تدخل الساحة اليمنية مرحلة جديدة تتقاطع فيها التطورات العسكرية مع صراع النفوذ داخل المعسكر المناهض لصنعاء. فبينما تتحرك السعودية لإعادة ترتيب انتشار القوى المحلية وتثبيت حضورها في المناطق الهامة جغرافياً، ترد قوات صنعاء بتوسيع دائرة الاستهداف لتشمل خطوط الإمداد ومواقع التحشيد، وصولاً إلى منشآت في العمق السعودي. في حين يتخذ الخلاف في الجنوب، بين القوى المحلية بعداً أكثر وضوحاً، مع تصاعد الاعتراض على محاولات إعادة توزيع النفوذ العسكري والسياسي.
جاءت عمليات القوات المسلحة اليمنية في الساحل الغربي ومأرب ومحيط باب المندب، في سياق مواجهة التحركات السعودية لإعادة نشر الفصائل الموالية لها. حيث يهدف استهداف التعزيزات ومواقع تجمع الجنود إلى تعطيل عملية بناء خطوط مواجهة جديدة قبل أن تستقر ميدانياً. كما أن الاشتباك قرب جزيرة زقر يوضح أن نطاق التوتر بات يمتد إلى المجال البحري والجزر القريبة من أحد أهم الممرات الاستراتيجية في المنطقة.
وتحمل الضربات التي طالت العمق السعودي دلالات بدورها فاستهداف منشآت مرتبطة بأرامكو في ينبع، بحسب ما نقلته رويترز عن مصادر أمنية يونانية، جاء في وقت تتولى فيه قوات يونانية تشغيل منظومات دفاع جوي في المملكة. اذ يعكس دخول هذه المنظومات الأجنبية إلى دائرة المواجهة اتساع المخاطر التي تفرضها الحرب، ويشير في الوقت نفسه إلى أن حماية المنشآت الحيوية والممرات البحرية باتت جزءاً أساسياً من الحسابات العسكرية للتحالف.
أمام هذا الضغط، اتجهت السعودية إلى إعادة تنظيم وجودها العسكري والأمني في اليمن. وتشير التحركات في عدد من المواقع إلى محاولة تقليل تعرض القيادات والمنشآت الحساسة للتهديد الجوي، بالتوازي مع إعادة توزيع القوات على الأرض. ويشمل ذلك مواقع ذات أهمية سياسية وعسكرية في الجنوب، الأمر الذي يكشف أن الطائرات المسيّرة أصبحت قادرة على التأثير في طريقة انتشار الخصوم وإدارة مراكز القرار وليس فقط لضرب أهداف عسكرية.
تشي التحركات الميدانية عن محاولة الرياض بناء شبكة عسكرية أكثر ارتباطاً بها ويبرز في هذا السياق الدفع بقوات درع الوطن، إلى جانب استقطاب فصائل من الإصلاح والعمل على توسيع دور ألوية العمالقة. ولا يقتصر الهدف على تعزيز الجبهات في مواجهة صنعاء، وإنما يرتبط أيضاً بإعادة رسم خريطة القوى المحلية، بحيث تصبح المواقع المؤثرة في مأرب والساحل الغربي والجنوب تحت نفوذ أطراف أقرب إلى القرار السعودي.
وتكتسب ألوية العمالقة أهمية خاصة بسبب انتشارها قرب باب المندب وقدرتها القتالية. كما أن الاهتمام الأميركي والبريطاني بهذا المسار يعكس حساسية المنطقة بالنسبة إلى أمن الملاحة. لذلك فإن إعادة ترتيب القوى في الساحل لا تنفصل عن الحسابات الدولية المتعلقة بالبحر الأحمر، ولا عن رغبة الرياض في امتلاك قوة محلية يمكن الاعتماد عليها في هذه المنطقة.
لكن هذا المسار يصطدم بحسابات القوى الجنوبية فقد عبّر المجلس الانتقالي، عبر جمعيته الوطنية، عن رفض الدفع بالقوات الجنوبية إلى معارك خارج حدود الجنوب، كما رفض محاولات استقطاب قياداته بالمال والامتيازات. ومع انتقال الخلاف من البيانات والمواقف السياسية إلى إجراءات أمنية وميدانية في عدن وحضرموت، بات الصراع يأخذ أشكالاً عدة.
ولا يمكن فصل اقتحام مقار تابعة للانتقالي وإزالة شعاراته وصور قياداته عن الصراع على النفوذ بين الرياض وأبو ظبي. فكل طرف يحتاج إلى أدوات محلية تحفظ مصالحه، وكل تغيير في انتشار القوات ينعكس على ميزان القوى بين حلفائهما اليمنيين.
لهذا تبدو الساحة اليمنية أمام مسارين متوازيين الأول عسكري، يتصل بمحاولة السعودية إعادة تشكيل خطوط المواجهة ورد صنعاء عليها بضربات أوسع. والثاني سياسي وأمني، يتمثل في الصراع على الجنوب ومواقع النفوذ فيه. ومع استمرار الطرفين في تحسين أوراقهما قبل أي تسوية، يبقى الساحل الغربي والبحر الأحمر والجنوب مناطق مرشحة لمزيد من التصعيد، خصوصاً إذا فشلت ترتيبات احتواء الخلافات داخل المعسكر المناهض لصنعاء.
الكاتب: غرفة التحرير