الأربعاء 26 آب , 2026 03:54

الاستقرار الاستراتيجي لواشنطن وأزمة "الفجوة الصاروخية"

مشروع القبة الذهبية

لأكثر من سبعة عقود، عاشت الولايات المتحدة وهي تنظر إلى جغرافيتها باعتبارها أحد أقوى عناصر قوتها. محيطان يفصلانها عن معظم خصومها، وحلفاء يحيطون بحدودها الشمالية والجنوبية، وترسانة نووية قادرة على جعل أي استهداف لها أشبه ب "مقامرة انتحارية". لكن هذه المعادلة التي منحت واشنطن شعورًا استثنائيًا بالأمان تخضع اليوم لاختبار جديد.
فالمشكلة، وفق مسؤول عسكري أميركي سابق، لم تعد أن الولايات المتحدة قادرة على تدمير خصمها، بل أن خصومها باتوا قادرين على إلحاق أضرار استراتيجية بها من دون استخدام السلاح النووي أصلًا.
هذه هي الفكرة التي تقف خلف التحذير من وجود "فجوة صاروخية استراتيجية" في الولايات المتحدة، وخلف الدفع باتجاه مشروع "القبة الذهبية" للدفاع الصاروخي. غلين فان هيرك، القائد السابق للقيادة الشمالية الأميركية وقيادة الدفاع الجوي الفضائي لأميركا الشمالية، يقول بوضوح إن "الاستقرار الاستراتيجي يتآكل، وخطر فشل الردع يتزايد يوميًا".
وهذا يعني أن القوة التي كانت واشنطن تعتمد عليها لردع خصومها باتت تواجه مشكلة مختلفة حول كيفية منع الخصم من الوصول إلى أهدافه قبل أن يصبح الرد النووي خيارًا مطروحًا؟
ففي السابق، كان الردع الأميركي يقوم إلى حد كبير على معادلة بسيطة أي هجوم استراتيجي على الولايات المتحدة سيقابله رد يفوق كلفته المحتملة بكثير. لكن هذه المعادلة تصبح أكثر تعقيدًا عندما يتعلق الأمر بهجوم تقليدي محدود، يستهدف منشأة حيوية أو شبكة قيادة أو بنية تحتية استراتيجية من دون أن يصل إلى مستوى يستدعي ردًا نوويًا.
هنا تظهر الصواريخ الباليستية والفرط صوتية وصواريخ كروز والمسيّرات كجزء من معادلة جديدة. فهي تمنح الطرف المقابل القدرة على إلحاق أضرار ذات قيمة استراتيجية من دون تجاوز العتبة النووية، وتخلق بذلك منطقة رمادية بين الحرب التقليدية والحرب الاستراتيجية. والمعضلة بالنسبة إلى واشنطن لم يعد فقط كيف ترد على الاستهداف، بل كيف تمنع خصمًا من تحقيق أهدافه أصلًا.
الصين وروسيا وكوريا الشمالية، وفق الطرح الأميركي، طورت ترسانة واسعة من الصواريخ الباليستية والفرط صوتية وصواريخ كروز القادرة على حمل رؤوس تقليدية ونووية. وهذه الأسلحة يمكن إطلاقها من البر والبحر والجو والفضاء، بما يجعل المسافة والجغرافيا أقل قدرة على حماية الأراضي الأميركية.
ولم يعد التهديد مقتصرًا على القوى الكبرى. إذ أُدرجت حركة أنصار الله في هذا السياق أيضًا. وأشار الكاتب الأميركي إلى أن "الحوثيين يمتلكون، بدعم إيراني، صواريخ تقليدية قادرة على إحداث تأثيرات تتجاوز حجم الجهة التي تطلقها".
وهنا تبرز إيران كنموذج مهم على التحول في طبيعة التهديد. فالتطور المتواصل في القدرات الصاروخية الإيرانية، إلى جانب انتقال الخبرات والتكنولوجيا إلى حلفائها في محور المقاومة، يعني أن امتلاك قدرة صاروخية ذات تأثير استراتيجي أصبح نسبياً في متناول الجميع. وقد أظهرت المواجهات في المنطقة أن الصواريخ يمكن أن تفرض كلفة عسكرية وسياسية على قوى تتفوق عليها في الحجم والقدرات التقليدية، سواء عبر تهديد منشآت حيوية أو استنزاف موارد ضخمة في عمليات الاعتراض.
الأخطر أن هذه الصواريخ لا تحتاج إلى حمل رأس نووي حتى تصبح ذات قيمة استراتيجية. فقد تكون قادرة على ضرب البنية التحتية الحيوية أو تعطيل منظومات القيادة والاستجابة الأميركية، وهو ما يعني أن العتبة بين الحرب التقليدية والحرب الاستراتيجية أصبحت أكثر ضبابية.
ولهذا لم تعد المسألة بالنسبة إلى واشنطن مجرد تطوير وسائل اعتراض إضافية، بل إعادة صياغة مفهوم الردع نفسه. فـ"الردع بالعقاب" يقوم على إقناع الخصم بأنه سيدفع ثمنًا باهظًا إذا هاجم، بينما تسعى واشنطن الآن إلى إضافة طبقة أخرى تقوم على "الردع بالمنع": أي إقناع الخصم بأن هجومه لن يحقق أهدافه أصلًا.
لهذا تبحث واشنطن مؤخرًا بناء "القبة الذهبية" بوصفها أكثر من منظومة اعتراض للصواريخ. وتتألف من طبقات تحتوي على المستشعرات ووسائل الاعتراض في البر والبحر والجو والفضاء، بهدف إنشاء شبكة دفاعية قادرة على التعامل مع التهديدات قبل وصولها إلى أهدافها.
لكن مجرد اضطرار الولايات المتحدة إلى إعادة بناء هذا الردع يكشف جانبًا من الأزمة التي تحاول معالجتها. فإذا كانت القوة النووية الأميركية هي الضمانة الأخيرة للأمن، فلماذا تحتاج واشنطن الآن إلى منظومة دفاعية هائلة لحماية أراضيها من صواريخ تقليدية؟
الإجابة التي يقدمها الطرح الأميركي هي أن طبيعة التهديد تغيرت. أما الدلالة الأوسع فهي أن الردع الأميركي لم يعد قائمًا على القدرة على الانتقام وحدها، بل أصبح مضطرًا إلى البحث عن القدرة على الصمود والمنع أيضًا.
وهنا تظهر المفارقة الكبرى في مشروع "القبة الذهبية". فواشنطن لا تبني هذه المنظومة لأنها باتت أكثر اطمئنانًا إلى قدرتها على حماية أراضيها، بل لأن وسائل استهدافها تطورت إلى درجة دفعتها إلى إعادة النظر في مفهوم الحصانة الأميركية نفسه. وكلما تطورت الصواريخ والمسيّرات وقدرات الضرب بعيدة المدى، أصبحت الجغرافيا الأميركية أقل قدرة على توفير الحماية التي وفرتها لعقود.
وهكذا تصبح "القبة الذهبية" محاولة لسد فجوة أعمق من فجوة تقنية في الدفاع الجوي؛ فجوة بين حجم القوة الأميركية وبين قدرتها على ضمان أن هذه القوة ستمنع الحرب من الوصول إلى الداخل الأميركي.
"الفجوة الصاروخية" التي تواجهها واشنطن ليست فجوة في عدد الصواريخ أو وسائل الاعتراض بقدر ما هي أزمة في بنية الردع نفسها، قوة أميركية كبيرة تستطيع الوصول إلى أي نقطة تقريبًا خارج حدودها، لكنها تجد نفسها مضطرة إلى إعادة بناء دفاعاتها كي تضمن ألا تصبح أراضيها هي الأخرى ساحة قابلة للاختراق. ولهذا، فإن "القبة الذهبية" إلى جانب اعتبارها مشروعًا لاستعادة الردع، فهي انعكاس لتحول أعمق في ميزان القوة؛ فالحصانة الجغرافية لم تعد ضمانة، والردع النووي مستوى متقدم، والتفوق العسكري لم يعد يعني القدرة على منع الخصم من إيقاع أذى استراتيجي.


الكاتب: زهراء نعيم




روزنامة المحور