تكشف الحرب الإسرائيلية الأميركية على إيران، بعد حوالي ستة أشهر، حدود الفكرة التي تساوي بين القدرة على توجيه ضربات عسكرية قاسية والقدرة على إعادة تشكيل النظام السياسي للدولة المستهدفة. فقد تمكن الكيان وواشنطن من إلحاق أضرار واسعة بالبنية العسكرية والأمنية الإيرانية، لكنه لم يحقق النتيجة السياسية التي بُنيت عليها رهانات أساسية إذ إن عدم القدرة على ضرب النظام تحول إلى أزمة في تقدير طبيعة الردع والاستقرار الداخلي وتماسك مؤسسات الدولة الإيرانية.
وتكشف التقارير، ولا سيما ما نشرته هآرتس العبرية ولوموند، عن خلاف يتجاوز تبادل المسؤوليات. فالموساد راهن، وفق هذه الرواية، على إمكانية هندسة البيئة السياسية الإيرانية عبر الجمع بين الضربات الجوية والعمليات الخاصة وحملات التأثير، انطلاقاً من فرضية أن الضغط الخارجي سيؤدي إلى تفجير التناقضات الداخلية. في المقابل، كانت المؤسسة العسكرية أكثر حذراً تجاه تحويل القوة النارية إلى مشروع لتغيير النظام، انطلاقاً من حقيقة أن إسقاط سلطة مركزية لا يتحقق بالضربات الجوية وحدها، ما لم يوجد بديل سياسي قادر على ملء الفراغ وبيئة ميدانية تسمح بتثبيت النتيجة.
وهنا تكمن إحدى نقاط الخلل الأساسية في التقدير الإسرائيلي فقد جرى التعامل مع المؤسسات الصلبة داخل إيران، وفي مقدمتها الحرس الثوري، كما لو أنها مجرد مكونات قابلة للتفكك تحت ضغط القصف والاضطراب الشعبي. لكن تماسك هذه المؤسسات وقدرتها على إعادة توزيع وظائفها ومراكز القرار أتاحا لطهران امتصاص الضربة الأولى، والحفاظ على الاستمرارية في إدارة الدولة. وبالتالي، لم تنتج الضغوط الخارجية الانهيار المتوقع، بل أعادت ترتيب أولويات الداخل الإيراني حول مفهوم الدفاع عن الدولة في مواجهة تهديد خارجي مباشر.
ولم يكن العامل الداخلي وحده وراء تعثر الرهان الإسرائيلي فقد اصطدمت محاولات توسيع المعركة إلى المجال البري بحسابات إقليمية أكثر تعقيداً. إذ إن تحريك مجموعات كردية إيرانية من الأراضي العراقية كان يحتاج إلى غطاء سياسي وبيئة إقليمية تسمح بفتح جبهة جديدة، وهو ما اصطدم بالموقف الأميركي وبمخاوف تركيا والعراق من اتساع نطاق الحرب. وهكذا ظهر أن هندسة البيئة الإقليمية لا تخضع بالكامل لإرادة الطرف صاحب التفوق العسكري، وأن الحلفاء أنفسهم قد يتحولون إلى محددات للخيارات العملياتية عندما تتعارض الحسابات.
كما أظهرت طهران قدرة على الانتقال من امتصاص الضربة إلى المبادرة التكتيكية، مستفيدة من أدوات ضغط إقليمية واقتصادية قادرة على رفع كلفة الحرب على خصومها. ومع توزيع مراكز اتخاذ القرار وتقليل الاعتماد على مركز واحد، بدا أن الرهان على شلل الدولة بفعل استهداف قيادتها وبنيتها التحتية لم يكن كافياً لتحقيق التحول السياسي الذي تسعى إليه إسرائيل.
وتنعكس هذه النتيجة مباشرة على المستوى السياسي في تل أبيب وواشنطن حيث أن غياب تصور واضح لليوم التالي جعل الحكومة الإسرائيلية أمام معضلة الحفاظ على صورة النصر أمام جبهتها الداخلية على أبواب الانتخابات، من دون امتلاك حصيلة سياسية تبرر استمرار الحرب أو تنهيها من جهة، وفتح النقاش في واشنطن حول حدود الانخراط الأميركي في رهانات إسرائيلية ذات كلفة إقليمية مرتفعة ونتائج سياسية غير محسومة.
أما داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، فإن الإقالات في صفوف مسؤولي ملف إيران في الموساد، إلى جانب تصاعد الدعوات إلى التحقيق والمساءلة، تشير إلى أن المسألة باتت أزمة ثقة في عملية إنتاج التقدير الاستراتيجي نفسها. فالجيش يرى أن تحويل الضربة العسكرية إلى أداة لتغيير النظام كان مقامرة تفتقر إلى هدف سياسي قابل للتحقق، بينما يتمسك الموساد، في المقابل، بأن الفكرة الأساسية كانت قابلة للنجاح وأن تعثرها ارتبط بقيود التنفيذ والبيئة المحيطة.
الواقع، أن ما أصبح أكثر وضوحاً في كيان الاحتلال والولايات المتحدة أن إيران التي خرجت من الحرب ليست إيران ما قبلها، اذ انها اكتسبت خبرة إضافية في امتصاص الضربات، وأصبحت أكثر حذراً في حماية قدراتها الحساسة، فيما لم تعد ورقة التهديد بتغيير النظام تبدو أداة مضمونة في اي حسابات مستقبلية. في حين أن التفوق التكنولوجي والجوي يمكنه تغيير موازين القوة في الميدان، لكنه لا يمنح صاحبه بالضرورة القدرة على إعادة تشكيل السياسة الداخلية لدولة كبيرة ومتماسكة. وفي الشرق الأوسط تحديداً، تبقى الفجوة بين تدمير القدرات وإعادة هندسة الدول هي المسافة التي تفصل الانتصار العسكري عن النتيجة الاستراتيجية.
الكاتب: غرفة التحرير