لم يعد التصعيد بين إيران والولايات المتحدة، في هذه المرحلة، مجرد سلسلة ضربات عسكرية متبادلة يُقاس أثرها بحجم الدمار أو عدد القتلى، بل تحوّل إلى معركة عقول متقدمة، يخوضها كل طرف بحسابات دقيقة تتقاطع فيها الذخيرة مع صناديق الاقتراع، والهيبة الاستراتيجية مع أسعار الوقود، والصمود الشعبي مع أوراق الضغط الإقليمية. فبعد أن راهنت واشنطن على ضربة خاطفة تُسقط الردع الإيراني وتفتح الطريق أمام تغيير النظام، اصطدمت بجدار من التلاحم الداخلي وصلابة ميدانية لم تكن في الحسبان، لتجد نفسها اليوم أمام معادلة أشد تعقيداً: كيف تُدار الحرب حين يتحول الحسم العسكري إلى عبء سياسي، وحين تصبح كل ضربة جديدة محكومة بحساب الكلفة أكثر من حساب النصر؟ في المقابل، تمضي طهران في اعتماد منطق مغاير، لا يسعى إلى الحسم بضربة واحدة، بل إلى إنهاك الخصم عبر تصعيد موزّع ومتقطع، يجعل من الزمن نفسه سلاحاً في يدها.
تنطلق الدراسة المرفقة أدناه، من مؤشرات مهمة ذات دلالات عميقة، تشير إلى أن التصعيد الإيراني - الأميركي في المنطقة قد يتطور إلى مستوى ينذر بتداعيات خطيرة؛ إذ قد يأخذ أحد مسارين رئيسيين: أولهما، اندلاع حرب شاملة تتوسع تدريجيًا لتشمل أطرافًا إقليمية ودولية ذات مصالح مباشرة في منطقة غرب آسيا؛ وثانيهما، انتقال الصراع بصورة مفاجئة إلى مستوى نووي، في حال تعذّر على الولايات المتحدة حسم المواجهة مع إيران، ولا سيما في ظل استمرار الضغوط الرامية إلى تغيير النظام السياسي في الجمهورية الإسلامية. وفي كلا السيناريوهين، تبرز الحاجة إلى إدارة دقيقة ومدروسة لمسار التصعيد، بما يحول دون انزلاقه إلى مستويات يصعب احتواؤها.
فمنذ انتصار الثورة الإسلامية في إيران، واجه نظام الجمهورية الإسلامية العديد من المحاولات الغربية لإسقاطه، إلا أنه استطاع، على مدى ما يقارب أربعة عقود، الصمود في وجه مختلف المخططات والضغوط، التي شملت الحصار الاقتصادي، والاختراق المجتمعي، والاغتيالات، وغيرها من أدوات الضغط المتعددة، والتي تقف الولايات المتحدة والكيان المؤقت في مقدمتها، إلى جانب عدد من الدول الأوروبية. إلا أن ما أعقب عملية السابع من أكتوبر فرض على مختلف أطراف الصراع في منطقة غرب آسيا إعادة النظر في أساليب عملها وحساباتها، ودفع الولايات المتحدة إلى تكثيف انخراطها في المنطقة، في ظل تنامي التهديدات التي استهدفت مصالحها، ولا سيما تلك المرتبطة بالكيان المؤقت. ومع اتساع نطاق الصراع وتعدد ساحاته، وجدت واشنطن نفسها أمام مسار متزايد نحو الانخراط المباشر فيه، بعد أن ظل مستوى هذا الانخراط موضع تجاذب وضغوط طوال السنوات الثلاث التي أعقبت عملية السابع من أكتوبر؛ إذ مارست حكومة الكيان المؤقت واللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة ضغوطًا متواصلة لدفع واشنطن نحو مزيد من التدخل، بالتزامن مع وصول دونالد ترامب إلى سدة الرئاسة وما رافقه من تحولات في توجهات السياسة الخارجية الأمريكية. وقد انعكست هذه العوامل على عملية إدارة التصعيد من جانب الولايات المتحدة الأمريكية في مختلف الملفات، ولا سيما في الملف الإيراني، الأمر الذي فرض بدوره على إيران تكييف مقاربتها لإدارة التصعيد بما يتلاءم مع التحولات المتسارعة في بيئة الصراع. ومن هنا، تسعى الدراسة إلى تحديد مجمل العوامل المؤثرة في عملية إدارة التصعيد لدى الطرفين، وتحليل كيفية انعكاسها على مسارات التصعيد وضبطه، وهو ما ستناقشه الدراسة تباعًا.
ومن هنا تبرز أهمية إدارة التصعيد بالنسبة إلى مختلف الأطراف، بما يتناسب مع الأهداف التي يسعى كل طرف إلى تحقيقها. فبالنسبة إلى الجمهورية الإسلامية، لا يتمثل الهدف في التصعيد بحد ذاته، وإنما في توظيف مختلف الأوراق والمتغيرات، بما في ذلك التصعيد نفسه عند وقوعه، بما يخدم تحقيق أهدافها. ويمكن تحديد هذه الأهداف في ضوء البنود التي وافقت عليها إيران والواردة في مذكرة التفاهم المؤلفة من أربعة عشر بندًا. بيد أن الإدارة الأمريكية برئاسة ترامب تعاملت مع التصعيد ضد إيران بوصفه أداةً لتحقيق الهدف الأقصى المتمثل في إسقاط النظام الإيراني، عبر تكثيف العمليات العسكرية، واستهداف القيادات، وتشديد الضغوط على إيران بما يفاقم الضغوط الداخلية عليها. وبلغ هذا المسار ذروته خلال الحرب التي امتدت أربعين يومًا. غير أن مآلات الحرب دفعت الإدارة الأمريكية في نهاية المطاف إلى القبول بالمضي في مذكرة التفاهم المؤلفة من أربعة عشر بندًا، في ظل عدم تمكن الخيار العسكري من تحقيق الأهداف المعلنة بصورة كاملة.
ومنذ انتهاء الحرب الواسعة وحتى اليوم، تشهد العلاقة بين إيران والولايات المتحدة سلسلةً من العمليات العسكرية المتبادلة، يعود مرجعها الرئيسي إلى خرق إدارة ترامب لبنود مذكرة التفاهم، وهو ما شكّل العامل الأبرز في تجدد التصعيد واتخاذه شكل ضربات متبادلة. وتمثّل هذه المرحلة مستوىً بالغ الدقة والتعقيد من إدارة الصراع؛ فالتصعيد ليس مجرد فعل ورد عليه بصورته العامة، إنما هي معركة عقول متقدمة تحتاج إلى اختيار الأهداف المناسبة مع مراعاة الضوابط وإدارة التوقعات والعمليات وقراءة لأفق التصعيد القائم، وهي نقاط سيجري البحث في كل واحدة منها على حدة.
يشهد الصراع اليوم بين إيران والولايات المتحدة تعقيدات كبيرة، إذ ينطوي على إمكانية التوسع الجغرافي كما جرى في الـ 27 من شباط الماضي، بما يشمل دخول محور المقاومة من جهة والكيان المؤقت والدول الوكيلة من جهة أخرى، وقد يشمل أيضًا تصاعدًا في وتيرة الأحداث والأسلحة المستخدمة، ما قد ينطوي على مخاطر عالمية كبيرة تعيد إلى الأذهان فورًا احتمال اندلاع حرب عالمية ثالثة، تشترك فيها جميع الدول المتضررة والمتفاعلة مع الصراع. ويزيد هذا التوسع من احتمالات انتقال الصراع إلى مستوى الحرب النووية، في ظل مواجهة الولايات المتحدة اليوم هزيمةً نوعيةً مغايرةً لحالات الفشل التي واجهتها على مدى عقود، من فيتنام إلى أفغانستان والعراق.
لذا، لا بدّ أن تتناول هذه الدراسة، في هذا التوقيت، كيفية إدارة التصعيد من قبل الجمهورية الإسلامية الإيرانية والولايات المتحدة الأمريكية، وبحث آليات الضبط والعمل. وهو موضوع قلّما طُرح في سياق الصراعات والحروب، نظرًا إلى تعقيداتها وطول أمدها. وعليه، تستند الدراسة إلى المرحلة الممتدة منذ إعلان مذكرة التفاهم حتى اليوم، وتسعى إلى الإجابة عن الإشكالية التالية: كيف تدير كلٌّ من إيران والولايات المتحدة التصعيد في الصراع بينهما، وما العوامل التي تحدّد مستوياته وأهدافه وحدوده، وكيف يؤثر سلوك كل طرف في قرارات الطرف الآخر؟
لتحميل الدراسة من هنا
الكاتب: محمد حمدان