الجمعة 28 آب , 2026 03:20

مصر تعيد رسم خريطة أمنها الإقليمي

زيارة رئيس المخابرات المصرية إلى العراق

ليست زيارة رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية، اللواء حسن رشاد، إلى بغداد مجرد حلقة جديدة في العلاقات المصرية–العراقية، ولا مجرد مهمة لمبعوث رئاسي حمل رسالة من الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي.

فعندما تختار القاهرة رئيس جهاز استخباراتها ليكون مبعوثها إلى العراق، وفي لحظة إقليمية تختلط فيها تداعيات الحرب والتصعيد مع إيران بالتنافس على النفوذ في المشرق والخليج، فإن الرسالة الأهم لا تكون في ما قيل علناً، بل في مستوى القناة التي اختارت مصر أن تتحرك عبرها.

البيان الرسمي تحدث عن «القضايا والملفات ذات الاهتمام المشترك»، وعن «تنسيق المواقف وتبادل المعلومات والخبرات». لكن اللغة الدبلوماسية هنا تخفي سؤالاً أكبر: لماذا العراق الآن؟ ولماذا رئيس المخابرات تحديداً؟

الإجابة تبدأ من خارج بغداد.

خلال السنوات الأخيرة، تطور مفهوم الأمن القومي المصري من الدفاع عن الحدود المباشرة إلى التعامل مع محيط إقليمي متشابك، باتت أزماته قادرة على الانتقال من دولة إلى أخرى ومن ساحة إلى أخرى. ليبيا تمثل الخاصرة الغربية، والسودان والبحر الأحمر يمثلان العمق الجنوبي، وغزة تمثل البوابة الشرقية المباشرة، أما سوريا ولبنان فيمثلان امتداد المشرق، وصولاً إلى العراق عند البوابة الشرقية الأوسع للعالم العربي.

وبين هذه الساحات تتحرك ملفات الإرهاب والحدود والطاقة والممرات البحرية والجماعات المسلحة والتنافس الإيراني–الإسرائيلي والوجود الأميركي والطموحات الإقليمية المتنافسة. ولهذا لا تبدو بغداد في الحساب المصري مجرد عاصمة عربية أخرى، بل إحدى النقاط التي تتقاطع عندها معظم خطوط الأمن الإقليمي.

ومن هنا تبدأ أهمية زيارة اللواءحسن رشاد.

العراق يقع في أكثر النقاط حساسية في معادلة الشرق الأوسط. فهو جار لإيران وتركيا، ومطل على الخليج، ومرتبط بسوريا وبلاد الشام، وله علاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه يمثل ركناً أساسياً في النظام العربي. وأي تغير في موازين القوى الإقليمية ينعكس عليه مباشرة.

الحرب والتصعيد مع إيران يزيدان من حساسية موقع العراق، لكن أهمية بغداد لا ترتبط بنتيجة الحرب وحدها. إيران باقية كفاعل إقليمي، والولايات المتحدة باقية كقوة مؤثرة، وإسرائيل تعيد تعريف حساباتها الأمنية، وتركيا تراقب حدودها ومصالحها، فيما تسعى الدول العربية إلى منع تحويل المنطقة إلى ساحات نفوذ متنافسة.

لذلك تتحرك مصر في لحظة إعادة ترتيب مستمرة لموازين القوى، لا في مرحلة «ما بعد إيران». وهذا فارق جوهري. فالقاهرة لا تتعامل مع إيران كقوة انتهى دورها، بل كطرف أساسي في معادلة يجب فهم اتجاهاتها، واحتواء تداعيات صراعها مع خصومها، ومنع انعكاساتها على الدول العربية.

اختيار اللواء حسن رشاد ليس تفصيلاً بروتوكولياً. فالملفات التي تحتاجها القاهرة في العراق لا تتعلق فقط بالتجارة والعلاقات السياسية، بل تشمل أمن الحدود، والإرهاب، والجماعات المسلحة، وشبكات النفوذ، والتطورات الأمنية، وتداعيات الصراع الإقليمي، ومستقبل الترتيبات الأمنية في المنطقة.

