الخميس 27 آب , 2026 03:17

من التحالفات العسكرية إلى شبكات الموانئ والطاقة: ملامح نظام إقليمي جديد

اتفاق إطار «I2U2»

تعيد شبكات النفوذ الجديدة في غرب آسيا وجنوبها رسم خريطة التحالفات الإقليمية بعيداً عن المنطق التقليدي القائم على الجغرافيا أو الاصطفافات الطائفية والعسكرية. فقد بدأ يتبلور نظام إقليمي تتشابك فيه المصالح الأمنية مع الطاقة والتكنولوجيا والموانئ وسلاسل الإمداد وكابلات الاتصالات، بحيث بات التحكم بالبنية التحتية العابرة للحدود عاملاً لا يقل مركزية عن الاتفاقيات العسكرية والسياسية في تحديد موازين النفوذ. وفي قلب هذا التحول تبرز شبكة من الشراكات تربط "إسرائيل" والهند والإمارات بدعم أميركي مباشر عبر إطار «I2U2»، بالتوازي مع مسارات أخرى تتقاطع فيها مصالح تركيا وباكستان وقطر ودول الخليج، وتمتد إلى مشاريع كالممر الاقتصادي الصيني–الباكستاني وطريق التنمية العراقي. ومع ذلك، لم تنقسم المنطقة إلى كتلتين متماسكتين، إذ لا تتبنى الدول المعنية مواقف متطابقة إزاء جميع القضايا، بل يتمثل التطور الأهم في الابتعاد عن التحالفات العسكرية الجامدة لمصلحة شبكات نفوذ اقتصادي وتكنولوجي وأمني تتمحور حول الموانئ والسكك الحديدية والطاقة والبيانات.

يمثّل إطار «I2U2»، الذي يجمع الهند وإسرائيل والإمارات والولايات المتحدة، أحد أوضح تعبيرات هذا التحول. فقد انطلق كمنصة للتعاون في الأمن الغذائي والطاقة النظيفة والتكنولوجيا والتجارة والاستثمار، وشدد قادة الدول الأربع خلال قمتهم الأولى عام 2022 على مبادرات مشتركة في المياه والطاقة والنقل والفضاء والصحة. غير أن أهمية هذا الإطار تتجاوز المشاريع المعلنة، إذ يربط بين التكنولوجيا الإسرائيلية والقدرات الصناعية الهندية ورأس المال والقدرات اللوجستية الإماراتية والثقل السياسي الأميركي، كما يصل غرب آسيا بالمحيطين الهندي والهادئ ويتيح لأطرافه بناء شراكات تتجاوز العلاقات الثنائية التقليدية. ونشأت هذه المجموعة أصلاً من الانفتاح السياسي الذي أتاحته «اتفاقيات أبراهام»، حين وفّر التطبيع الإماراتي–الإسرائيلي لواشنطن منصة لربط رأس المال والعمالة الهندية بقطاع التكنولوجيا الإسرائيلي ومراكز الخدمات اللوجستية الخليجية. ورغم اللغة الاقتصادية الظاهرة للإطار، فإن الغاية الاستراتيجية الكامنة وراءه واضحة، إذ لم يعد مفهوم الدفاع مقتصراً على الحدود والجيوش، بل بات يشمل مرونة سلاسل الإمداد والموانئ والبنية الرقمية والأمن السيبراني وحماية تدفقات الطاقة والتجارة.

وتترافق هذه المصالح الاقتصادية والأمنية مع تقاطع في الرؤى السياسية، خصوصاً في الموقف من الإسلام السياسي والجماعات المسلحة العابرة للحدود، وإن اختلفت دوافع كل دولة. فقد باتت مواجهة الإسلام السياسي جزءاً أساسياً من نظرة أبوظبي إلى أمنها الوطني والإقليمي، في حين تتعامل الهند مع هذا الملف من منظور أمني داخلي وإقليمي تشكّله إلى حد بعيد علاقتها المتوترة مع باكستان ونزاع كشمير، ما وفّر أرضية إضافية لتعاونها مع إسرائيل والإمارات في الاستخبارات والأمن السيبراني والمراقبة. من جهتها، استخدمت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، ولا سيما تلك التي ترأسها بنيامين نتنياهو، مواجهة الجماعات المسلحة والتهديدات غير المتكافئة لتظهر إسرائيل كقوة تكنولوجية وأمنية موثوقة إقليمياً. ومع ذلك، لا يمكن اختزال هذه العلاقات بالأيديولوجيا وحدها، فالهند لا تتبنى بالضرورة الموقف الإسرائيلي من إيران، كما أن السياسة الإماراتية لا تنساق ببساطة خلف مواقف نيودلهي أو واشنطن، بل تسمح المصالح المتقاطعة بدفع الشراكات العملية قدماً حتى مع وجود خلافات في ملفات أخرى.

وتحتل الهند موقعاً محورياً في هذه المعادلة بفعل ثقلها الديموغرافي والاقتصادي، إذ يجعل عدد سكانها الذي يتجاوز 1.4 مليار نسمة وقطاعاتها الصناعية والتكنولوجية المتنامية، إضافة إلى جاليتها الكبيرة في الخليج، من الصعب استبعادها من أي إعادة تنظيم لتجارة آسيا وأوروبا. ووصفت تحليلات إسرائيلية نُشرت عام 2022 نشوء تحالف هندي–إبراهيمي يربط إسرائيل والإمارات والهند عبر الأمن البحري والدفاع الصاروخي والطائرات المسيّرة وأمن البيانات ومواجهة التطرف. لكن أهمية الهند لا تنحصر في البعد العسكري، إذ يمنحها حضورها التجاري المتنامي في الخليج القدرة على إعادة توجيه جزء من التجارة الآسيوية بعيداً عن الممرات التقليدية التي تتمتع فيها باكستان وإيران بنفوذ أكبر، مع الاحتفاظ في الوقت ذاته بعلاقات طاقة ونقل مع طهران عبر ميناء تشابهار، بما يتيح لنيودلهي المشاركة في أنظمة متنافسة من دون التخلي عن استقلاليتها الاستراتيجية.

وشكّل الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، الذي أُعلن عنه خلال قمة مجموعة العشرين في نيودلهي عام 2023، محاولة لربط الهند والخليج وأوروبا عبر الموانئ والسكك الحديدية والطاقة والاتصالات، بما يشمل خطوطاً للسكك الحديدية وشبكات كهرباء وبنية تحتية للهيدروجين وكابلات بيانات عالية السرعة. ودفعت المفوضية الأوروبية عام 2025 باتجاه ممر رقمي موازٍ يربط أوروبا والهند عبر شبكة كابلات بحرية تمتد أكثر من 11 ألف كيلومتر عبر المتوسط وغرب آسيا وشرق أفريقيا. غير أن المشروع يبقى رهين التأثيرات السياسية والحروب، إذ يعتمد على ممر بري يمر بالسعودية والأردن وصولاً إلى ميناء حيفا، وقد تركت حرب غزة وغياب التطبيع السعودي–الإسرائيلي أسسه السياسية في حالة من عدم اليقين.

وفي المقابل، يشكّل الممر الاقتصادي الصيني–الباكستاني الذراع الباكستانية لمبادرة الحزام والطريق، رابطاً الصين بميناء غوادر عبر شبكة من الموانئ والمناطق الحرة والطرق. أما طريق التنمية العراقي، الذي وقّعت العراق وتركيا وقطر والإمارات مذكرة تفاهم بشأنه عام 2024، فيهدف إلى ربط ميناء الفاو الكبير بالحدود التركية عبر نحو 1200 كيلومتر من الطرق والسكك الحديدية، باستثمارات تقارب 17 مليار دولار تُنفَّذ على ثلاث مراحل تمتد حتى عام 2050. وتشارك الإمارات في هذا المشروع إلى جانب تركيا وقطر، ما يعقّد أي محاولة لتقسيم التنافس الإقليمي إلى معسكرين متقابلين بوضوح.

وتوازن كل من تركيا والسعودية بين هذه المسارات المتعددة، فأنقرة تسعى لتثبيت موقعها كجسر بري بين الخليج وأوروبا رغم عضويتها في الناتو وعلاقاتها الممتدة من روسيا إلى آسيا الوسطى، بينما تجمع الرياض بين توقيعها على «IMEC» وتعميق علاقاتها مع الصين وروسيا وباكستان، مفضّلة تحويل موقعها الجغرافي إلى ورقة تفاوض مع مراكز قوة متعددة بدل الانحياز الكامل لأي منها.

ويعيد هذا التنافس تشكيل شرق المتوسط أيضاً، إذ تحمل السواحل السورية واللبنانية إمكانية التقاطع مع مسارات مستقبلية للطاقة والنقل بين الخليج وأوروبا. فبينما يمنح تعزيز الروابط بين إسرائيل والخليج والهند وأوروبا شرق المتوسط دوراً جديداً، تواجه لبنان وسوريا خطر الانزلاق من موقع مركزي في الجغرافيا الاستراتيجية إلى هامش الشبكات الجديدة، في ظل ما تعانيه سوريا من آثار الحرب والعقوبات، وما أبدته بيروت من اهتمام حذر بالانضمام إلى مسار «IMEC» رغم تعقيداته السياسية.

وفي المحصلة، لا ترسم هذه التحولات كتلتين متعارضتين بالمعنى الكلاسيكي، بل تعكس انتقالاً من التحالفات الجامدة إلى شبكات متداخلة ومتقاطعة، حيث تتعاون أطراف كإسرائيل والهند والإمارات والولايات المتحدة في نقاط التقاء التكنولوجيا والأمن والتجارة، فيما تنشط تركيا وباكستان وقطر والسعودية والعراق في شبكات موازية تتقاطع معها مراراً. وهكذا يتجاوز التنافس المقبل حدود النفوذ السياسي التقليدي، ليشمل السيطرة على حركة التجارة والطاقة والمعلومات، بعدما انضمت الكابلات البحرية ومراكز البيانات والذكاء الاصطناعي وخطوط الهيدروجين إلى الموانئ والمضائق كأدوات أساسية للقوة في القرن الحادي والعشرين.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور