الإثنين 31 آب , 2026 12:36

تريتا بارسي: الضربات الأمريكية على إيران تهدد باستئناف حرب كان ترامب يأمل في تجميدها

ترامب متحدثاً مع وسائل الإعلام في قاعدة أندروز

يعتقد تريتا بارسي في هذا المقال، الذي نشره موقع "Responsible Statecraft" وترجمه موقع الخنادق الالكتروني، أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد يرغب في إبقاء الصراع عند مستوى منخفض يحافظ على الوضع القائم حتى ما بعد انتخابات التجديد النصفي، إلا أنه للجمهورية الإسلامية في إيران كلمتها أيضاً. واستعرض بارسي سيناريوهات التصعيد خلال الفترة المقبلة، خاصةً بعد تجدد العدوان الصهيوأمريكي على جزيرة لارك، مشيراً الى احتمال لجوء ترامب الى اتخاذ قرارات دراماتيكية تصعيدية، كما كاد يحصل في العام 2020 عندما خسر الانتخابات الرئاسية.

النص المترجم:

رغم الضجة التي أحاطت بالعقوبات الجديدة التي فرضها دونالد ترامب، وحتى الضربات الأمريكية التي استهدفت جزيرة لارك الإيرانية قبل ساعات فقط، فإن الكثير من المؤشرات يوحي بأن ترامب لا يسعى إلى تصعيد دراماتيكي للضغط على إيران.

وبحسب تقارير صدرت الأحد، استهدف الجيش الأمريكي منصات إطلاق إيرانية في الجزيرة لمنع طهران من زرع ألغام جديدة في مضيق هرمز. وتُعد هذه أول ضربة أمريكية معروفة ضد إيران منذ إعلان ترامب وقف إطلاق النار في تموز/يوليو. ولا تزال التفاصيل تتكشف.

في غضون ذلك، فإن "المؤسسة المالية الكبرى" التي كان وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت قد تعهد بفرض عقوبات عليها بسبب تعاملاتها مع إيران، اتضح أنها ليست أكثر من بنك مصر، ثاني أكبر بنك في مصر. وعلى الرغم من أن بنك مصر يُصنَّف ضمن البنوك الكبرى في المنطقة، فإنه يظل قزماً مقارنة بالعمالقة العالميين في القطاع المالي، الذين تصل أصولهم إلى عدة تريليونات من الدولارات.

وليس من المفاجئ أن يكون في تحركات ترامب الأخيرة على صعيد العقوبات ضجيج أكبر من تأثيرها الفعلي. وهذا لا يعني أن الحرب الاقتصادية التي يقودها بيسنت لن تلحق الضرر بالإيرانيين العاديين أو تضغط على الاقتصاد الإيراني؛ فهي ستفعل ذلك بالفعل. لكن لا يوجد ما يشير كثيراً إلى أن هذا الألم سيدفع طهران إلى الخضوع لترامب، أو حتى إلى أن العقوبات صُممت لإلحاق أضرار كبيرة بإيران، رغم الخطاب التصعيدي للرئيس الأمريكي.

بدلاً من ذلك، يبدو أن ترامب يخوض مغامرة مختلفة تماماً: الإبقاء على صراع منخفض المستوى حتى انتخابات التجديد النصفي، من دون التوصل إلى اتفاق دبلوماسي، ومن دون السماح في الوقت نفسه بتدهور الوضع إلى حرب شاملة. أي الحفاظ على فترة من الهدوء النسبي تُخرج إيران من عناوين الأخبار، وتُضعف، مع اقتراب الانتخابات، الصلة بين ارتفاع التضخم وأسعار الوقود من جهة، وبين حرب ترامب الحمقاء التي اختار خوضها من جهة أخرى.

وتساعد عقوبات "يوم النصر" على خلق انطباع بأن الولايات المتحدة تمسك بزمام المبادرة، بالتوازي مع زيادة الضغط على إيران. وبالاقتران مع ارتفاع حركة الملاحة في مضيق هرمز، فإن هذه الإجراءات تجعل استمرار الوضع القائم أكثر تكلفة بالنسبة إلى طهران مقارنة بواشنطن، ولكن ليس إلى درجة تدفع إيران إلى التصعيد المضاد على المدى القصير.

بل إنها أشبه بعملية خنق بطيئة، صُممت لضمان ألا تشهد الشهرين المقبلين لا دبلوماسية تستقطب عناوين الأخبار، ولا تصعيداً عسكرياً.

وهذا يمنح طهران سبباً محدوداً للهلع الفوري. وستعتمد استجابتها إلى حد كبير على ما ستفعله واشنطن تالياً. وأرى ثلاثة سيناريوهات محتملة.

قد يذهب ترامب إلى أبعد مما ينبغي، ويدفع إيران إلى تجاوز ما تعتبره طهران قابلاً للإدارة على المدى القصير. فعلى سبيل المثال، من المرجح جداً أن تؤدي الضربات ضد المواقع الإيرانية في جزيرة لارك إلى رد إيراني. وعلاوة على ذلك، إذا أقدم ترامب على مصادرة ناقلات النفط الإيرانية المتجهة إلى الصين، فمن شبه المؤكد أن ترد طهران بتكثيف الهجمات على السفن التي تستخدم الممر الجنوبي لمضيق هرمز، مع احتمال استهدافها أيضاً منشآت الطاقة في دول مجلس التعاون الخليجي. ومن المرجح كذلك أن ترد الصين بقوة على مثل هذه الخطوة. وستكون النتيجة تحديداً نوع التصعيد الذي يريد ترامب تجنبه خلال الشهرين المقبلين.

أما السيناريو الثاني، فيتمثل في أن عقوبات "يوم النصر" لا تدفع إيران إلى التصعيد المضاد على المدى القصير، ولا تغير حساباتها على المدى المتوسط. وتخلص طهران إلى أنه، رغم كل الضجيج، فإن إغلاقها لمضيق هرمز لا يزال كافياً، وأن الضغوط الاقتصادية المتزايدة على ترامب ستجبره في نهاية المطاف على العودة إلى طاولة المفاوضات، ولكن هذه المرة بموقف أكثر واقعية.

ورغم أن هذا السيناريو ليس النتيجة الأكثر ترجيحاً، فإنه يساعد في تفسير سبب استثمار إيران بكثافة في الدبلوماسية الإقليمية، حتى في الوقت الذي تشير فيه جميع المؤشرات إلى أن ترامب لا يريد التوصل إلى اتفاق في هذه المرحلة.

وينخرط دبلوماسيون من سلطنة عُمان وباكستان وقطر في جهود دبلوماسية مكثفة مع طهران بشأن مضيق هرمز. ووفقاً لمصادري، أرسل ترامب إلى إيران إشارة مباشرة مفادها أنه لن يرفع الحصار حتى لو أعادت طهران فتح المضيق، كما أنه لا يؤيد العودة إلى مذكرة التفاهم السابقة.

ومرة أخرى، فإن إبقاء إيران خارج عناوين الأخبار خلال الفترة التي تسبق الانتخابات يتطلب تجنب حدوث تطورات من أي من النوعين: العسكري أو الدبلوماسي.

من خلال الانخراط مع الوسطاء الإقليميين، تحقق طهران ثلاثة أهداف. أولاً، تُظهر لجمهورها الداخلي أن إطالة أمد الحرب تعود إلى التعنت الأمريكي، وليس إلى عدم مرونة إيران. ومع استمرار الحرب وتزايد إرهاق المدنيين الإيرانيين، تصبح السيطرة على رواية تحديد المسؤولية وإلقاء اللوم أكثر أهمية بالنسبة إلى طهران. ولحسن حظ إيران، فإن رفض ترامب القاطع والعلني للدبلوماسية يصب مباشرة في مصلحتها.

ثانياً، يمثل هذا الانخراط الدبلوماسي أهمية كبيرة أيضاً في معركة تبادل تحميل المسؤولية على المستوى الإقليمي. فإذا استؤنفت الحرب، فإن الجهة التي ستحملها دول المنطقة مسؤولية اندلاعها ستكون ذات أهمية كبيرة، ولا سيما أن الحرب ستفرض عليها كلفة باهظة. ولذلك تحتاج طهران إلى إقناع الحكومات الإقليمية بأن إيران مستعدة لتقديم تنازلات، في حين أن ترامب يرفض حتى الدخول في مفاوضات.

وأخيراً، تسهم الدبلوماسية الحالية في بناء توافق إقليمي حول حلول ومبادئ محددة. فإذا عاد ترامب إلى طاولة المفاوضات، فستكون هناك بالفعل بنية تحتية لاتفاقات شبه مكتملة تحظى بدعم إقليمي، وقد جرى بناؤها في الوقت الذي اختار فيه ترامب طوعاً الابتعاد عنها. وسيدفع ترامب ثمناً إذا سعى إلى تفكيك التقدم الذي أحرزته المنطقة بينما كان يتجاهله من داخل البيت الأبيض.

لكن السيناريو الأكثر ترجيحاً لا يتمثل لا في تصعيد فوري، ولا في عودة إلى المفاوضات بعد انتخابات التجديد النصفي. بل يتمثل في سيناريو يثبت فيه الزخم الجديد الذي اكتسبته إدارة ترامب أنه كان مبرراً: فقد أدى الجمع بين العقوبات الجديدة وتزايد حركة الملاحة عبر الممر الجنوبي لمضيق هرمز إلى خلق واقع جديد أصبحت فيه إيران تتضرر أكثر من الولايات المتحدة، فيما يتجه وضعها نحو مزيد من التدهور، وإن كان ذلك بصورة متزايدة ولكن غير دراماتيكية. وبالتالي ستكون إيران أضعف بعد بضعة أشهر، وفي وضع دبلوماسي وعسكري أقل ملاءمة.

ومع أن ذلك سيدفع إيران إلى التصعيد المضاد، فقد تختار طهران تأجيل ردها وانتظار لحظة أكثر ملاءمة. وإذا كانت واشنطن تريد إبقاء الأوضاع هادئة حتى انتخابات التجديد النصفي، فقد تخلص طهران إلى أن اللحظة المثلى للرد ستكون قبل أسبوعين أو ثلاثة أسابيع من انتخابات الكونغرس، بما يحقق أكبر قدر ممكن من الضرر السياسي لترامب.

لكن إيران قد لا تحصر ردها في الناقلات الموجودة في المضيق. فالمسؤولون الإيرانيون يقولون، علناً وسراً، إنهم يتوقعون أن تستأنف الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب بعد انتخابات التجديد النصفي، بغض النظر عن تأثير عقوبات "يوم النصر". وقد توصل الدبلوماسيون الإقليميون إلى الاستنتاج نفسه إلى حد كبير. وإذا أضعفت العقوبات إيران بمرور الوقت، في حين يتعافى الاقتصاد العالمي ويتكيف مع الواقع الجديد في المضيق، فإن استمرار فترة التوقف عن القتال سيعمل ضد مصلحة طهران. ولذلك قد تقرر إيران التصعيد بصورة كبيرة، مستفيدة بالكامل من حالة الضعف التي يُنظر إلى ترامب على أنه يمر بها قبيل الانتخابات.

ويبدو أن إيران تشعر بالتشجيع نتيجة أدائها في الجولة الثانية من الحرب، وكذلك بسبب السرعة التي أوقف بها ترامب هجماته. فقد استمرت الجولة الأولى 38 يوماً، بينما لم تستمر الثانية سوى 13 يوماً. ومع ذلك، سُجل أكثر من نصف الخسائر البشرية الأمريكية خلال الجولة الثانية، رغم أن مدتها لم تتجاوز ثلث مدة الجولة الأولى.

ورغم أن هذا ليس سوى متغير واحد من بين عدد كبير من المتغيرات التي تحكم هذه الحرب، فإن تداعيات الجولة الثانية تشير إلى أن قدرة القوات الأمريكية على حماية قواتها كانت قد تراجعت، وأن النقص في صواريخ الاعتراض أصبح أكثر حدة، وأن إيران تعلمت من جولة القتال الأولى في شباط/فبراير أكثر مما تعلمت الولايات المتحدة. ويبدو أن طهران حسّنت كلاً من مستوى تطور هجماتها والقدرات الاستخباراتية التي تقف وراءها. فقد أمضت إيران عقوداً في دراسة الطريقة التي خاضت بها الولايات المتحدة حروبها في العراق وأفغانستان. أما الآن، وللمرة الأولى، فقد امتلكت خبرة مباشرة في القتال ضد الولايات المتحدة، ويبدو أن طهران تعلمت بوتيرة أسرع مما توقعت واشنطن.

ومع ذلك، ورغم أن حسابات إيران بشأن هشاشة وضع ترامب الانتخابي قد تثبت صحتها، فإن اعتقادها الظاهر بأن خسارة الانتخابات ستقيد ترامب في عام 2027 قد يكون في غير محله. فقد يُجبر ترامب، الذي سيتعرض للإذلال في صناديق الاقتراع وقد يواجه محاولة ثالثة لعزله، على اتخاذ موقف دفاعي في الداخل، لكن مشكلاته الداخلية تحديداً قد تدفعه أيضاً إلى توجيه ضربات إلى الخارج. ومع تحرره من القيود الانتخابية، قد يصبح ترامب مستعداً لخوض مخاطر كان قد أحجم عنها سابقاً، بما في ذلك نشر قوات برية.

ففي نهاية المطاف، كان ترامب قد أظهر شهية غير مسبوقة للمخاطرة خلال الفترة التي أعقبت هزيمته في انتخابات تشرين الثاني/نوفمبر 2020. وكان رئيس هيئة الأركان المشتركة آنذاك، الجنرال مارك ميلي، يخشى أن يقدم ترامب، بعد خسارته الانتخابات، إما على إشعال حرب مع إيران، أو افتعال أزمة داخلية لتبرير استخدام الجيش، وربما البقاء في السلطة.

وبحسب ما ورد، طرح ترامب مقترحات لشن هجوم على إيران، عارضها ميلي بشدة. وقال ميلي لترامب، في تحذير بدا لاحقاً وكأنه نبوءة: "ستكون أمامك حرب بحق الجحيم."

فهل سيكون هناك جنرال ميلي داخل الدائرة المقربة من ترامب بعد انتخابات التجديد النصفي؟


المصدر: Responsible Statecraft

الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور