الجمعة 28 آب , 2026 01:24

من القوة العسكرية إلى العزلة الاقتصادية: المرحلة الثانية من حرب واشنطن على طهران

ترامب والعقوبات على إيران

يستعرض المقال أدناه من إصدار معهد الأمن القومي الإسرائيلي، وترجمة موقع الخنادق، المرحلة الجديدة التي دخلتها سياسة إدارة ترامب تجاه إيران، منطلقاً من الإعلان الذي أطلقه وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت في 24 أغسطس/آب تحت مسمى "عملية المنبوذ الاقتصادي"، ويرى الكاتب أن هذا الإعلان يأتي بعد نحو ستة أشهر من مواجهة عسكرية مباشرة ألحقت أضراراً جسيمة بطهران، دون أن تُفضي إلى تسوية شاملة، أو عودة الملاحة في مضيق هرمز إلى طبيعتها، أو حسم الملف النووي. ويوضح المقال أن واشنطن، بدلاً من مواصلة التصعيد العسكري، تتجه إلى تحويل المكاسب الميدانية المتحققة إلى رافعة ضغط اقتصادي ومالي مستدام، عبر توسيع مظلة العقوبات الثانوية لتطال دولاً وبنوكاً وشركات ثالثة تُسهم في مساعدة إيران على الالتفاف على العزلة، وفي مقدمتها الصين وتركيا.

وينبّه المقال إلى أن هذا التحول لا يعني تخلياً عن أدوات الإكراه العسكري، بل هو محاولة لدمجها مع أدوات ضغط اقتصادي أكثر نعومة وتراكمية. ويخلص المقال إلى أن الأصح هو النظر إلى هذه الخطة لا بوصفها ضربة حاسمة تُحقق نصراً اقتصادياً آنياً، بل كآلية ضغط تراكمي مرنة، تحتفظ فيها الإدارة الأمريكية بهامش واسع للمناورة في تحديد التوقيت والأهداف ودرجة الصرامة، بل وربط تطبيق العقوبات بسلوك طهران وبأولويات السياسة الأمريكية الأوسع، وهو ما يفتح الباب أمام تطبيق انتقائي وغير متكافئ للعقوبات الثانوية.

وينتقل المقال إلى مناقشة أهداف الحملة، مميّزاً بين غايات قريبة المدى واضحة نسبياً تتمثل في خفض عائدات النظام الإيراني، وتقويض قدرته على التهرّب من العقوبات، وتعقيد مساعي إعادة بناء منظومات الصواريخ والطائرات المسيّرة أو تمويل الحرس الثوري وشبكة "وكلائه الإقليمية"، إلى جانب إضعاف نفوذه في مضيق هرمز، وبين غاية أبعد يتمثل في إعادة طهران إلى طاولة التفاوض من موقع أضعف وبشروط أكثر ملاءمة لواشنطن. ويشدد الكاتب على أن هذه الغاية الأخيرة تبقى محكومة بغموض استراتيجي متعمّد، إذ لا تزال الشروط الدقيقة لإعادة الاندماج في الاقتصاد العالمي غير محددة، ولا يُعرف ما إذا كانت إعادة فتح هرمز بالكامل كافية لبدء تخفيف الضغط، ولا كيفية التعامل مع الملفين الصاروخي والنووي، ولا ما إذا كانت واشنطن ستقبل برفع تدريجي للعقوبات بدلاً من اشتراط تسوية شاملة دفعة واحدة. ويحذّر المقال من أن هذا الغموض ليس تفصيلاً هامشياً، إذ إن فعالية أي ضغط اقتصادي كأداة تفاوضية تتوقف على قناعة الطرف المستهدف بوجود مسار حقيقي لتحقيق مكاسب ملموسة مقابل تغيير سلوكه؛ فإذا استنتجت طهران أن الهدف النهائي لواشنطن هو زعزعة استقرار النظام أو إسقاطه، فقد تفقد حتى التنازلات الكبرى قيمتها في نظرها، بما يرفع حافزها نحو التصعيد بدلاً من كبحه.

النص المترجم للمقال

من القوة العسكرية إلى العزلة الاقتصادية: المرحلة الجديدة في سياسة ترامب تجاه إيران

يمثل إعلان إدارة ترامب عن "عملية المنبوذ الاقتصادي" انتقالاً إلى مرحلة جديدة في الحملة ضد إيران. فبعد نحو ستة أشهر من القتال، تكبدت خلالها طهران خسائر فادحة، لا تزال الصورة الكاملة للحملة غير مكتملة: إذ لم تعد حركة الملاحة البحرية في مضيق هرمز إلى طبيعتها، ولا تزال القضية النووية عالقة. وفي ضوء ذلك، تسعى واشنطن إلى تغيير مركز الثقل، بالاعتماد بشكل أقل على توسيع الحملة العسكرية، والتركيز أكثر على محاولة تحويل المكاسب المحققة إلى آلية مستدامة للضغط الاقتصادي والمالي. وتوسع الخطة نطاق العقوبات الثانوية، مستهدفةً دولاً ثالثة وبنوكاً وشركات تساعد إيران على تجاوز العزلة. ومع ذلك، لا تزال التفاصيل الدقيقة للتنفيذ، وهوية الأهداف المقبلة، والجدول الزمني غامضة إلى حد كبير، مما يمنح الإدارة مجالاً واسعاً للمناورة لتكثيف الضغط أو تعديله استجابةً للتطورات. ويجمع رد طهران بين رسائل الصمود، والتهديدات بتصعيد الضغط في هرمز، وجهود الحفاظ على قناة دبلوماسية. وبالتالي، فإن نجاح هذه السياسة لا يعتمد فقط على قدرة واشنطن على فرض الإجراءات ضد دول ثالثة - وعلى رأسها الصين وتركيا وغيرها - بل يعتمد أيضاً على قدرة الولايات المتحدة على منع إيران من تحويل تركيزها مجدداً إلى المجال العسكري عبر التصعيد. أما من وجهة نظر إسرائيل، فالسؤال المحوري هو ما إذا كان عداد الضغط على النظام سيتحرك بوتيرة أسرع من وتيرة إيران في إعادة بناء قدراتها، وتوطيد موقعها، واستئناف التقدم على الجبهة النووية.

بعد مرور ستة أشهر تقريباً على بدء الحرب ضد إيران، تُغيّر إدارة ترامب محور حملتها. ففي 24 أغسطس/آب، أطلق وزير الخزانة سكوت بيسنت "عملية المنبوذ الاقتصادي" ، وهي حملة تهدف إلى توسيع نطاق العزلة الاقتصادية والمالية لإيران بشكل كبير، مع التهديد بفرض عقوبات ثانوية على الكيانات في جميع أنحاء العالم التي تواصل التعامل التجاري مع طهران.

مع ذلك، ورغم الخطاب الحاد الذي أطلقته الإدارة بشأن "يوم الحسم الاقتصادي"، بما في ذلك في المؤتمر الصحفي الذي كشف فيه بيسنت عن الخطة، تشير الخطوات الأولية إلى أن الإدارة اختارت، في الوقت الراهن، نهجًا تدريجيًا. فقد وسّعت بشكل كبير قدراتها التنفيذية ووضّحت قواعد اللعبة الجديدة، لكنها لا تزال تتريث في استخدام أشد أدواتها صرامة، وفي مقدمتها التدابير التي تستهدف البنوك الصينية الكبرى.

يمثل هذا تحولاً هاماً، ولكنه ليس انتقالاً من الإكراه إلى الدبلوماسية، ولا تخلياً عن القوة العسكرية. فبعد أشهرٍ ألحقت فيها الحملة العسكرية أضراراً جسيمة بإيران دون التوصل إلى تسوية، أو استئناف النشاط الكامل في مضيق هرمز، أو حل القضية النووية، تسعى الإدارة الآن إلى استغلال المكاسب العسكرية المحققة لتعزيز تأثير الضغط الاقتصادي. وبالتالي، يتحول التركيز من توسيع نطاق الحرب إلى محاولة تحويل القوة المستخدمة حالياً إلى ضغط يُجبر طهران على إعادة حساباتها والعودة إلى المفاوضات من موقف أضعف.

ليست ضربة قاضية، بل آلية ضغط تراكمي

في المرحلة الأولى، فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على نحو 60 فرداً وكياناً وسفينة، مع توسيع نطاق الأنشطة التي قد تُعرّض جهات أجنبية لعقوبات ثانوية في خمسة قطاعات: الأصول الرقمية، والذهب، والتكنولوجيا، والطيران، والشحن. وحذّر وزير الخزانة سكوت بيسنت من أن الدول والشركات التي تواصل مساعدة إيران في بيع النفط وتحقيق الإيرادات تُخاطر بفقدان إمكانية الوصول إلى النظام المالي القائم على الدولار الأمريكي.

مع ذلك، امتنعت الإدارة حتى الآن عن اتخاذ إجراءات شاملة ضد الدول التي لا تزال تُتاجر مع إيران. وأوضح بيسنت أنه يعتزم منحها فترة سماح قصيرة لتغيير سلوكها قبل تطبيق العقوبات بكامل قوتها. وامتنع عن تحديد الأهداف التالية، أو موعد فرض العقوبات عليها.

وبالتالي، ورغم العناوين المثيرة، من الأدق النظر إلى الخطة لا باعتبارها "يوم النصر" الاقتصادي لمرة واحدة، بل كآلية إكراه تراكمي. تمنح الإدارة الأمريكية الشركات والدول فرصة وجيزة لقطع علاقاتها مع إيران، مع احتفاظها بالمرونة التشغيلية لتحديد الأهداف والتوقيت وشدة الإنفاذ، بل وحتى ربط فرض العقوبات بسلوك إيران وأهداف السياسة الأمريكية الأخرى. وهذا يعني إمكانية تطبيق العقوبات الثانوية بشكل انتقائي وغير متساوٍ.

تُفسر هذه الديناميكية أيضاً سبب ردة فعل السوق الأولية الهادئة نسبياً. بل إن أسعار النفط انخفضت قليلاً بعد الإعلان، ويعود ذلك جزئياً إلى أن الإجراءات الملموسة اعتُبرت أقل إلحاحاً مما أوحت به التصريحات السابقة للإعلان.

الأدوات واضحة؛ أما النتيجة النهائية فليست كذلك.

على المدى القريب، أهداف الحملة واضحة نسبياً: تقليل إيرادات إيران، وإضعاف قدرتها على التهرب من العقوبات، وجعل من الصعب على النظام إعادة بناء منظومات الصواريخ والطائرات بدون طيار أو تمويل الحرس الثوري الإسلامي وشبكة وكلائه، مع إضعاف نفوذه في مضيق هرمز في الوقت نفسه.

يبدو أن الهدف الأوسع هو إعادة طهران إلى طاولة المفاوضات بشروط أكثر ملاءمة للولايات المتحدة. وبينما أوضحت الإدارة طبيعة الضغط والآليات المتاحة لها، فقد أبقت على غموض استراتيجي بشأن توقيت وكيفية تطبيقها، فضلاً عن الشروط المحددة التي ستكون مستعدة بموجبها للبدء في رفعها. وقد عرضت وزيرة الخارجية بيسنت على إيران خيارين: إما عزلة شديدة أو مسار محتمل لإعادة الاندماج في الاقتصاد العالمي، لكنها لم تحدد الشروط العملية لذلك. ولا يزال من غير المؤكد ما إذا كان إعادة فتح مضيق هرمز بالكامل كافياً لبدء تخفيف الضغط، وما هي المطالب التي ستُفرض على الجبهة النووية، وكيف سيتم التعامل مع القدرات الصاروخية وشبكات الوكلاء، أو ما إذا كانت الولايات المتحدة منفتحة على رفع تدريجي للعقوبات بدلاً من المطالبة باتفاق أولي شامل يغطي جميع القضايا العالقة.

هذا الغموض ليس بالأمر الهين. فالضغط الاقتصادي لا يُعدّ أداة ضغط فعّالة في المفاوضات إلا إذا اعتقد الطرف المُضطهد بوجود سبيل حقيقي لتحقيق مكاسب ملموسة مقابل تغيير سلوكه. وإذا ما خلصت طهران إلى أن هدف واشنطن النهائي هو زعزعة استقرار النظام وإسقاطه، فقد تُعتبر حتى التنازلات الكبيرة عديمة الجدوى، مما يزيد من حافزها على التصعيد بدلاً من أن يُقلّله.

الخطر الرئيسي: قد تحاول إيران العودة إلى الحرب

تُفضّل الإدارة الأمريكية تعميق حملتها الاقتصادية جزئيًا لأن الرئيس ترامب يسعى لتجنب العودة إلى صراع عسكري أوسع. وقد أشار وزير الخزانة سكوت بيسنت قبل إعلانه إلى أن التركيز الاقتصادي قد يُقلل الحاجة إلى تجدد العمل العسكري واسع النطاق. مع ذلك، إذا استنتجت طهران أيضًا أن ترامب متردد في العودة إلى حملة عسكرية طويلة الأمد، فقد تنظر إلى ذلك ليس فقط كقيد أمريكي، بل كنقطة ضعف يُمكن استغلالها. ويُشير التقييم السائد إلى أنه مع نجاح الولايات المتحدة في تقويض قدرة إيران على فرض قواعدها البحرية وخفض إيراداتها، قد يزداد الحافز الإيراني لتنفيذ عمل يُعيد إحياء الشعور بالأزمة: كضربة قوية على ناقلة نفط، أو توسيع نطاق استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة، أو شن هجوم على القوات الأمريكية أو إحدى دول الخليج، أو تكثيف انتشار الحوثيين والميليشيات التابعة لهم.

في الوقت نفسه، يواصل الطرفان إبقاء قنوات التواصل الدبلوماسي مفتوحة. ويشير الوسطاء الذين لا يزالون على اتصال مع الأطراف إلى إحراز تقدم، وإن لم يقدموا تفاصيل محددة. وذكرت تقارير أولية في وسائل الإعلام السعودية أن رئيس الأركان الباكستاني، الذي اختتم مؤخراً زيارة وساطة إلى طهران، طالب بوقف هجمات الميليشيات الموالية لإيران (في إشارة على الأرجح إلى الحوثيين الذين يستهدفون السعودية، التي تربطها بباكستان اتفاقية دفاعية)، إلى جانب العودة إلى إطار إعلان النوايا الموقع في إسلام آباد.

الآثار المترتبة على إسرائيل

لإسرائيل مصلحة في منح السياسة الجديدة فرصة. فإذا نجحت الولايات المتحدة في تقليص إيرادات النظام، وإلحاق الضرر بشبكات التوريد وإعادة التأهيل التابعة له، وإضعاف نفوذه في مضيق هرمز دون العودة إلى حملة عسكرية واسعة النطاق، فإن هذه الخطوة قد ترسخ جزءاً كبيراً من المكاسب العسكرية التي تحققت بالفعل.

في الوقت نفسه، ينبغي أن يركز حوار إسرائيل مع واشنطن على ثلاث قضايا. أولاً، يجب ربط حملة الضغط بهدف نهائي محدد بوضوح، بما في ذلك الخطوات الإيرانية التي من شأنها أن تسمح بتخفيف الضغط تدريجياً. ثانياً، من الضروري ضمان ألا تدفع الحاجة المُلحة لإعادة فتح مضيق هرمز وخفض أسعار الطاقة بالقضية النووية ومناقشة التهديدات العسكرية الرئيسية التي تشكلها إيران إلى الهامش. ثالثاً، ينبغي لإسرائيل والإدارة الأمريكية صياغة مجموعة متدرجة من الردود على سيناريوهات التصعيد الإيراني المحتملة، حتى لا تتمكن طهران من استغلال رغبة ترامب في تجنب حرب أخرى لزرع الفتنة بين إسرائيل والولايات المتحدة.

وبالمثل، يجب على إسرائيل توخي الحذر من دفع واشنطن نحو توسيع نطاق الحرب، لا سيما في الوقت الذي تسعى فيه الإدارة الأمريكية لإثبات قدرتها على تحقيق أهدافها دون اللجوء إلى حملة عسكرية واسعة النطاق. وينبغي تقييم أي مقترح لمزيد من العمل العسكري ليس فقط من حيث حجم الضرر الذي قد يلحقه بإيران، بل أيضاً وفقاً لقدرته على تقريب الصراع من نهايته، والحد من التهديد طويل الأمد، وتقليل الحاجة إلى التزام أمريكي مطول.


المصدر: معهد دراسات الأمن القومي

الكاتب: Eldad Shavit Jesse R. Weinberg Sima Shine




روزنامة المحور