الإثنين 31 آب , 2026 03:49

ماذا تعلمت إيران من الحرب؟

القدرات الصاروخية الإيرانية

في 28 شباط، بدأت الحرب على إيران بضربة كان يفترض أن تفرض إيقاعها على ما سيأتي بعدها. لكن بعد أشهر من القتال والصمود، جاءت النتائج عكس تمنيات الإدارة الأميركية. فما الذي خرجت به إيران من هذه الحرب؟

لم تكن الحرب بالنسبة إلى طهران مجرد مواجهة عسكرية انتهت بوقف إطلاق النار، بل اختبارًا ميدانيًا طويلًا لعقيدتها في القتال، لقيادتها، لترسانتها، ولقدرتها على الاستمرار في إدارة حرب مفتوحة.

قبل الحرب، كانت إيران بالتأكيد تعرف أعداءها، لكن بعد الحرب أصبحت لديها تجربة مختلفة، حيث تحتم عليها إعادة تنظيم الصفوف في خضم التصعيد، والتكتيك في إدارته لاستنزاف الطرف المقابل وتغيير قواعد الاشتباك لصالحها.

ربما يكون أهم ما خرجت به إيران، وبينته، هو أن الحرب لا تُحسم بالضربة الأولى.

إذ يمكن ضرب القيادة، واستهداف الصواريخ والمرابض والمنصات، لكن المعركة ستستمر إذا بقيت الدولة قادرة على إعادة تنظيم نفسها وإصدار الأوامر والحفاظ على وسائل الرد. ولهذا ظهرت قابلية البقاء كعنصر مركزي في بناء القوة الإيرانية، على قاعدة أن المنشأة لا تمثل القوة كلها. كذلك السلاح الموجود في لحظة بدء الحرب ليس القوة كلها. القوة الحقيقية تكمن فيما سينجز بعد الضربة المباغتة التي ظنت أميركا أنها ستنهي بها إيران.

ومن هنا ستتجه أهمية أكبر إلى توزيع مراكز القيادة والاتصال والإطلاق، وإلى توفير بدائل متعددة، وإلى تقليل قدرة العدو على تعطيل المنظومة العسكرية بضربة واحدة.

الصاروخ الذي يبقى أهم من الصاروخ الذي أُطلق

أظهرت الحرب أيضًا أن قيمة الترسانة لا تكمن في حجمها المعلن، بل في قدرتها على الاستمرار.

فالصاروخ الذي يُطلق ينتهي دوره، أما المنظومة التي تستطيع إنتاج صاروخ آخر، ونقله، وإخفاء منصة إطلاقه، ثم استخدامه في توقيت مختلف، فهي التي تشكل مصدر الضغط الحقيقي. لهذا ستصبح استدامة النيران أكثر أهمية من مجرد كثافة النيران. ومن المرجح أن تدفع التجربة الإيرانية نحو مزيد من التنويع في الصواريخ والمسيّرات والمنصات، ليس بحثًا عن سلاح واحد قادر على حسم الحرب، وإنما عن ترسانة تستطيع الاستمرار عندما تطول الحرب وتتغير ظروفها. وكما هو متعارف، فإن الدولة التي تستطيع إعادة الإنتاج والإصلاح والتعويض، فهي تمدد عمر قدرتها القتالية.

لا حاجة إلى خوض الحرب بالطريقة التي يريدها الخصم

الحرب أكدت أيضًا قيمة الطريقة الإيرانية في إدارة المعارك عبر عدم الدخول في مواجهة متماثلة مع قوة تقليدية، بل إجبار العدو على التعامل مع ساحات وأدوات متعددة. وتنويع القدرات التي تسبب الضغط، حيث شملت القدرة البحرية وزراعة الألغام في مضيق هرمز والحرب الإلكترونية كذلك. وهذا كله يوسع من هامش الرد، ما ساعد إيران على ضبط وتغيير مستوى التصعيد بما يتناسب.

خلال الأشهر الماضية، لم تبقِ الحرب محصورة بإيران، بل امتدت إلى كيان الاحتلال، وإلى القواعد الأميركية في المنطقة، وإلى الخليج وإلى حركة الملاحة. وهذا يعني أن طهران باتت تملك تجربة عملية في إدارة حرب متعددة الساحات، والتعامل مع كل منها بمستوى. وهذه التجربة ستترك أثرًا على التفكير الإيراني في المستقبل. فإذا كانت الحرب المقبلة ستتسع بسرعة، فإن القدرة على توزيع الضغط وعدم حصر الرد في مكان واحد تصبح جزءًا من الردع.

الحرب القادمة لن تبدأ من الصفر

كل طرف دخل الحرب وهو يملك تصورًا عن الطرف الآخر. وبعد أشهر من القتال، خرج الطرفان بمعلومات لم تكن متاحة لهما قبل الحرب. لكن إيران خرجت بشيء إضافي: الخبرة القتالية.

خبرة في كيفية العمل تحت الضربات، وفي إعادة تنظيم القيادة، وفي الحفاظ على القدرة الصاروخية والمسيّرات، وفي استخدام الجغرافيا، وفي توسيع كلفة الحرب خارج حدودها المباشرة. لذلك، فإذا اندلعت مواجهة جديدة، لن تكون طهران هي نفسها التي دخلت حرب 28 شباط. ستدخلها وهي تعرف أكثر: ما الذي تحتاج إلى إخفائه، وما الذي تحتاج إلى توزيعه، وما الذي تحتاج إلى إنتاجه، وما الذي تحتاج إلى الاحتفاظ به حتى اللحظة التي تصبح فيها الضربة أكثر تأثيرًا.


الكاتب: زهراء نعيم




روزنامة المحور