعثر، وإفلاسات، ومحو لقيمة الأسهم، وسوق سندات يجبر الحكومة على اتخاذ إجراءات خلال أسابيع. أما في الاقتصاد المغلق ذي أسعار الصرف المتعددة والخاضعة للتقنين، فتظهر الصدمة بدلاً من ذلك في الأسعار.
وقال الاقتصادي هادي كهلزادِه، من معهد كوينسي، لـ"الجزيرة" إن الصدمات التي يجري امتصاصها من خلال التضخم وانخفاض قيمة العملة تبقي السلع متوفرة على رفوف المتاجر، لكنها تجعلها أكثر صعوبة في متناول المستهلكين. ويستمر النظام في العمل، لأن التكاليف تقع مباشرة على عاتق الأسر.
وبات الحد الأدنى للأجور الشهري يعادل نحو 87 دولاراً وفق سعر الصرف في السوق المفتوحة. وتوقعت دراسة أجراها مركز أبحاث مرتبط بصندوق التقاعد الحكومي في إيران ارتفاع معدل الفقر من نحو 30 في المئة قبل خمس سنوات إلى 45 في المئة هذا العام. لم ينهَر شيء؛ الأسر هي التي دفعت الثمن.
كما أن الولاء الذي يعتمد عليه النظام هو ولاء مشروط أيضاً. فالتركيز نفسه الذي يسمح للدولة بتوجيه الموارد يمنح عدداً محدوداً من المصدّرين أكبر فرصة للمضاربة والاستفادة من فروق الأسعار في البلاد.
وأفادت منظمة التفتيش العام في إيران الشهر الماضي بأن أكثر من 20 ألف مُصدّر أخفقوا في إعادة ما قيمته 94 مليار يورو، أي نحو 107 مليارات دولار، من عائداتهم إلى البلاد، وأن الأمناء الذين عُيّنوا لإعادة عائدات النفط الخاضعة للعقوبات كانوا يحتفظون بما لا يقل عن 11 مليار دولار منها. فالنظام الذي يمكن توجيهه بالأوامر يمكن أيضاً استغلاله لتحقيق المكاسب، وهذا ما يفعله أولئك الذين يجعلون عملية التوجيه ممكنة.
أما التكلفة الأعمق فتتمثل في ما لا يجري إنفاقه. فقد كان تكوين رأس المال الثابت الإجمالي يتراجع قبل سقوط القنبلة الأولى. فالاقتصاد الذي يحافظ على تماسكه من خلال خفض قيمة عملته، وتقنين الدولار، وتأجيل صيانة مصافي التكرير وشبكة الكهرباء، يستهلك مخزونه من رأس المال بنفسه. وهذه استراتيجية لها عمر افتراضي، ومن المرجح أن يكون هذا العمر قصيراً.
ولا يشكل أي من ذلك حجة لصالح العزلة. بل هو حجة للفصل بين أمرين دمجهما توافق ما بعد عام 1990 في مفهوم واحد: الاندماج الاقتصادي والأمان ليسا الشيء نفسه.
لقد بنت إيران اقتصاداً يصعب كسره على نحو استثنائي، وللأسباب نفسها تماماً، يصعب نموه على نحو استثنائي أيضاً. ويتوقع صندوق النقد الدولي نمواً بنسبة 3.2 في المئة في عام 2027، وهو ما يمثل ارتداداً عن القاع أكثر مما يمثل إصلاحاً حقيقياً للاقتصاد.
ويمكن صياغة الأمر بعبارة أكثر مباشرة: العقوبات أوقفت تطور إيران، وفي الوقت نفسه جعلتها أكثر صلابة. فقد حُرمت البلاد من عقد كامل من النمو، وحصلت في المقابل على قدرة على تحمل العقاب لا تتمتع بها سوى اقتصادات منفتحة قليلة.
وبالنسبة إلى كل من يتعامل مع الضغط الاقتصادي باعتباره أداة لإجبار الخصم على تغيير سلوكه، فهذه هي الخلاصة التي تستحق التأمل. إن غياب الانهيار ليس دليلاً على أن الضغط بات على وشك تحقيق أهدافه، بل دليل على أن 15 عاماً من الضغط بنت بالفعل المنظومة التي تقوم الآن بامتصاصه.
المصدر: Middle East Eye
الكاتب: غرفة التحرير