وعندما تتحدث البيانات عن «تبادل المعلومات والخبرات»، فإن العبارة تكتسب وزناً مختلفاً حين يكون المبعوث هو رئيس جهاز المخابرات العامة. والمقصود هنا ليس افتراض وجود ملفات سرية بعينها من دون دليل، وإنما إدراك أن طبيعة القناة نفسها تكشف طبيعة الأولويات.

القاهرة تريد أن تعرف، وبغداد تريد أن تعرف، والأهم أن يعرف الطرفان ما الذي يراه الآخر قادماً. ففي منطقة تتحرك فيها الأحداث بسرعة تفوق قدرة المؤسسات السياسية التقليدية على الاستجابة، تصبح المعلومة الأمنية جزءاً من صناعة القرار، وليست مجرد أداة لجمع المعلومات.

وهنا يتضح مسار الدور المصري في المنطقة خلال السنوات الأخيرة: احتواء الأزمات قبل أن تتحول إلى تهديدات عابرة للحدود. في ليبيا، ارتبط التحرك المصري بمنع انهيار الدولة وتحول الأراضي الليبية إلى ساحة مفتوحة للصراع الإقليمي. وفي السودان، يرتبط الأمن المصري مباشرة باستقرار الدولة السودانية والحدود والبحر الأحمر. وفي غزة، أصبحت القاهرة إحدى القنوات الأساسية للوساطة والتهدئة. أما سوريا ولبنان، فلا تستطيع مصر تجاهل تداعيات الصراع فيهما، أو مستقبل الدولة، أو الجماعات المسلحة، أو إعادة توزيع النفوذ الإقليمي.

والعراق يجمع هذه الاعتبارات في نقطة واحدة.

فاستقرار العراق يعني بالنسبة إلى القاهرة أن تبقى الدولة العراقية قادرة على إدارة علاقاتها الإقليمية، وألا تتحول أراضيها إلى منصة لتصفية الحسابات، وألا يؤدي التنافس بين القوى الخارجية إلى إضعاف مؤسسات الدولة.

وهنا يتضح معنى الاستقرار العربي في المقاربة المصرية. ليس المقصود إنشاء محور جديد بقدر ما هو منع الدول العربية من التحول إلى ساحات تتصارع فيها القوى الخارجية.

لم تدخل القاهرة الحرب على إيران، لكنها لا تستطيع الوقوف خارج تداعياتها. أمن الخليج يمس الأمن المصري، والبحر الأحمر يمس قناة السويس، وأي اضطراب طويل في حركة الملاحة يضغط على الاقتصاد المصري. أما اتساع الصراع إلى العراق أو سوريا أو لبنان، فيعني فتح جبهات جديدة في منطقة تعاني أصلاً من هشاشة سياسية وأمنية.

لكن الحساب المصري أعمق من الاقتصاد.

القاهرة لا تريد أن يتحول الصراع الإيراني–الأميركي أو الإيراني–الإسرائيلي إلى قاعدة دائمة لإدارة المنطقة، ولا تريد أن تصبح الدول العربية مجرد ساحات لتبادل الرسائل العسكرية. لذلك تتحرك سياسياً وأمنياً في اتجاه خفض التصعيد، وفتح قنوات الاتصال، وحماية مصالح الدول العربية التي قد تدفع كلفة صراع ليست طرفاً أصلياً فيه.

هذه ليست وساطة من أجل النفوذ بقدر ما هي وساطة من أجل حماية المجال الحيوي المصري والعربي. فالقاهرة لا تحتاج إلى أن تكون صاحبة القرار في الحرب؛ يكفيها أن تمنع تداعياتها من التحول إلى تهديد استراتيجي جديد.

وهنا تظهر حساسية بغداد بصورة أوضح.

العراق ليس ساحة يمكن اختزالها في ثنائية إيران والولايات المتحدة. إنه دولة لها مصالحها وحساباتها وهويتها العربية، وفيها قوى سياسية وأمنية متعددة، وترتبط في الوقت نفسه بعلاقات تاريخية واستراتيجية مع إيران، وبعلاقات مع واشنطن، وبمحيطها الخليجي والعربي.

وهذا التعقيد يجعل بغداد إحدى أهم ساحات اختبار قدرة الدولة العربية على حماية قرارها الوطني وسط صراع القوى الكبرى والإقليمية.

لكن العراق لا يمكن قراءته منفصلاً عن دمشق وبيروت. فالعراق وسوريا ولبنان يشكلون سلسلة أمنية وسياسية مترابطة. الحدود العراقية–السورية ليست مجرد خط جغرافي، بل مساحة تتقاطع فيها حركة الأشخاص والسلاح والنفوذ. وما يحدث في العراق يمكن أن يؤثر في سوريا، وما يحدث في سوريا ينعكس على لبنان، وما يحدث في لبنان يرتبط بالتوازن بين إسرائيل وإيران وبأمن شرق المتوسط ومستقبل الدولة اللبنانية.

لهذا فإن أي مقاربة مصرية للمشرق تحتاج إلى قراءة هذه الساحات ضمن منظومة واحدة. ليس لأن القاهرة تريد التدخل في كل ملف، بل لأنها تريد ألا تُفاجأ بنتائج أي ملف.

مصر لا تبحث عن كل الساحات؛ إنها تبحث عن منع تحول الساحات إلى أحزمة أزمات حول الأمن العربي.

ومن هذه الزاوية، تصبح دعوة رئيس الوزراء العراقي إلى القاهرة أكثر من تفصيل بروتوكولي. فالزيارة بدأت من قناة أمنية، لكنها تفتح الباب أمام انتقال العلاقة إلى مستوى سياسي واقتصادي أوسع. ويمكن أن يتحول المسار من تبادل المعلومات إلى تنسيق أمني، ومنه إلى تنسيق سياسي، ثم إلى تفاهمات استراتيجية ومشاريع اقتصادية.

فالطاقة والكهرباء والربط والنقل وإعادة الإعمار والاستثمار والتعاون العسكري ليست ملفات منفصلة في الحساب الاستراتيجي؛ إنها أدوات لبناء علاقة مصالح تجعل التقارب المصري–العراقي أكثر رسوخاً من تغير الحكومات والأزمات.

لكن القراءة الجادة لا تعني تضخيم الدور المصري. مصر تملك ثقلاً سياسياً وعسكرياً واستخباراتياً ودبلوماسياً كبيراً، لكنها لا تستطيع وحدها إعادة صياغة الشرق الأوسط. ولا تملك أدوات النفوذ الإيراني التقليدية، ولا الموارد الخليجية، ولا القوة العسكرية الأميركية، ولا القدرة الإسرائيلية على فرض وقائع أمنية مباشرة.

لذلك فإن الرهان المصري مختلف. إنه يقوم على الوساطة، وبناء شبكات الاتصال، وتقوية الدولة الوطنية، وربط المصالح العربية، ومنع الأزمات من التحول إلى انهيارات إقليمية.

وهذه قوة مختلفة، لكنها قد تصبح أكثر أهمية كلما اتسعت مساحة الصراع وضاقت مساحة التسوية.

وإذا وضعنا زيارة رشاد في سياقها الأوسع، فإنها تبدو جزءاً من مسار مصري متدرج يمتد من ليبيا إلى السودان، ومن البحر الأحمر إلى غزة، ومن سوريا ولبنان إلى العراق. ليست هذه الملفات بالنسبة إلى القاهرة جزرًا منفصلة، بل نقاطاً على خريطة أمن واحدة، تتغير فيها المخاطر وتتبدل فيها موازين النفوذ.

وهنا تحديداً تكمن دلالة بغداد.

فمصر لا تتحرك نحو العراق لأن العراق يمثل ملفاً ثنائياً مهماً فقط، بل لأن موقعه يجعله أحد المفاتيح التي يمكن عبرها قراءة اتجاه المنطقة كلها. فإذا استقر العراق، امتلكت الدولة العربية مساحة أكبر للمناورة. وإذا تحول إلى ساحة صراع، فإن تداعيات ذلك لن تتوقف عند حدوده.

لذلك لا يعود السؤال الحقيقي: هل تريد مصر أن تقود المنطقة؟

السؤال الأدق هو: هل تستطيع مصر أن تكون إحدى القوى العربية التي تمنع إعادة تشكيل المنطقة من دون حضور عربي؟

هذا هو الاختبار.

فالشرق الأوسط يعيش إعادة ترتيب مفتوحة. إيران جزء أساسي من هذه المعادلة، والولايات المتحدة وإسرائيل وتركيا ودول الخليج والعواصم العربية الأخرى تتحرك وفق حساباتها. وفي مثل هذه البيئة، لا يكفي أن تكون القاهرة حاضرة عندما تنفجر الأزمات؛ المطلوب أن تكون حاضرة في مرحلة تشكلها، وأن تمتلك قنوات تسمح لها بالتأثير في مساراتها قبل أن تتحول الوقائع إلى أمر واقع.

ومن هنا تتجاوز زيارة رئيس المخابرات المصرية إلى بغداد حدود العلاقة الثنائية. إنها تعكس انتقال القاهرة من إدارة الملفات منفردة إلى بناء شبكة اتصال أمنية وسياسية تمتد عبر ساحتها الإقليمية.

ليبيا ليست منفصلة عن السودان، والسودان ليس منفصلاً عن البحر الأحمر، وغزة ليست منفصلة عن سوريا ولبنان، وسوريا ولبنان ليسا منفصلين عن العراق، والعراق ليس منفصلاً عن الصراع المفتوح حول إيران.

هذه ليست خريطة أزمات فقط.

إنها خريطة المصالح والمخاطر المصرية.

ولهذا تبدو القاهرة وكأنها تعيد تعريف أمنها الإقليمي على أساس جديد: كلما اتسعت دائرة الاضطراب حول مصر، اتسعت معها دائرة الحركة المصرية.

من هنا تصبح بغداد أكثر من محطة.

إنها اختبار لقدرة مصر على تحويل ثقلها السياسي والأمني إلى شبكة نفوذ هادئ، لا تقوم على فرض الإرادة، بل على الحضور، والمعلومة، والوساطة، والشراكة، وربط الدول العربية بمصالح مشتركة.

وفي النهاية، لا تخوض القاهرة معركة على عاصمة واحدة، ولا على ملف واحد. إنها تواجه سؤالاً استراتيجياً أوسع: كيف تحمي مجالها الحيوي في شرق أوسط تتغير موازين قوته من دون أن تتحول هي نفسها إلى طرف في كل صراع؟

الجواب المصري يبدو حتى الآن واضحاً: الاقتراب من الأزمات، من دون الغرق فيها؛ بناء القنوات، من دون إعلان المحاور؛ ودعم الدولة الوطنية، من دون محاولة احتكار قرارها.

ولهذا فإن زيارة حسن رشاد إلى بغداد قد تكون واحدة من أكثر الإشارات دلالة على اتجاه السياسة المصرية في المرحلة المقبلة.

فالقاهرة لا تريد أن ترسم خريطة الشرق الأوسط نيابة عن الآخرين.

لكنها، هذه المرة، تبدو مصممة على ألا تسمح للآخرين بأن يرسموا خريطة أمنها الإقليمي وحدهم.

هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة رأي الموقع.


الكاتب: خليل القاضي




روزنامة المحور