راكمت إيران على مدى 47 عامًا من العقوبات خبرة وبنية اقتصادية بديلة مكّنتها من تجاوز جزء كبير من منظومة الضغط الأمريكية.
وتعتمد طهران على طرق برية وبحر قزوين وميناء تشابهار وشبكات التجارة غير الرسمية، بالتعاون خصوصًا مع روسيا والصين، لتقليل اعتمادها على الممرات الخاضعة للضغط الأمريكي. بحسب مقال نشره موقع workers وترجمه موقع الخنادق الإلكتروني.
ويخلص المقال إلى أن مواجهة الحصار ستكون اختبارًا للإرادة والقدرة على تحمل الكلفة، معتبرًا أن إيران تنظر إليها كمسألة بقاء وسيادة، بينما تراها واشنطن خيارًا استراتيجيًا.
النص المترجم
كيف ستصمد إيران أمام الجولة الأخيرة من العقوبات التي يصفها الرئيس دونالد ترامب بأنها "قاسية"، والتي يُتوقع أن تكون أشد عملية خنق اقتصادي تُفرض على الإطلاق؟
طورت إيران أسلحة متطورة للغاية وعالية التقنية وغير متماثلة ومنخفضة التكلفة ومخفية جيدًا، للدفاع عن بلادها في مواجهة القصف الأمريكي-الإسرائيلي. وحتى وسائل الإعلام الأمريكية الكبرى باتت تقر الآن بأن العدد الهائل من القواعد الأمريكية المنتشرة في غرب آسيا والخليج الفارسي بات عرضة للخطر وغير قابل للاستدامة.
ولم تصمم إيران جيشها فحسب، بل صممت اقتصادها بأكمله على مدى أكثر من 47 عامًا، ليكون قادرًا على الصمود في وجه العقوبات الأمريكية. وتهدف العقوبات الأمريكية إلى خنق البلاد اقتصاديًا، وحرمانها من التطور والتحديث التقني، وإحداث انتفاضات داخل السكان عبر النقص المزمن في الاحتياجات الأساسية.
تقترب إيران من إتمام 200 يوم من هذه المرحلة من الحرب التي تقودها الولايات المتحدة، ومن جولات العقوبات الجديدة القاسية والحصار والهجمات الموجهة ضد البنية التحتية المدنية. لكن في الواقع، صمدت إيران لمدة 47 عامًا، أي أكثر من 17 ألف يوم، في مواجهة العقوبات والجهود المتعمدة للإطاحة بالجمهورية الإسلامية. وقد جمدت الولايات المتحدة، عبر العقوبات، أصولًا إيرانية بقيمة 120 مليار دولار.
ولم تكتفِ إيران بالبقاء، بل تمكنت من بناء مجتمع صناعي حديث يتمتع بسكان أصحاء وذوي مستوى تعليمي مرتفع. وتحتل إيران موقعًا متقدمًا عالميًا من حيث عدد خريجي العلوم والتقنيات والهندسة. وأكثر من نصف هؤلاء الخريجين من النساء. (لوس أنجلوس تايمز، 3 يونيو/حزيران 2026)
لإيران طرق تجارية بديلة تمر عبر الدول الواقعة على حدودها، ومن خلال موانئها على بحر عُمان، وكذلك إلى روسيا عبر بحر قزوين.
وللبقاء اقتصاديًا، لجأت إيران إلى العديد من الطرق البديلة، إذ تنقل البضائع بالشاحنات من باكستان وتركيا المجاورتين، كما تشحن البضائع من روسيا، حليفتها، عبر بحر قزوين، في حين تنقل النفط بالسكك الحديدية السريعة إلى الصين، شريكتها التجارية الرئيسية.
واعتمدت إيران لعقود على شبكات تبادل لامركزية، واتفاقيات المقايضة، وما يُعرف بـ"الحوالة" — وهي نظام غير رسمي قائم على الثقة لتحويل الأموال أو ما يعادلها، يعود إلى القرن التاسع — إضافة إلى العملات المشفرة الحديثة، للحفاظ على التجارة عبر الحدود.
وقد وفرت هذه الأنظمة البديلة للاقتصاد الإيراني مجموعة واسعة من السلع الاستهلاكية والغذاء والأدوية الأساسية والمواد الصناعية. ورغم أن هذه الأساليب قد تبدو مكلفة ومعقدة، فإنها تعمل خارج مقاييس وقيود الاقتصاد العالمي الذي يهيمن عليه الدولار الأمريكي.
وتواصل هذه التبادلات غير الرسمية العمل حتى عندما تخضع الدول والمؤسسات المصرفية رسميًا للعقوبات الأمريكية. إذ يضع آلاف التجار وأصحاب الأعمال الصغار عبر الحدود قواعدهم الخاصة.
تهديدات ترامب الجديدة ورد إيران
في منشور له على منصة "تروث سوشيال" في 19 أغسطس/آب، كتب ترامب: "أعلن عن أكثر عملية اقتصادية ساحقة يتم اتخاذها على الإطلاق ضد أي دولة! ستكون هذه حربًا اقتصادية وعزلة على نطاق غير مسبوق". وطالب جميع حلفاء الولايات المتحدة بالمشاركة في ما وصفه بأنه "عقوبات قاسية ويوم إنزال اقتصادي"، وحذر من أن الكيانات التي تواصل ممارسة الأعمال التجارية مع إيران قد تواجه عقوبات. (Truth Social)
وقال وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت: "إنها ضربة مزدوجة. سوف نُسقط هذا النظام". (ذا هيل، 22 أغسطس/آب)
ورد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي قائلًا: "إن ما يسمى بـ'يوم الإنزال الاقتصادي' هو محاولة لصرف الأنظار عن أزمة أمريكا نفسها: ديون غير مسبوقة وتكاليف فوائد متصاعدة. إن مضاعفة الرهان على سياسات فاشلة لن تؤدي إلا إلى مزيد من الهزيمة — ومزيد من عداء الإيرانيين. إن الإرهاب الاقتصادي الأمريكي يهدد الاقتصاد العالمي والسيادة في أنحاء العالم". (إكس، 20 أغسطس/آب)
وقال أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي: "لقد أدرك العالم أن تهديدات ترامب ليست سوى كلام فارغ. ... لن ترضخ إيران للضغوط الأمريكية. ... سنشهد تغييرات في مسار الحرب، وفي الدبلوماسية، وفي الشؤون السياسية والاجتماعية، كما سيتم إدخال قدرات جديدة إلى ساحة المواجهة". (CNN، 23 أغسطس/آب)
النظر إلى خريطة إيران بأكملها
تنظر معظم وسائل الإعلام والمحللين الأمريكيين فقط إلى جزء صغير من خريطة إيران المحاذي للخليج الفارسي، وخصوصًا نقطة الاختناق في مضيق هرمز، عند مناقشة حصار إيران. وهذه رؤية ضيقة تركز على جزء صغير جدًا من الخريطة — وهو مصدر أرباح النفط الأمريكية.
إيران دولة يبلغ عدد سكانها 93 مليون نسمة. ويعيش أكثر من 70% منهم في مراكز حضرية حديثة. ولدى إيران ما يقرب من 3700 ميل من الحدود البرية مع سبع دول. كما تمتلك ساحلًا يمتد على طول 430 ميلًا على بحر قزوين، ويربطها بآسيا الوسطى وروسيا. وبحر قزوين هو أكبر بحر داخلي في العالم، وهو خارج نطاق وصول القوات البحرية الغربية.
يقع الساحل الجنوبي لإيران على الخليج الفارسي، داخل مضيق هرمز. لكن ساحلها الجنوبي الشرقي، أي ساحل مكران، يقع على بحر عُمان، بعد مضيق هرمز، ويمتد لمسافة 850 كيلومترًا (530 ميلًا) وصولًا إلى باكستان. ويضم هذا الساحل ميناء تشابهار البحري العميق الذي لا يزال يعمل، ويتمتع بوصول مفتوح إلى المحيط الهندي، إضافة إلى عدد من الموانئ الأصغر.
وقبل أشهر، ذكّرت إذاعة أوروبا الحرة/راديو الحرية، الممولة من الولايات المتحدة، المسؤولين الأمريكيين ومخططي الحرب بهذه الحقيقة الأكثر تعقيدًا. وأشارت إلى أن: "إيران تتجه إلى البدائل، بما في ذلك تصدير النفط عبر السكك الحديدية إلى الصين، التي تشتري نحو 90% من إمدادات إيران، وفقًا لحميد حسيني، المتحدث باسم اتحاد مصدري النفط الإيراني". (إذاعة أوروبا الحرة، 23 أبريل/نيسان)
الخطط الإيرانية المعلنة
يقدم مقال للأكاديمي الإيراني يوسف رمضاني، بعنوان "الخيارات العسكرية والاستراتيجية الإيرانية لإحباط — وكسر — الحصار البحري الأمريكي غير القانوني"، تفاصيل عسكرية واقتصادية عديدة.
ويقول: "تمتلك طهران مجموعة واسعة من القدرات العسكرية وطرق التجارة البديلة التي يمكن أن تجعل من الصعب استمرار الحصار، ما يجبر واشنطن على الاختيار بين التصعيد أو مواجهة طويلة الأمد أو الانسحاب. كما طورت إيران طرقًا بديلة للتجارة البرية والبحرية يمكنها تجاوز الحصار، وإنشاء بنية اقتصادية موازية قادرة على إبقاء البلاد صامدة خلال مواجهة طويلة الأمد. وقد طُورت هذه الطرق بالتعاون مع روسيا والصين وشركاء أوراسيين آخرين، وتمثل تحولًا بعيدًا عن نقاط الاختناق البحرية باتجاه ممرات برية محصنة ضد الاعتراض البحري. ..."
كما وسعت روسيا وإيران شبكة الشحن في بحر قزوين، وحولتاها إلى ما يصفه المسؤولون بأنه ممر للعقوبات.
ويجري حاليًا نقل نحو مليوني طن من القمح الروسي إلى إيران عبر بحر قزوين وحده، ما يؤكد أهمية هذا الطريق لكل من الإمدادات الأساسية واللوجستيات العسكرية.
"ومن خلال تسعير الشحنات باليوان، أدرجت الصين هذا الممر ضمن طرقها الأوسع لمبادرة الحزام والطريق، وضمنت تدفقًا متواصلًا للمحروقات والسلع الاستراتيجية.
ويخلص المقال الإيراني إلى القول:
إن الصراع الأساسي بين إيران والولايات المتحدة بشأن الحصار البحري هو في نهاية المطاف صراع إرادة، حيث سينتصر الطرف الذي يمتلك الدافع الأكبر والقدرة الأعلى على تحمل التكلفة.
بالنسبة إلى إيران، يتعلق الأمر بالبقاء الوطني والسيادة؛ أما بالنسبة إلى الولايات المتحدة، فهو خيار استراتيجي.
المصدر: ووركرز
الكاتب: سارا فلوندرز