الأربعاء 26 آب , 2026 03:38

نزع السلاح: أداة إخضاع لا مسار سلام

مقاتلون يحملون السلاح

نزع السلاح، بحسب ما تكرّسه الأدبيات السياسية، يُصوَّر غالباً كأداة من أدوات "مكافحة التمرد" في النزاعات الداخلية، أي تجريد الجماعات المسلحة أو تقليص قدرتها القتالية، غير أن نجاح هذا المسار مرهون عملياً بارتباطه بحزمة أوسع تشمل التسريح وإعادة الدمج، لا بمجرد جمع السلاح بمعزل عن سياق سياسي وأمني متكامل. وتؤكد أدبيات الأمم المتحدة نفسها أن نزع السلاح في سياقات النزاع لا يجوز أن يُفرض بالقوة وحدها، بل يستلزم توافر الطوعية والأمن والملكية الوطنية والتحليل السياقي الدقيق، بوصفها شروطاً بنيوية لا شكلية.

فمن الناحية النظرية، يُفترض أن خفض توافر السلاح يقلّص احتمالات العنف ويُضعف قدرة التمرد على الاستمرار، ويجعل احتكار الدولة للقوة أكثر رسوخاً، وهو ما تعبّر عنه برامج الأمم المتحدة لنزع السلاح والتسريح وإعادة الاندماج حين تُعرّف نزع السلاح بأنه خطوة أولى تسبق التسريح وإعادة الإدماج في البيئة المدنية، أي أن الهدف الحقيقي ليس سحب السلاح بحد ذاته، بل خلق بيئة أمنية تتيح انتقالاً سياسياً وسلماً مستداماً. غير أن هذه الفكرة، التي تطورت ضمن نظرية ضبط التسلح في العلاقات الدولية ثم أُدمجت في برامج الأمم المتحدة بعد الحروب الأهلية، تحمل في جوهرها إشكالية خطيرة، إذ تخلط بين الحروب الأهلية وبين حق مقاومة الاحتلال الذي تصونه المبادئ الأممية ذاتها، وتكشف عن انتقائية واستنسابية واضحتين في وضع المعايير حين تفرضها القوى المهيمنة أو المحتلة أو المستعمرة ضمن هندسة سيطرتها على بلد ما.

أما على صعيد المخاطر والسلبيات، فإن أول التحديات يكمن في تخوّف الأطراف المسلحة من أن يفضي تسليم سلاحها إلى تعرضها للانتقام أو الاعتقال أو الإقصاء، لا سيما حين تكون مؤسسات الأمن والقضاء غير محايدة. ويضاف إلى ذلك أن انتشار السلاح داخل المجتمع وامتزاج المقاتلين بالمدنيين يجعلان عملية الجمع والتفتيش والرقابة بالغة التعقيد، وقد تفضي إلى اضطرابات أو انتهاكات إذا نُفّذت بضغط أو استعجال. ويتمثل الخطر الثالث في أن غياب التزامن بين نزع السلاح وتوفير الأمن وإعادة الإدماج الاقتصادي يخلق فراغاً قد يدفع نحو إعادة التسلح أو بروز جماعات منشقة. وسياسياً، ترتبط العملية عادة بإشكالية الإرادة السياسية، إذ لا تُقدم الفصائل على تسليم سلاحها ما لم تتبيّن أفقاً سياسياً واضحاً يضمن حقوق جمهورها ودورها، في حين قد تستغل السلطة عملية النزع لإعادة احتكار القوة بدل بناء تسوية حقيقية أو تقديم مسار سياسي واضح، ذلك أن كل طرف يحسب مسألة النزع وفق موقعه في ميزان القوى الداخلي والخارجي، فيما يسعى الاحتلال أو القوى المهيمنة إلى فرض نزع السلاح لإضعاف قدرة الخصم على المقاومة، مترافقاً ذلك مع بناء مجال سياسي وأمني يخدم توازناً جديداً أو هيمنة طويلة الأمد. وبهذا المعنى، فإن نزع السلاح أداة أمنية-سياسية لإعادة هندسة ميزان القوة، وكثيراً ما يتحول إلى وسيلة إخضاع وإدارة للفضاء السياسي والأمني بأكمله.

ومن أبرز مخاطر النزع القسري للسلاح خلقُ فراغ أمني واختلال في موازين القوة قد يدفع الأطراف إلى استئناف القتال بدل إنهائه، إذ إن اختفاء آليات الردع لدى طرف واحد يفتح الباب أمام هجمات انتقامية من الطرف الآخر، ويجعل الخصوم يرون في الطرف الأضعف فرصة سانحة لتغيير الموازين بالقوة. ويضاف إلى ذلك ضعف الثقة بعملية السلام ذاتها، حين يُفهم جمع السلاح من طرف واحد كاستسلام سياسي أو تمييز أو تخلٍّ عن وسائل الحماية قبل الحصول على بديل فعلي، ذلك أن السلاح في حالات الاحتلال والاستعمار يمثل أداة للوجود السياسي وللتفاوض من دون التعرض للابتزاز. كما يرتفع منسوب التوتر عبر إضعاف الحماية عن الفئات الهشة وتكريس اللامساواة، بحيث يقوّض النزع القسري شبكات الحماية المجتمعية، ويترك المدنيين عرضة للعنف والانتقام، ويساهم في توسيع النزوح وتفكك النسيج الاجتماعي. ويسلك الاحتلال أو الاستعمار، بعد نزع السلاح، مساراً من أربع خطوات متتالية تبدأ بتفكيك القوة المسلحة المحلية، فالسيطرة على المرافئ والحدود والاتصالات والاقتصاد بوصفها فراغات أمنية متقاطعة، ثم إعادة تشكيل الإدارة والقوة المسلحة "الرسمية"، وصولاً إلى عزل النخب المحلية المقاومة، وذلك كله بهدف ضمان ألا تبقى قدرة مسلحة تهدد السيطرة السياسية على البلد المحتل أو تعرقل إدماجه في مخططات أوسع تستهدف المنطقة لصالح الطرف المسيطر.

أما التطبيقات التاريخية فتُظهر أن تنفيذ نزع السلاح يصطدم عادة بمزيج من أزمة الثقة وهشاشة الدولة وتعارض الحسابات السياسية، وتتعثر العملية غالباً حين تغيب الضمانات الأمنية أو ينعدم اتفاق سلام واضح أو تفتقر البنية القانونية إلى القدرة على حماية المقاتلين السابقين والمدنيين معاً. وتكشف التجربة التاريخية عن ثلاثة أنماط رئيسية: نزع السلاح بتوافق الأطراف، والنزع القسري تحت التهديد أو الهزيمة أو الاحتلال، وأسلوب العصا والجزرة الذي يجمع الضغط بالحوافز، ولا ينفصل هذا كله عن السياق التاريخي للنزاع وبنية السيطرة على الأرض والنتائج الديموغرافية والسياسية المترتبة عليه. ومن أبرز النماذج التاريخية حادثة جيش المختار الثقفي عام 67 للهجرة، حين حوصر نحو سبعة آلاف من جنوده في قصر الكوفة، ووعدهم مصعب بن الزبير بالأمان مقابل تسليم سلاحهم، قبل أن يغدر بهم ويقتلهم جميعاً في غداة واحدة، لتؤكد هذه الواقعة أن نزع السلاح قد يكون بداية النهاية للمستسلم رهناً بنوايا المنتصر وقسوته. وفي الأندلس، تحولت وعود معاهدة غرناطة عام 897 للهجرة إلى أداة لتفكيك آخر معاقل المسلمين هناك، بعد حصار خانق دام تسعة أشهر من دون أي إسناد من العالم الإسلامي، لينتهي الأمر باضطهاد منظم وتهجير قسري نهائي عام 1609م، فتصبح غرناطة رمزاً لكون نزع السلاح مقدمة للإذلال وفقدان الهوية.

وفي جنوب السودان، أفضى مسار نزع السلاح غير المتكافئ بعد اتفاق السلام الشامل عام 2005 إلى موجة نزوح قسري وإعادة رسم للخريطة الاجتماعية والاقتصادية المحلية. وفي شمال سوريا، أدت عملية عسكرية عام 2019 إلى انسحاب قوات "قسد" من شريط حدودي واسع وفق ترتيبات أميركية، وانتقال السيطرة إلى "الجيش الوطني" وتركيا، فنتج عن ذلك نزوح أكثر من مئة وخمسة وسبعين ألف شخص ومحاولة طمس للهوية المحلية. وفي معركة ميسلون عام 1920 بقيادة يوسف العظمة، ظهر جلياً أن غياب قوة ردع كافية أمام قوة استعمارية منظمة يحوّل نزع السلاح إلى إفراغ تدريجي لمفهوم السيادة، تماماً كما جرى في العراق بعد ثورة العشرين، حين أعقب القمع البريطاني حملات عقابية ومصادرة أسلحة ونفي قادة، لتبقى السيادة منقوصة رغم عدم تثبيت السيطرة الاستعمارية المباشرة. وفي فلسطين، أظهرت الثورة الكبرى بين عامي 1936 و1939 أن تفكيك المقاومة يفتح الطريق أمام تسارع المشروع الاستيطاني وضياع الأرض، وهو ما مهّد فعلياً لنكبة عام 1948. في المقابل، قدّمت الثورة الجزائرية بين 1954 و1962 نموذجاً معاكساً، إذ شكّل التمسك بالسلاح حتى تحقيق الاستقلال كاملاً عبر اتفاقيات إيفيان درساً في تحوّل السلاح إلى أصل مؤسس للسيادة. أما في ليبيا، فقد سهّلت تنازلات الحركة السنوسية بحل بعض الفصائل ونزع سلاح القبائل مقابل رفع الحصار عودة الإيطاليين لاحقاً إلى ما سُمّي "إعادة الفتح" بصيغة أشد قسوة، بينما أظهر نموذج المغرب بين 1912 و1934 كيف كان نزع السلاح جزءاً من مشروع تدريجي لإخضاع الأرض والقبائل والموارد تحت غطاء الحماية الاستعمارية.

وختاماً، فإن نزع السلاح ليس إجراءً محايداً بل أداة سياسية-أمنية شديدة الارتباط بطبيعة السلطة التي تديره، وفي سياقات الاحتلال يُستخدم لتقليص قدرة المجتمع المحلي على المقاومة، بينما يكمن الفارق في سياقات ما بعد النزاعات في طبيعة المشروع السياسي الذي يحدد مصير السلاح ومن يملك حق الاحتفاظ به، وهو ما يجعل الربط دائماً بين نزع السلاح والسيادة وبناء الدولة. وتتوزع دوافع سياسات نزع السلاح بين تجفيف منابع القوة لحركات المقاومة، وانتزاع تنازلات سياسية وأمنية واقتصادية بعد انتصارات قوى التحرر، والحفاظ على مكتسبات الخصم عبر التفاوض عند تأسيس مرحلة جديدة من هندسة الواقع الجيوسياسي، وتُترجم هذه الدوافع عملياً عبر إصدار مراسيم وقوانين تحت الضغط، وفرض عقوبات وحصار يفكك البنى المالية والاجتماعية لحركات التحرر، وإدراج بنود نزع السلاح كشروط أساسية ضمن هدن هشة مفروضة، واستغلال الاستقرار المؤقت لإعادة رسم الخرائط السياسية. ومن دون ضمانات سياسية وأمنية وحماية فعلية للسكان والأرض، فإن نزع سلاح حركات التحرر يفضي حتماً إلى انتقام مسلح ونزوح جماعي يتحول إلى أداة لتقويض الخصم، وتغييرات ديموغرافية عميقة، وضياع فعلي للسيادة على الأرض والموارد، بينما تبقى أسئلة جوهرية معلقة حول من يملأ الفراغ الأمني، ومن يضمن العودة، ومن يحمي الملكية، ومن يمنع الانتقام، ومن يسيطر على الموارد، لتظل الإجابة عنها المعيار الحقيقي الذي يكشف ما إذا كان نزع السلاح مدخلاً للسلام أم أداة لإعادة توزيع القوة بالقوة.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور