ليس قصر المعاشيق مجرد مقرّ رئاسي في مدينة عدن. فمنذ سنوات الحرب على اليمن، تحوّل القصر الواقع في مديرية صيرة، على مرتفع يطل على خليج عدن، إلى أحد أبرز عناوين السلطة التي أنشأها تحالف العدوان السعودي والإماراتي في جنوب اليمن. ومن داخله حاولت الحكومة الموالية للرياض تقديم نفسها بوصفها السلطة الرسمية في اليمن، فيما بقيت القوة الفعلية على الأرض موزعة بين تشكيلات عسكرية وأمنية مدعومة من السعودية والإمارات.
لهذا، فإن ما كُشف أخيرًا عن إخلاء القصر ووقف اجتماعات الحكومة فيه، بعد تكرار محاولات استهداف منظومات الدفاع الجوي السعودية التي نُصبت في محيطه، يكشف أن الموقع الذي اختير ليكون عنوانًا للسلطة المدعومة خارجيًا في عدن بات داخل دائرة الحسابات العسكرية لأنصار الله.
ما هو قصر المعاشيق؟
المعاشيق قصر رئاسي يقع في منطقة كريتر بمدينة عدن، في موقع مرتفع ومحصّن يطل على البحر. وقد ارتبط تاريخيًا بمؤسسة الرئاسة اليمنية، وأصبح بعد انتقال الحكومة الموالية لتحالف العدوان إلى عدن أحد أهم مقارها.
وتنبع أهمية القصر من عاملين متداخلين. الأول سياسي، باعتباره مقرًا ارتبط بإقامة رئيس الجمهورية والحكومة والقيادات السياسية التابعة للسلطة.
والثاني جغرافي وأمني، إذ يقع في منطقة استراتيجية داخل عدن، بالقرب من الميناء ومواقع حيوية في المدينة، وفي نقطة تمنحه قيمة رمزية وعسكرية تتجاوز كونه مبنى حكوميًا.
لكن الحرب غيّرت وظيفة المعاشيق السياسية. فبدل أن يكون القصر مجرد مقر لمؤسسة الدولة، أصبح جزءًا من منظومة أمنية وعسكرية واسعة أنشأها التحالف في الجنوب لحماية السلطة التي أعاد تشكيلها هناك.
لماذا ارتبط المعاشيق بالسعودية والإمارات؟
بعد التدخل العسكري للتحالف في اليمن عام 2015 والعدوان على اليمن، أصبحت عدن مركزًا للسلطة المحاربة لصنعاء. غير أن الحكومة التي اتخذت من المدينة مقرًا لها لم تكن تمتلك القوة التي تفرض نفوذها على الأرض.
الإمارات عملت على بناء ودعم تشكيلات عسكرية وأمنية جنوبية، وفي مقدمتها القوات المرتبطة بالمجلس الانتقالي الجنوبي، بينما حافظت السعودية على نفوذ مباشر في مؤسسات الحكومة وعلى شبكة من القوات والتشكيلات الموالية لها.
وهكذا نشأت في عدن سلطة تجلس في المعاشيق، مقابل واقع عسكري تتحكم به قوى متعددة الولاءات.
وهذه النقطة ضرورية لفهم القصر: المعاشيق هو مقر السلطة، لكنه ليس مصدر القوة التي تحمي هذه السلطة.
فالوجود الحكومي في القصر كان يحتاج باستمرار إلى منظومة عسكرية وأمنية واسعة، وإلى حماية سعودية وإماراتية، وهو ما جعل الموقع جزءًا من بنية النفوذ الخارجي في جنوب اليمن.
لماذا وُضعت منظومات دفاع جوي حوله؟
في ظل تصاعد العمليات العسكرية لأنصار الله، لم يعد وجود الحكومة الموالية للتحالف في عدن منفصلًا عن التطورات في الجبهات الأخرى.
وبحسب ما نقلته صحيفة «الأخبار» عن مصادر استخباراتية مطّلعة، نُصبت منظومات دفاع جوي سعودية في محيط قصر المعاشيق بعد تكرار محاولات استهدافها.
لكن المفارقة أن وسائل الحماية نفسها أصبحت موضع استهداف متكرر.
وبحسب المصادر، دفعت هذه المحاولات قيادة التحالف السعودي في عدن إلى إصدار توجيهات بإخلاء القصر، ووقف اجتماعات الحكومة الموالية للرياض فيه، ونقل مكاتب عدد من أعضاء «المجلس الرئاسي» إلى مناطق أخرى داخل عدن.
أي أن المسألة لم تعد مجرد حماية القصر، بل أصبحت مرتبطة بقدرة السعودية على إبقاء قياداتها وحلفائها في موقع كانت تستخدمه بوصفه مركزًا للسلطة.
ماذا حدث لبقية المواقع السعودية والإماراتية؟
لا تقف إجراءات إعادة الانتشار عند المعاشيق.
فوفق المعلومات شملت التوجيهات إخلاء مقارّ تابعة للتحالف في منطقتي رأس عباس وبئر أحمد في مديرية البريقة غربي عدن، مع رفع مستوى الاستنفار تحسبًا لهجمات مباغتة من حركة أنصار الله.
كما صدرت توجيهات من قيادة القوات السعودية في عدن بإعادة الانتشار في المعسكرات ورفع مستوى الحذر، بالتوازي مع إخلاء فصائل موالية مواقع عسكرية مهمة.
وبحسب المصادر، كانت قاعدة العند العسكرية، وهي من أكبر القواعد في جنوب اليمن، قد أُخليت بالكامل قبل نحو أسبوعين، إضافة إلى مطار عتق في شبوة وقاعدة مرة الواقعة بين شبوة وحضرموت.
من منظور صنعاء، لم تعد الحرب مع السعودية والإمارات تُدار وفق القاعدة القديمة التي يمكن فيها نقل المعركة إلى الأراضي اليمنية وترك العمق السعودي والإماراتي بعيدًا عن تبعاتها.
وهنا تكمن أهمية مفهوم "الحصار بالحصار".
فطوال سنوات الحرب، استخدم التحالف أدوات الحصار والضغط الاقتصادي والعسكري ضد اليمن، بينما سعى أنصار الله إلى بناء معادلة مقابلة تقوم على جعل استمرار الحرب مكلفًا للمعتدي نفسه، وعلى نقل الضغط إلى المصالح والمنشآت والمواقع التي يستند إليها في إدارة الحرب.
هذه المعادلة تعني أن توسع البنية العسكرية للتحالف داخل اليمن يعني، من وجهة نظر صنعاء، توسع دائرة المواقع التي يمكن أن تدخل في الحساب العسكري. وقصر المعاشيق مثال واضح على ذلك.
من يحاصر من؟
تكشف هذه التطورات تحولًا مهمًا في طبيعة الحرب.
في السنوات الأولى، كان التحالف يمتلك قدرة واسعة على فرض الحصار والضغط من الجو والبحر والبر، بينما كان اليمنيون يتحملون القسم الأكبر من كلفة ذلك.
أما مع تطور القدرات العسكرية لأنصار الله، ولا سيما في مجال الصواريخ والطائرات المسيّرة والعمليات البحرية، فقد تغيرت المعادلة تدريجيًا.
لم يعد بإمكان السعودية والإمارات أن تفترضا أن المواقع التي تستخدمها لإدارة نفوذهما داخل اليمن تقع خارج نطاق الرد.
فإذا كان القصر، وهو المقر السياسي الأبرز للحكومة الموالية للسعودية، لم يعد مكانًا آمنًا لعقد اجتماعاتها، وإذا كانت القواعد والمطارات والمقار العسكرية تعيد انتشارها خشية هجمات من صنعاء، فإن ذلك يعني أن القدرة على الوصول إلى هذه المنظومة أصبحت جزءًا من معادلة الرد التي فرضها أنصار الله.
وهذه، في جوهرها، هي فكرة "الحصار بالحصار": أن لا يبقى الحصار مفروضًا على طرف واحد، وأن تتحول أدوات الضغط التي استخدمها التحالف ضد اليمن إلى كلفة ترتد على بنيته العسكرية والسياسية نفسها.
الكاتب: غرفة التحرير