الخميس 27 آب , 2026 02:18

ما بعد أبو الظهور: هل تستطيع "إسرائيل" احتواء تركيا دون مواجهتها؟

علم تركيا وإسرائيل وخريطة سوريا

في ليلة 17-18 آب/أغسطس 2026، نفّذ سلاح الجو الإسرائيلي غارة غير مسبوقة على قاعدة أبو الظهور الجوية في إدلب، على بُعد 60 كيلومترًا فقط من الحدود التركية، معتبرًا الوجود العسكري التركي في سوريا خطًا أحمر. جاءت الضربة بعد معلومات استخباراتية إسرائيلية عن نية أنقرة نشر رادارات وأنظمة دفاع جوي في القاعدة، وهو ما تخشى "إسرائيل" أن يقيّد حرية تحركها الجوي فوق سوريا.

من جانبها، نفت دمشق نيتها إقامة قاعدة تركية دائمة في الموقع، مؤكدة حقها السيادي في إعادة بناء جيشها وتحالفاتها دون قيود، وساعية إلى نهج متوازن يحفظ علاقاتها مع تركيا دون الانجرار إلى تبعية كاملة لها. أما أنقرة، فرغم نفوذها الواسع في سوريا منذ 2018، فهي تعيد تنظيم انتشارها العسكري تدريجيًا لصالح مؤسسات الدولة السورية، وقد نفت وجود أي قوات لها في القاعدة وقت الضربة.

الموقف الأمريكي جاء منقسمًا: تحفّظ ترامب، بينما انتقد المبعوث توم باراك الضربة بشدة، معتبرًا أن المعلومات الاستخباراتية الإسرائيلية لم تكن دقيقة وأن القرار قد يعكس اعتبارات سياسية داخلية إسرائيلية أكثر من تهديد فعلي، وهو ما رفضته وزارة الحرب الإسرائيلية جملة وتفصيلًا.

تخلص المقالة أدناه من إصدار معهد الأمن القومي الإسرائيلي، وترجمة موقع الخنادق، إلى أن المقارنة بين تركيا وإيران في الخطاب الإسرائيلي مبالغ فيها، كون أنقرة عضوًا في الناتو وحليفًا أمريكيًا تحافظ على قنوات تنسيق مع "إسرائيل". وتدعو إلى تمييز عملياتي دقيق: قبول إعادة تأهيل البنية التحتية السورية ونشر أنظمة تركية في الشمال (لكونه لا يغيّر موازين القوى جوهريًا)، مقابل رفض أي تمركز تركي في وسط وجنوب سوريا القريبين من الحدود الإسرائيلية. وتحذّر من أن الاعتماد الحصري على الردع العسكري دون مسار دبلوماسي موازٍ مع دمشق قد يرتد سلبًا، ويدفع سوريا نحو مزيد من الارتماء في الحضن التركي، في وقت تتقارب فيه دمشق إقليميًا ودوليًا وقد يتصاعد الضغط على إسرائيل بشأن الجولان وخطوط فصل القوات لعام 1974.

النص المترجم للمقال

هل كان ينبغي لإسرائيل أن تتخذ إجراءً عسكرياً في سوريا على الرغم من خطر تصعيد التوترات مع تركيا، وكيف ينبغي لها أن تتعامل مع الترسخ التركي في سوريا في المستقبل؟

في ليلة 17-18 أغسطس/آب 2026، شنّ سلاح الجو الإسرائيلي غارة جوية غير مسبوقة داخل الأراضي السورية، على بُعد 60 كيلومتراً فقط من الحدود التركية. أصابت ثمانية صواريخ مدارج قاعدة أبو الظهور الجوية العسكرية في محافظة إدلب. وأكد مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي الغارة فعلياً، موضحاً أن وجود القوات التركية على الأراضي السورية يُمثل خطاً أحمر بالنسبة لإسرائيل. ووفقاً لبيان مكتب رئيس الوزراء، فقد ساد وضع أمني قائم بين البلدين، كانت دمشق على وشك انتهاكه بالسماح للقوات التركية بالانتشار في القاعدة رغم التحذيرات المتكررة. وبعد نحو أسبوع، أفادت التقارير أن مدير الموساد، رومان جوفمان، التقى وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، في محاولة لتهدئة التوترات وإيجاد حل دبلوماسي للأزمة.

تتناول هذه المقالة مواقف الطرفين والفجوات بينهما، وتناقش ما إذا كان العمل العسكري مُبرراً، في ظل حسابات إسرائيل المعقدة في سوريا، رغم خطر التصعيد مع تركيا. تجدر الإشارة إلى أن تركيا تحافظ على وجودها في شمال سوريا منذ عام ٢٠١٨. إلا أن إسرائيل تشعر الآن بالقلق من احتمال قيام تركيا بنشر أسلحة متطورة وأنظمة دفاع جوي في الأراضي السورية، مما قد يُقيّد حرية إسرائيل في التحرك. تتناول هذه المقالة المعايير التي ينبغي وضعها للاعتراف باستمرار الوجود التركي في سوريا، مع ضمان عدم تعريضه للمصالح الاستراتيجية الإسرائيلية للخطر.

القلق الإسرائيلي

قبل أيام قليلة من الضربة الأخيرة في عمق الأراضي السورية، أبلغ مسؤولون دفاعيون إسرائيليون الولايات المتحدة بأن تركيا تستعد لنشر رادارات في قاعدة أبو الظهور، يتبعها نشر أنظمة دفاع جوي وقوات تركية لتشغيلها، وهي خطوة زعمت إسرائيل أنها ستغير موازين القوى الإقليمية. في الواقع، تشتبه إسرائيل في أن تركيا تسعى إلى ترسيخ وجودها في المطارات السورية والمواقع الاستراتيجية باستخدام أنظمة الرادار والقيادة والسيطرة المصنعة من قبل شركة أسيلسان، أكبر شركة إلكترونيات دفاعية في تركيا. ورغم عدم تحديد موعد دقيق لوصول هذه الأنظمة، فقد حددت إسرائيل القاعدة كهدف محتمل.

تعتبر إسرائيل الحفاظ على حرية تحركاتها الجوية في سوريا هدفًا بالغ الأهمية لا تقبل المساومة عليه. كان هذا هو النهج المتبع خلال حكم بشار الأسد لإحباط التغلغل الإيراني، ولا يزال كذلك الآن في عهد الشريعة. وتعتبر القدس حرية إسرائيل في التحرك ضرورية لأربعة أسباب رئيسية: أولها، الشكوك وعدم الثقة الإسرائيلية بطبيعة النظام ونواياه، نظرًا لجذوره الجهادية؛ وثانيها، وجود جهات معادية وميليشيات مسلحة مارقة، تتراوح بين حماس وحزب الله وصولًا إلى منظمات جهادية عالمية؛ وثالثها، حزم تركيا وسعيها لتوسيع نفوذها في البلاد، نظرًا لعلاقاتها الوثيقة مع القيادة السورية من جهة، والعداء الذي أبدته أنقرة تجاه إسرائيل منذ حرب غزة من جهة أخرى.

علاوة على ذلك، وفي ظل الحرب مع إيران، تسعى إسرائيل إلى الحفاظ على وضع يبقى فيه المجال الجوي السوري مفتوحًا أمام عمليات سلاح الجو الإسرائيلي، كما فعلت في الجولتين السابقتين من القتال مع إيران، وتخشى أن تعيق أنظمة الدفاع الجوي التركية هذه العمليات. ولذلك، وكما حدث في أبريل من العام الماضي في قاعدة T4 في حمص، اختارت إسرائيل مجددًا توجيه رسالة عبر ضربة تحذيرية محدودة، مؤكدةً في الوقت نفسه أنها لا ترغب في التصعيد مع سوريا أو تركيا. وجاء ذلك بعد أن أفادت التقارير بأن إسرائيل حثت وزير الخارجية السوري على عدم السماح لتركيا باتخاذ مثل هذا الإجراء، إلا أن السوريين "لم يستوعبوا الرسالة".

الموقف السوري

باعتبارها دولةً تخوض عملية تعافٍ هشة من حرب أهلية طويلة الأمد، تنظر دمشق إلى استعادة قدراتها العسكرية كحق سيادي أساسي وضرورة أمنية وجودية. ورغم أن تركيا هي شريكها المهيمن والحصري تقريبًا في عملية بناء القوة العسكرية، فإن هذا لا يعني أن دمشق مستعدة لحصر نفسها في تبعية استراتيجية طويلة الأمد لأنقرة. فالقيادة السورية تعمل بشكل منهجي على تنويع مصادر تمويلها وتدريبها وتجهيزاتها ودعمها العملياتي من خلال تطوير علاقات موازية مع دول عربية والولايات المتحدة وأوروبا وباكستان وروسيا.

أوضح وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني أن دمشق لا ترغب في أن تتحول أراضيها إلى ساحة للمواجهة بين إسرائيل وتركيا، مؤكداً عدم وجود أي نية لإنشاء قاعدة تركية في أبو الظهور، أو إقامة وجود تركي دائم هناك، أو نشر قوات أجنبية. ووفقاً له، فإن الموقع كان مهجوراً إلى حد كبير، ولم يكتمل ترميمه بعد. وقد تم التعبير عن هذا الموقف رسمياً وبشكل صريح خلال الاجتماع السوري الإسرائيلي بين الشيباني ومدير الموساد رومان جوفمان، الذي عُقد في الأردن في 23 أغسطس/آب بوساطة أمريكية. وشدد الوفد السوري على أن سوريا دولة ذات سيادة، ولها كامل الحق في إعادة بناء وتطوير جيشها الوطني، وتحديد تحالفاتها وفقاً لمصالحها، ورفض أي آلية من شأنها تقييد هذه الحقوق الأساسية.

في الوقت نفسه، انتقد مسؤولون سوريون إسرائيل، بحجة أنها تراجعت مراراً وتكراراً عن التفاهمات الأمنية الناشئة التي توسطت فيها الولايات المتحدة. ومع ذلك، وبالتزامن مع الإدانات الرسمية، رأى الشيباني أن المفاوضات الرامية إلى وضع ترتيبات أمنية من المتوقع أن تستأنف تحت ضغط من واشنطن. ووفقاً له، تُقر سوريا بضرورة مراعاة المخاوف الأمنية لإسرائيل، لكنها تتوقع في المقابل أن تحترم القدس احتياجات دمشق الأمنية وسيادتها وحقها في إعادة بناء مؤسسات الدولة.

من وجهة نظر القيادة السورية، يرتكز هذا النهج على واقع أمني ملموس: إذ يتعين على سوريا مواجهة خلايا داعش، وشبكات التهريب والإرهاب العابرة للحدود، وبقايا النظام السابق، والميليشيات المسلحة، فضلاً عن خطر محاولات إيران لزعزعة استقرار البلاد عبر وكلائها. وعليه، فإن بناء جيش فاعل، وإعادة تأهيل القواعد العسكرية، واستعادة السيطرة على حدود البلاد ومجالها الجوي، لا يُنظر إليه في دمشق كمحاولة لتحدي إسرائيل، بل كشروط أساسية لتحقيق الاستقرار في البلاد، وتوطيد الحكم، ومنع سوريا من أن تصبح مجدداً ساحة مفتوحة أمام القوات الأجنبية والجهات الفاعلة غير الحكومية.

النوايا التركية

بعد سنوات من دعم تركيا لمنظمات المعارضة في سوريا، وعلى رأسها هيئة تحرير الشام، باتت تتمتع بمكانة فريدة ونفوذ سياسي وأمني واقتصادي كبير في البلاد الخاضعة لحكم الشرع. وتتراوح مصالح تركيا بين تثبيت النظام السوري الجديد واحتواء الأكراد (حزب العمال الكردستاني/قسد) وتسهيل عودة اللاجئين وتوسيع نفوذها الإقليمي.

مع ذلك، ورغم العلاقات الوثيقة بين البلدين، لا تعمل سوريا كوكيل لتركيا. وكما ذُكر آنفًا، سعت حكومة الشرع إلى تجنب الاعتماد الكامل على أنقرة، مفضلةً بدلاً من ذلك اتباع نهج متوازن من خلال الحفاظ على علاقات مع جهات إقليمية ودولية متنوعة، سعيًا منها إلى انتهاج سياسة متوازنة تُعزز السيادة السورية مع الحفاظ على أكبر قدر ممكن من هامش المناورة المستقل. علاوة على ذلك، تُدرك دمشق تمامًا أن التعاون الكامل وغير المشروط مع تركيا مسألة بالغة الحساسية بالنسبة للجهات الإقليمية، وعلى رأسها إسرائيل. لذا، فإن العلاقة بين أنقرة ودمشق أكثر تعقيدًا مما يُتصور أحيانًا في إسرائيل، ولا تخلو من التوتر. ويتجلى ذلك في سلسلة من التغييرات الهيكلية التي أجرتها دمشق مؤخرًا في صفوف الجيش السوري، مما يُشير إلى نية تقليص استقلالية هذه القوات ونطاق النفوذ التركي عليها.

اعتبارًا من أغسطس/آب 2026، يشهد الوجود العسكري التركي في سوريا عملية إعادة تنظيم. تعمل أنقرة تدريجيًا على تقليص حجم بعض المواقع والمنشآت الصغيرة التي أنشأتها خلال سنوات الحرب، لا سيما في المناطق التي تغير فيها الوضع الأمني، ونقل السلطة والمسؤولية إلى مؤسسات الدولة السورية. ففي عفرين، على سبيل المثال، يستمر إخلاء المواقع الفردية، وفي 9 أغسطس/آب، أخلت القوات التركية القاعدة في قرية جلبارا بعد أكثر من ثماني سنوات من التواجد فيها.

مع ذلك، لا ينبغي تفسير هذا على أنه انسحاب تركي من شمال سوريا. تشير الصورة العامة إلى انتقال من انتشار واسع النطاق وغير مركزي عبر عشرات المواقع إلى نموذج أكثر تركيزًا وتماسكًا للوجود العسكري، إلى جانب تعزيز التعاون الأمني ​​مع دمشق. كما أكد سفير تركيا لدى سوريا، نوح يلماز، أن التهديدات الرئيسية على طول الحدود قد انخفضت بشكل ملحوظ، مشيرًا في الوقت نفسه إلى استمرار التنسيق العسكري والجهود المشتركة لمكافحة الإرهاب.

وفي الوقت نفسه، يمتد النفوذ العسكري لأنقرة حالياً إلى ما هو أبعد من مجرد الحفاظ على مواقع عسكرية مباشرة، ويشمل التدريب وتقديم المشورة وإعادة تأهيل البنية التحتية والمساعدة في تشكيل عمليات بناء القوات العسكرية السورية.

قبل أيام قليلة من الضربة الإسرائيلية، زار وفد عسكري تركي القاعدة للمساعدة في إعادة تأهيلها بعد أن ظلت معطلة لنحو عقد من الزمن بسبب القتال في المنطقة. ونفت وزارة الدفاع التركية وجود أي من أفرادها العسكريين في القاعدة وقت الضربة، ورفضت مزاعم نية تركيا إقامة وجود عسكري هناك، واتهمت إسرائيل بالتحرك لأسباب سياسية داخلية واستغلال الحادث لزعزعة استقرار سوريا.

أبدت الولايات المتحدة دعماً غير مسبوق للقيادة السورية، واتخذت إجراءات دبلوماسية واقتصادية تهدف إلى المساهمة في استقرار البلاد، بما في ذلك رفع العقوبات. ومؤخراً، اتخذت واشنطن قراراً تاريخياً بإزالة سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب. وفي حين تبنى الرئيس ترامب موقفاً متحفظاً تجاه الضربة الإسرائيلية، اتخذ المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، توم باراك، موقفاً أكثر انتقاداً. ووصف الضربة بأنها تصعيد غير مبرر يقوض الاستقرار الإقليمي، وأكد أن حكومة الشرع أعربت مراراً وتكراراً عن رغبتها الواضحة في خفض حدة التوتر مع إسرائيل.

أضاف باراك أنه قبل نحو ستة أيام من الضربة، أرسلت إسرائيل معلومات استخباراتية إلى واشنطن تشير إلى أن تركيا ربما تستعد لنقل أفراد عسكريين أو أصول إلى قاعدة أبو الظهور. ووفقًا لباراك، بعد أن تحقق المسؤولون الأمريكيون من هذا الادعاء مع وكالات استخباراتهم، أُبلغوا بعدم وجود أي تحرك من هذا القبيل. ورجّح أن تكون المعلومات الإسرائيلية مبنية على مناقشات حول إمكانية توسيع برنامج تدريبي تركي في الموقع، وليس على انتشار عسكري فعلي. وفي الوقت نفسه، ذكر باراك أن الولايات المتحدة وتركيا لم تتلقيا أي إنذار مسبق بالضربة، وأشار إلى أن القرار ربما يكون ناتجًا عن قصور في التنسيق أو تبادل المعلومات بين الجيش الإسرائيلي والموساد ومكتب رئيس الوزراء.

وحذّر باراك من أن الضربة كادت أن تؤدي إلى مواجهة عسكرية مباشرة بين إسرائيل وتركيا. وأشار إلى احتمال سعي إسرائيل لاستفزاز ردّ تركي، وأن اعتبارات انتخابية وسياسية داخلية ربما لعبت دورًا في القرار. ورفض وزير الدفاع يسرائيل كاتس تصريحات باراك، مؤكدًا أنها تتضمن العديد من المغالطات. وشدد على أن المعلومات الاستخباراتية قد نُقلت إلى المسؤولين الأمريكيين المعنيين، وأن دمشق قد أُبلغت قبل اتخاذ قرار تنفيذ الضربة.

تداعيات

تقييم التهديدات: بين الخطاب والواقع على أرض الواقع

تثير الضربة الإسرائيلية غير المألوفة تساؤلات جوهرية تستدعي دراسة جادة: إلى أي مدى يشكل النشاط التركي في شمال سوريا تهديداً مباشراً لإسرائيل، وهل كان من المبرر المخاطرة بالاستقرار الإقليمي لإحباط هذا النشاط؟ يمثل شمال سوريا، حيث تعمل أنقرة منذ ما يقرب من عقد من الزمان، مصلحة أمنية قومية حيوية لتركيا، لا سيما في السياق الكردي، بدرجة تتجاوز بكثير أهميته الاستراتيجية لإسرائيل.

في الوقت نفسه، فإن المقارنة التي تُجرى غالباً في الخطاب الإسرائيلي بين تركيا وإيران تُشوّه الواقع الاستراتيجي. فعلى الرغم من الخطاب المتشدد لأنقرة، فإن تركيا - على عكس إيران - عضو في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وحليف رئيسي للولايات المتحدة، وتحافظ على علاقات دبلوماسية وقنوات تنسيق فعّالة مع إسرائيل.

كان الهدف من الضربة في شمال سوريا الحفاظ على حرية تحرك الجيش الإسرائيلي، لكن عواقبها الفعلية قد تكون سلاحًا ذا حدين. وقد أثارت الاتصالات الدبلوماسية الرامية إلى منع المزيد من التصعيد احتمال إنشاء آلية رسمية ومؤسسية لفض الاشتباك، وربما تكون مقيدة. ورغم أن هذه الآلية قد تساعد في حل الأزمة الراهنة، إلا أنها قد تقيد أيضًا خيارات إسرائيل، وتحد من مرونتها الجوية، وتفرض القيود العملياتية التي سعت إسرائيل في البداية إلى تجنبها.

علاوة على ذلك، فإن الاعتماد المفرط على رسم "الخطوط الحمراء" ينطوي على خطر كامن: إذ أن انتشار الخطوط الحمراء يخلق توقعاً برد عسكري تلقائي كلما تم تجاوز أحدها، مما يضيق نطاق المناورة الدبلوماسية ويسرع من ديناميكية التصعيد غير المنضبط.

المبادئ التوجيهية لتقييم الوجود التركي في سوريا

وبالنظر إلى المستقبل، يجب أن تستند مجموعة اعتبارات إسرائيل إلى تمييزات تشغيلية دقيقة:

- إعادة تأهيل البنية التحتية السورية وإقامة وجود تركيينبغي التمييز بين المساعدة التقنية والتدريب وإعادة تأهيل المرافق للدولة السورية من جهة، وإنشاء بنية تحتية تركية مستقلة للقيادة والسيطرة من جهة أخرى.

- نشر الأنظمة في شمال سوريامن الناحية العملياتية، لا يوجد فرق عملي يُذكر بين نشر أنظمة الرادار والحرب الإلكترونية والدفاع الجوي التركية في شمال سوريا ونشرها في جنوب تركيا أو شمال قبرص. فنطاق تغطيتها متقارب، وبالتالي فإن وجود هذه الأنظمة في شمال سوريا لا يُشكل في حد ذاته خطاً أحمر يُبرر استخدام القوة الإسرائيلية. وينطبق الأمر نفسه على المجال البحري: إذ يتمتع الأسطول التركي بميزة جوهرية في شرق البحر الأبيض المتوسط، ولن يُغير وجود محدود على طول الساحل السوري ميزان القوى تغييراً جذرياً.

- التحديد الجغرافي - وسط وجنوب سوريا كمنطقتين حرجتين: بينما تبرر تركيا وجودها في شمال سوريا بأنه ضروري لمنع التهديدات التي تواجه أراضيها، فإن إنشاء قواعد تركية في عمق البلاد - في وسط سوريا، وبالأخص في الجنوب - لا يمليه مثل هذه الاحتياجات الأمنية. بل من شأنه أن يزيد من حدة التوترات المحتملة بالقرب من الجبهة الإسرائيلية، ويشكل تحولاً إشكالياً في التوازن الإقليمي.

- ترسيخ وكلاء الإرهاب في جنوب سورياينبغي على إسرائيل التركيز على إحباط العناصر الإرهابية - وخاصة حماس - ومنعها من التمتع بحرية العمل أو الملاذ الآمن تحت رعاية تركية أو سورية في المنطقة الجنوبية المتاخمة لحدود إسرائيل.

في الختام، يُعدّ الوجود والنفوذ التركي في سوريا واقعًا راسخًا من غير المرجح أن يزول باستخدام القوة العسكرية وحدها. لا يكمن التحدي الذي يواجه إسرائيل في القضاء على التدخل التركي تمامًا، بل في احتوائه وموازنته. إن الاعتماد حصريًا على القوة العسكرية وضرب أهداف ذات قيمة عملياتية هامشية، دون مسار دبلوماسي موازٍ مع دمشق، يُعرّض مصالح إسرائيل الأمنية للخطر، وقد يجرّ الطرفين إلى مواجهة مباشرة لا يرغب بها أيٌّ منهما. لذا، يجب على صانعي القرار الإسرائيليين الجمع بين الردع العسكري المركّز والحوار المباشر وغير المباشر، واستخدام آليات تجنّب الصدام، وتحديد المجالات التي تُبدي إسرائيل استعدادها للسماح لسوريا بإعادة بناء قدراتها فيها، قبل أن يتدهور الوضع إلى تصعيد إقليمي خطير.

في هذا السياق، قد تُثبت المعارضة الإسرائيلية الشاملة لأي عملية لإعادة تأهيل الجيش السوري أنها تأتي بنتائج عكسية، وتدفع دمشق نحو مزيد من الاعتماد على أنقرة. علاوة على ذلك، ينبغي مراعاة السياق الإقليمي والدبلوماسي الأوسع: فدمشق تتقارب حاليًا مع السعودية والإمارات العربية المتحدة، وتكتسب شرعية متزايدة من الولايات المتحدة والدول الأوروبية. يُنظر إلى تحركات إسرائيل بشكل متزايد على أنها تسعى لزعزعة استقرار سوريا، وفي هذا السياق، تُقارن إسرائيل أحيانًا بإيران. في هذا الإطار، قد يُوجّه اهتمام أكبر إلى قضية مرتفعات الجولان، كما أثارها باراك مؤخرًا، بينما قد يشتدّ الضغط الإقليمي -وخاصة الدولي- على إسرائيل للانسحاب إلى الخطوط التي رُسمت بموجب اتفاقية فصل القوات لعام 1974، وربما حتى دون تقديم تنازلات سياسية كبيرة في المقابل.


المصدر: معهد دراسات الأمن القومي

الكاتب: Carmit Valensi and Amal Hayek




روزنامة المحور