الأربعاء 26 آب , 2026 02:41

هل بدأت إدارة ترامب تشعر بالقلق من مستويات الدين الأميركي؟

وزير الخزانة الأميركية سكوت بيسنت

تجاوز الدَين الأميركي 40 تريليون دولار، ويقترب العجز من 6% من الناتج المحلي، ما يضع المالية الأميركية أمام مشكلة حقيقية، خصوصًا مع ارتفاع أسعار الفائدة طويلة الأجل عالميًا. بحسب مقال نشرته صحيفة الغارديان وترجمه موقع الخنادق الإلكتروني. 
ويشكك الكاتب في رهان وزير الخزانة سكوت بيسنت على أن النمو، ولا سيما نمو الذكاء الاصطناعي، سيؤدي تلقائيًا إلى زيادة الإيرادات وخفض العجز.
المشكلة، بحسب المقال، أن إدارة ترامب لا تعالج أصل الأزمة المتمثل في العجز والاقتراض.
والأخطر بالنسبة للولايات المتحدة أن الميزة التي كان يمنحها الدولار للدين الأميركي باعتباره أصلًا آمنًا عالميًا بدأت تتآكل. وإذا استمرت الضغوط المالية، فقد تتراجع حصة الدولار من النظام المالي العالمي بسرعة.

النص المترجم

بيسنت «سيخسر» معركته مع أسواق السندات، بحسب تحذير من معلمه السابق.
هل نشهد العلامات الأولى لحالة من الذعر داخل وزارة الخزانة في عهد دونالد ترامب؟ الولايات المتحدة هي أكبر مدين في العالم بفارق كبير، والارتفاع المطرد في أسعار الفائدة العالمية طويلة الأجل ــ وهو أمر لطالما جادلتُ بأنه كان حتميًا ــ بدأ يتسبب في ألم حقيقي.
حتى الآن، كان وزير الخزانة سكوت بيسنت يستخف بالمخاوف بشأن الدين الأميركي، الذي تجاوز مؤخرًا 40 تريليون دولار، باعتبارها مجرد «لا شيء مهم». فالنمو، بحسب روايته، سيكون هائلًا إلى درجة أن الولايات المتحدة ستتمكن بسهولة من الوفاء بالتزامات فوائد ديونها، من دون الحاجة إلى زيادات كبيرة في الضرائب أو خفض كبير في الإنفاق، بينما سيواصل بقية العالم ضخ الأموال فيها بسعادة. لكن إذا كان بيسنت يؤمن فعلًا بذلك، فلماذا يحاول فرض إرادته على سوق السندات من خلال التلاعب بآجال استحقاق الدين الحكومي؟
الخطوة الأولى الواضحة، والتي تتطلع إليها الأسواق، هي معالجة المشكلة الأساسية عبر كبح العجز الفيدرالي الهائل في الولايات المتحدة، الذي يبلغ حاليًا نحو 6% من الناتج المحلي الإجمالي. وقد أكد بيسنت مرارًا للمستثمرين أن الاقتراض الضخم لإدارة ترامب مؤقت، وأن النمو المدفوع بالذكاء الاصطناعي سيولد وفرة من الإيرادات الضريبية التي ستخفض العجز قريبًا إلى مستوى أكثر قابلية للإدارة يبلغ نحو 3% من الناتج المحلي.
قد يحدث ذلك، لكن هناك أسبابًا كثيرة للاعتقاد بأن تحقيق ضبط للميزانية من دون ألم ليس سوى أمنية، وليس أقلها أن أرباح الذكاء الاصطناعي قد تكون أصعب بكثير في فرض الضرائب عليها مقارنة بدخل العمالة. وعلى المدى القريب، من المرجح أن ترتفع تكاليف دعم السكان المتقدمين في السن، وتمويل ما يبدو أنه زيادة حتمية في الإنفاق العسكري، والاستجابة للضغوط الشعبوية الشديدة لزيادة الإنفاق الحكومي، بمعدل لا يقل عن معدل نمو الإيرادات.
ومما يزيد الوضع سوءًا أن العلاوة التي كانت تتمتع بها سندات الخزانة الأميركية طويلة الأجل ــ وهي جزء أساسي من «الامتياز الباهظ» الذي تتمتع به الولايات المتحدة بفضل كون الدولار عملة الاحتياط العالمية ــ قد تلاشت إلى حد كبير. فلم يعد الدين الأميركي يُتداول باعتباره أصلًا آمنًا استثنائيًا مقارنة بديون الاقتصادات المتقدمة الأخرى. وبالتالي، فإن قيمة هيمنة الدولار تتراجع حتى في أفضل الظروف. وإذا أدت الضغوط على الميزانية في نهاية المطاف إلى أزمة، فقد تكون النتيجة فقدانًا سريعًا لحصة الدولار من السوق العالمية، وهي حصة كان من الممكن أن يستغرق فقدانها في الظروف الطبيعية عقودًا.
فماذا ينبغي لوزارة الخزانة الأميركية أن تفعل؟ الإجابة التقليدية، كما يعرف بيسنت جيدًا، هي اتخاذ خطوات نحو ضبط مالي كبير، وليس التخفيضات العشوائية والخشنة للإنفاق التي انتهجها إيلون ماسك وأتباعه في «دوج» عام 2025. لكن مشكلة بيسنت هي أن رئيسه ترامب يدرك أن دافعي الضرائب الأميركيين ليسوا مستعدين لأي نوع من التقشف الحقيقي.
ولهذا السبب، فإن تحول بيسنت نحو حيل إعادة شراء السندات يثير القلق. فهو، في الواقع، يتعهد بإخراج الديون طويلة الأجل من النظام واستبدالها بديون قصيرة الأجل، على نحو يشبه ما يفعله الاحتياطي الفيدرالي عندما ينخرط في التيسير الكمي. ويمكن لمثل هذا النهج أن يكون منطقيًا في حالة من الذعر، عندما تكون هناك فرصة جيدة لانخفاض أسعار الفائدة طويلة الأجل مجددًا، لكن لا توجد أدلة تذكر على أن السوق هي الطرف الذي يشعر بالذعر في الوقت الحالي.
في الواقع، ترتفع أسعار الفائدة الحقيقية طويلة الأجل في أنحاء العالم، ما يشير إلى أن الاستثناء الأميركي لم يعد قائمًا، أو على الأقل لم يعد قائمًا بالدرجة نفسها. وقد جادل بيسنت منذ فترة بأن أسعار الفائدة طويلة الأجل مرتفعة أكثر مما ينبغي، مفضلًا الاقتراض قصير الأجل باعتباره وسيلة لانتظار انحسار الارتفاع الذي يعتقد أنه سيتلاشى قريبًا.
قد يكون محقًا. فما زال العديد من الاقتصاديين البارزين، ولا سيما أولئك الذين أصروا طويلًا على أن أسعار الفائدة ستبقى منخفضة للغاية إلى الأبد، متمسكين برأي أن معدلات الفائدة المرتفعة حاليًا مجرد حالة شاذة. لكن الدراسات القائمة على البيانات التاريخية تشير، للأسف، إلى أن الارتفاع الأخير من الأفضل اعتباره عودة إلى الوضع الطبيعي، وأن أسعار الفائدة على المدى الطويل يُرجح أن ترتفع أكثر من أن تنخفض.
ومع تجاوز الدين الوطني الآن 40 تريليون دولار، فهذا ليس الوقت المناسب لإخبار المستثمرين بأنه «لا شيء سحري» في هذا الرقم. وبالنظر إلى العجز المالي المتزايد، وارتفاع أسعار الفائدة طويلة الأجل، وتنامي ضغوط الإنفاق، فإن عبء الدين الأميركي يمثل مصدر قلق حقيقيًا للغاية.
والأكثر إثارة للقلق أن محاولة بيسنت الخرقاء للسيطرة على سوق السندات تقوّض مصداقيته التي اكتسبها بشق الأنفس باعتباره أكثر أعضاء الفريق الاقتصادي في إدارة ترامب الثانية موثوقية. وحتى الآن، نجح بيسنت في إبعاد ترامب عن بعض ــ وإن لم يكن جميع ــ أكثر اندفاعاته ضررًا، سواء فيما يتعلق بالرسوم الجمركية أو بتعيين رئيس الاحتياطي الفيدرالي. وبالطبع، عليه أن يلتزم بخط ترامب في القضايا الحساسة والقريبة من قلب الرئيس، إذ يصر على أن الولايات المتحدة هزمت إيران فعليًا، وأن لا شيء سيعود بالنفع على العمال الأميركيين أكثر من قلب نظام التجارة الدولي رأسًا على عقب. وإلا فسيُقال من منصبه فورًا. لكن أسواق السندات ليس من السهل دفعها إلىال الاتجاه الذي تريده الإدارة.
وكان بيسنت، وهو متداول سندات سابق ومدير صندوق تحوط، قد حقق انتصارًا كبيرًا عندما دعم البيزو الأرجنتيني في الخريف الماضي، وربما لم يتسبب في أضرار كبيرة عندما دعم الين الياباني بشكل مفاجئ خلال الصيف، حتى لو تلاشت التأثيرات سريعًا نسبيًا. لكن على النقيض من ذلك، لم تؤدِ محاولته لإطلاق تيسير كمي بقيادة وزارة الخزانة إلا إلى القليل في وقف ارتفاع عوائد السندات طويلة الأجل. وبالنظر إلى أنه لن يكون هناك خفض حقيقي للدين قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر/تشرين الثاني، فإن أسواق السندات لديها أسباب وجيهة للبقاء شديدة التشكيك في المسار المالي للولايات المتحدة.
كينيث روغوف أستاذ الاقتصاد والسياسة العامة في جامعة هارفارد. وكان كبير الاقتصاديين في صندوق النقد الدولي بين عامي 2001 و2003.


المصدر: الغارديان

الكاتب: كينيث روغوف




روزنامة المحور