الإثنين 31 آب , 2026 03:33

لماذا لم تنجح العقوبات الأمريكية في إخضاع إيران؟

العقوبات الاقتصادية على إيران

منذ إطلاق ما يعرف بـ"عملية المنبوذ الاقتصادي"، تجدد النقاش حول جدوى الحصار المالي المفروض على طهران، وسط انقسام لافت بين قراءتين متمايزتين: قراءة غربية-أمريكية تتعامل مع العقوبات كأداة ضغط سياسي وتفاوضي، وقراءة عبرية-إسرائيلية تنظر إليها بريبة باعتبارها سلاحاً غير كافٍ لوحده لحسم الصراع مع الجمهورية الإسلامية. وبين هاتين الرؤيتين، يتبلور جواب مركّب لسؤال محوري: لماذا لم تنجح العقوبات، رغم مرور سنوات طويلة على تطبيقها، في تغيير سلوك إيران أو إخضاعها؟

الإجابة الأولى، والأكثر حضوراً في التحليلات الغربية، تتمحور حول الصين. فالمحللون الأمريكيون والأوروبيون يكادون يجمعون على أن بكين هي المعيار الفعلي لنجاح أو فشل أي حصار اقتصادي على طهران، ذلك أن الصين تستوعب وحدها نحو تسعين بالمئة من صادرات النفط الإيرانية. وطالما بقيت هذه القناة مفتوحة، فإن أي عقوبات أمريكية تظل جزئية الأثر مهما اتسع نطاقها الشكلي. ومن هنا، فإن العقوبات لم تفشل لأنها لم تُصمَّم جيداً، بل لأنها تصطدم ببنية اقتصادية عالمية لم تعد واشنطن قادرة على التحكم فيها بشكل أحادي كما كانت الحال في عقود سابقة.

هذا يقود إلى العامل الثاني: الكلفة الدبلوماسية للعقوبات الثانوية. فرض عقوبات على البنوك الصينية أو الإماراتية أو التركية التي تسهّل التجارة مع إيران يعني بالضرورة الدخول في مواجهة مع شركاء اقتصاديين واستراتيجيين لواشنطن، وهو خيار محفوف بمخاطر ترتد على النظام المالي العالمي نفسه. فالإدارات الأمريكية المتعاقبة وجدت نفسها أمام معادلة صعبة: تشديد الخناق على طهران يعني بالضرورة تصعيداً موازياً مع بكين، وهو ثمن لم تكن واشنطن مستعدة لدفعه بالكامل، ما أفرغ العقوبات الثانوية من قسم كبير من فاعليتها الرادعة.

أما العامل الثالث فهو قدرة إيران التاريخية على التكيف. فطهران راكمت على مدى عقود من العزلة خبرة واسعة في بناء شبكات تهريب وتحايل مالي، غالباً ما توصف في الأدبيات الغربية بلعبة "ضرب الخلد"، في إشارة إلى أن كل قناة يتم إغلاقها سرعان ما تُستبدل بأخرى بديلة. هذا النمط ارتبط بما يسميه بعض المحللين "اقتصاد المقاومة"، وهو نهج داخلي يقوم على إعادة هيكلة الاقتصاد الإيراني بما يجعله أكثر قدرة على امتصاص الصدمات، ولو على حساب مستوى معيشة السكان. النتيجة أن العقوبات لم تُفشِل النظام، بل دفعته إلى تطوير مناعة داخلية تجاه الضغط الخارجي.

ويضاف إلى ذلك عامل رابع غالباً ما يُغفل: غياب الثبات في التحالف الدولي المطلوب لإنجاح أي حصار اقتصادي شامل. فالتجربة التي كثيراً ما يُستشهد بها كنموذج ناجح نسبياً هي تلك التي تحققت في عهد أوباما، حين توفر إجماع دولي أوسع وتنسيق أكثر صرامة. أما النهج الأحادي المتقلب الذي ساد لاحقاً، والذي ينتقل بين التصعيد الأقصى وفتح قنوات تفاوضية متقطعة، فقد أضعف من مصداقية العقوبات كأداة ضغط طويلة الأمد، وأعطى طهران مساحة زمنية لإعادة التموضع كلما خفّت وتيرة التنفيذ.

في المقابل، تقدّم القراءة الإسرائيلية تفسيراً مختلفاً جوهرياً لهذا الإخفاق، لا يتعلق بآليات التنفيذ بقدر ما يتعلق بطبيعة الأداة نفسها. فالمحللون الإسرائيليون يقاربون الملف من زاوية أمنية-وجودية قبل أن تكون اقتصادية: هل سينهار الاقتصاد الإيراني قبل أن تتمكن طهران من تحقيق اندفاعة نووية أو استعادة قدرتها الردعية العسكرية؟ وهذا السؤال الزمني يضع العقوبات في سباق مع الزمن النووي، وهو سباق يرى جزء كبير من التحليلات العبرية أن طهران تربحه حتى الآن.

الحجة المركزية في هذا الطرح هي أن الضغط الاقتصادي، مهما بلغت شدته، لن ينجح في تغيير سلوك النظام الإيراني ما لم يقترن بتهديد عسكري جدي وملموس. فبدون هذا البعد الرادع، يرى هؤلاء المحللون أن أمام طهران خيارين لا ثالث لهما: إما التكيف التدريجي مع العقوبات عبر شبكات الالتفاف المعروفة، أو التحول الكامل إلى نموذج "الدولة الأمنية المغلقة" على طريقة كوريا الشمالية، حيث يقبل النظام بعزلة اقتصادية شبه تامة مقابل الحفاظ على استقلالية قراره الاستراتيجي والنووي. وفي كلتا الحالتين، تُخفق العقوبات في تحقيق هدفها المعلن، وهو دفع إيران نحو تنازلات جوهرية على طاولة التفاوض.

بالخلاصة يمكن تلخيص الإجابة عن سؤال إخفاق العقوبات في معادلة من أربعة عناصر متشابكة: قناة صينية لا يمكن إغلاقها بالكامل دون كلفة استراتيجية باهظة، وتردد أمريكي بنيوي في دفع هذه الكلفة، وقدرة إيرانية متراكمة على التكيف والالتفاف، وغياب توافق دولي-إسرائيلي حول ما إذا كانت الأداة الاقتصادية أصلاً قادرة على تحقيق أهداف أمنية-وجودية دون سند عسكري مباشر. وهذا التقاطع بين محدودية الأداة الاقتصادية من جهة، وضيق الخيارات العسكرية البديلة من جهة أخرى، هو ما يفسر استمرار حالة الجمود: عقوبات لا تسقط النظام، ونظام لا يغير سلوكه.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور