الجمعة 28 آب , 2026 03:26

استراتيجية "خلق أمر واقع": كيف يحوّل الكيان الصهيوني الأزمات إلى أدوات نفوذ؟

جنود إسرائيليون

يقوم النهج الاستراتيجي الذي دأب الكيان الصهيوني على انتهاجه في تعامله مع ملفات المنطقة على منطق مغاير لما يوحي به ظاهر الأحداث. فما يبدو، للوهلة الأولى، ردود فعل آنية ومرحلية تجاه تهديدات طارئة، يكشف عند التدقيق عن نمط عمل محسوب بدقة، تُصمَّم فيه كل خطوة عسكرية أو أمنية أو سياسية بحيث تخدم هدفاً مزدوجاً: خلق واقع ميداني يصعب التراجع عنه، والهيمنة على مسار تصعيد الأزمة بما يضمن تحقيق مكاسب في أي سيناريو ينتج عن الفعل الأول. هذا النمط، الذي يمكن تسميته "استراتيجية خلق أمر واقع"، لا يسعى إلى نصر حاسم في نقطة واحدة، بل إلى تعدد مخرجات النتيجة، بحيث يضمن تحقيق جزء من الهدف مهما كان اتجاه رد الفعل المقابل.

تقوم هذه الاستراتيجية على ثلاثة مكونات متشابكة. الأول هو خلق واقع ميداني فعلي، حيث يعمد الكيان الصهيوني إلى فرض تغييرات على الأرض قبل انتظار أي توافق دبلوماسي، تاركاً الأطراف الأخرى أمام واقع مفروض عليها التعامل معه لاحقاً. ويتجلى ذلك بوضوح في توسيع الاستيطان بالضفة الغربية، وتغيير التركيبة السكانية في القدس الشرقية، وضم الجولان أحادياً عام 1981، وصولاً إلى الهجمات الاستباقية على المنشآت النووية في العراق وسوريا وإيران. أما المكون الثاني فهو الهيمنة على مسار التصعيد، أي رفع منسوب الأزمة إلى درجة تدفع الطرف المقابل إما إلى التراجع، أو إلى الرد بما يمنح "إسرائيل" ذريعة لضربة تالية، وهو ما ظهر جلياً في الحروب المتكررة على غزة. والمكون الثالث، والأكثر دقة، هو تصميم الفعل بحيث يضمن مكسباً في كل سيناريو محتمل: فإن لم يُردّ عليه تتعزز صورة الردع، وإن جاء الرد محدوداً تُستخدم لتبرير ضربة إضافية، وإن جاء قوياً يُستدعى الدعم الأمريكي والغربي، وإن بدأت مفاوضات يصبح الواقع المفروض ميدانياً نقطة انطلاق لها. هذا التعدد في المخرجات يحول إسرائيل إلى ما يمكن وصفه بـ"اللاعب غير الخطي"، القادر على توظيف حتى ردود الفعل غير المرغوبة كورقة ضغط لخطوته التالية.

غير أن هذا الطابع "الاحترافي" الظاهر لا يعني أن الاستراتيجية خالية من الثغرات؛ بل إن أخطر نقاط ضعفها تكمن في صلب بنيتها ذاتها. أول هذه الثغرات وأكثرها حسماً هو الاعتماد البنيوي على الولايات المتحدة. فمهما بدت الاستراتيجية مستقلة ومتعددة المخرجات، يبقى نجاحها مشروطاً عملياً بضوء أخضر أمريكي، أو على الأقل بصمت استراتيجي من واشنطن. والتجربة التاريخية تؤكد ذلك: ففي المرات التي عارضت فيها الولايات المتحدة تحركاً إسرائيلياً، كما حدث في مسألة استهداف إيران عام 2012، اضطرت إسرائيل إلى التراجع أو تعديل مسارها. وتكرر المشهد ذاته في الحرب الأخيرة بين فبراير ومايو 2026، حين أجبرت واشنطن تل أبيب، رغم كل الدعم العسكري الذي قدمته لها، على القبول بوقف إطلاق النار والتفاهم بدلاً من مواصلة التصعيد. هذا الاعتماد يمثل نقطة نفوذ حقيقية يمكن لإيران ومحور المقاومة استثمارها، عبر دبلوماسية ضغط معاكسة، واستهداف مصالح أمريكية إقليمية بما يرفع كلفة الدعم الأمريكي لإسرائيل إلى الحد الذي يدفع واشنطن نفسها لكبح تحركاتها.

الثغرة الثانية هي التمدد الاستراتيجي المفرط، فحين تراكم إسرائيل نجاحات تكتيكية تميل إلى الاعتقاد بقدرتها على خلق واقع في جبهات متعددة في آن واحد؛ لبنان وغزة وسوريا وإيران والضفة الغربية معاً. لكن هذا الطموح يستنزف مواردها العسكرية والمالية والدبلوماسية المحدودة أصلاً مقارنة بحجمها السكاني والاقتصادي. وقد أظهرت الحرب الأخيرة على إيران أن حتى قوة عظمى كالولايات المتحدة تصطدم بحدود مواردها أمام صمود استراتيجي حقيقي، فكيف بإسرائيل التي عاشت تجربة مشابهة في حرب لبنان 2006، حين خرجت رغم تفوقها العسكري الواضح بما اعتُبر على نطاق واسع هزيمة استراتيجية.

أما الثغرة الثالثة فتتمثل في أن خلق الواقع كثيراً ما يولّد نقيضه: خلق واقع مضاد وتوحيد جبهة الخصوم. فالهجمات التي استهدفت إضعاف البنية التحتية للمقاومة في غزة ولبنان أنتجت، على العكس، تماسكاً أكبر بين فصائل المقاومة وتنسيقاً استخبارياً وعسكرياً متزايداً بينها من لبنان إلى اليمن، كما وضعت دولاً عربية كانت تتجه نحو التطبيع في موقف دفاعي أمام ضغط رأيها العام. وبذلك يتحول التصعيد، بدل أن يخفض التهديد، إلى مولّد لتهديدات جديدة، فيما تستنزف إسرائيل شرعيتها الدولية بيدها.

الثغرة الرابعة والأخيرة ترتبط بمعضلة الأمن الإقليمي الكلاسيكية: أي تعزيز للقدرة العسكرية لدى طرف يدفع الطرف الآخر إلى تطوير قدراته المقابلة. وهذا بالضبط ما فعلته إيران ومحور المقاومة، إذ راكمتا قدرات صاروخية ومسيّرة وسيبرانية شكّلت رادعاً غير متكافئ، رفع كلفة أي عمل هجومي إسرائيلي ووضع الاستراتيجية بأكملها أمام عوائد متناقصة، وهو ما تجلى بوضوح حين عجزت إسرائيل والولايات المتحدة معاً، رغم تفوق عسكري غير مسبوق، عن تحقيق هدف تدمير البرنامج النووي والصاروخي الإيراني في حرب رمضان.

بناءً على هذه المعطيات، يبدو السيناريو الأكثر ترجيحاً للمرحلة المقبلة هو استمرار الاستراتيجية مع تعديلات تكتيكية، بحيث تخفض إسرائيل حدة هجماتها العسكرية المباشرة مقابل تكثيف العمليات السيبرانية والاستخبارية والاغتيالات المستهدفة، سعياً إلى إعادة بناء شرعيتها الدولية عبر ما يمكن تسميته الهندسة العكسية للأزمة، مع استمرار الاستيطان كواقع ميداني تدريجي. غير أن هذا لا يلغي احتمال سيناريو ثانٍ أكثر جذرية، هو دخول إسرائيل في أزمة استراتيجية حقيقية نتيجة تراكم الانتقادات الداخلية وتراجع الدعم الأمريكي وتصاعد تنسيق محور المقاومة، بما قد يعيد تشكيل موازين القوى الإقليمية. أما سيناريو التباعد الاستراتيجي الكامل بين واشنطن وتل أبيب فيظل الأقل احتمالاً، نظراً لعمق المصالح المشتركة ونفوذ اللوبي الإسرائيلي في واشنطن.

الخلاصة أن "استراتيجية خلق أمر واقع"، رغم نجاحها التكتيكي القصير المدى في انتزاع مكاسب ميدانية، محكومة على المدى الطويل بعوائد متناقصة واستنزاف تدريجي، بحكم اعتمادها البنيوي على الولايات المتحدة، وقيودها الديموغرافية والاقتصادية، وصمود محور المقاومة المتراكم. وهذا يفتح أمام الجمهورية الإسلامية الإيرانية فرصة استراتيجية حقيقية: أن تحوّل، عبر إدارة ذكية ومدركة لنقاط ضعف الخصم، هذه الاستراتيجية ذاتها إلى فخ ينقلب على صاحبه، وأن تعيد صياغة معادلات المنطقة بما يخدم مصالحها ومصالح حلفائها.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور