لا يعني غياب الرد العسكري الفوري من جانب المقاومة الإسلامية في لبنان حزب الله على الاعتداءات الإسرائيلية أن خيار المقاومة المسلحة قد خرج من حساباتها، بل يجب قراءة هذا السلوك باعتباره جزءاً من مرحلة دقيقة تفرض موازنة معقدة بين متطلبات إعادة بناء القدرات، والحسابات السياسية، والبيئة اللبنانية الداخلية، وطبيعة التفاهمات التي أوقفت جولات القتال السابقة، وانتظار الفرصة الزمنية الأنسب لإعادة تفعيل العمل المسلح. فالمقاومة تتعامل مع المرحلة الحالية باعتبارها مساحة لإدارة الصراع بوسائل متعددة تحت سقف عدم التصعيد المسلح، مع الاحتفاظ بالحق بالرد على كلّ الاعتداءات الإسرائيلية.
ومن أبرز الاعتبارات التي تدفع حزب الله الى عدّم تفعيل ردوده العسكرية حالياً، هو استغلال فترة الهدوء لإعادة ترميم القدرات وإعادة تنظيم الصفوف. فقد تعرضت بنية المقاومة القيادية والعسكرية خلال معركتي أولي البأس وبدرجة أقل العصف المأكول، الى تحديات كبيرة ومصيرية، أدّت الى ارتقاء العديد من القادة شهداء، واستهلاك بعض القدرات، كما أوقعت بعض الخسائر في شبكات الاتصال والبنى اللوجستية، وهو ما يستلزم ترميم الهيكل التنظيمي وتعويض القدرات كأولوية أساسية. وكما حصل خلال الـ 15 شهراً منذ انتهاء معركة أولي البأس، فإن فترة وقف إطلاق النار توّفر للحزب فرصة مهمة وثمينة، لإعادة تشكيل بنيته واستعادة العديد من جوانب قدراته، خاصةً على صعيد التدريب والتجهيز.
ومن هنا، فإن ملء الشواغر التي تركها القادة الشهداء، وإعادة توزيع المسؤوليات، ورفع مستوى التنسيق بين المستويات القيادية والميدانية، فضلاً عن دراسة نقاط القوة والضعف، كلها عمليات تحتاج إلى وقت. كما أن استخلاص العبر من التحديات التي ظهرت خلال معركة "العصف المأكول" وما رافقها من تطورات ميدانية واستخبارية وتقنية، يمكن أن يشكل جزءاً من عملية مراجعة أوسع تهدف إلى سدّ الثغرات والاستفادة من التجربة السابقة في أي مواجهة مقبلة.
ومن بعدها، يأتي الاعتبار الثاني المتمثّل باختيار الظرف المحلي والإقليمي والدولي الأفضل لإعادة التفعيل. فحينما يكون التوقيت مشتركاً بين ساحات جبهة المقاومة، فإن المواجهة مع معسكر العدوان، ستكون بظروف أفضل وأوسع.
أما الاعتبار الثالث، فيرتبط بالحفاظ على صورة المقاومة الملتزمة بما تتوصل اليه من تهدئة ووقف لإطلاق النار ضمن التفاهمات القائمة، ولا سيما ما ورد في مذكرة تفاهم إسلام آباد. وتبرز هنا معادلة سياسية مهمة: الحزب لن يتخلى عن حقه في الرد، لكنه في الوقت نفسه لن يكون الطرف الذي يُتهم بإسقاط التهدئة. وقد أعلن الحزب مرات عديدة، أنه يراقب الخروقات الإسرائيلية ويتمسك بوقف النار، بينما استمر الكيان المؤقت في تنفيذ اعتداءاته داخل الأراضي اللبنانية. وبذلك، فإن ضبط الرد يمكن أن يتحول إلى أداة سياسية بحد ذاته، إذ يسمح للمقاومة بإظهار التزامها بالتفاهمات، في مقابل إبراز الطرف الإسرائيلي والأمريكي، كطرف لا يحترم الالتزامات أو يستخدم الاتفاقات كأدوات مؤقتة لإعادة ترتيب الميدان. وهذه المقاربة تمنح المقاومة هامشاً أوسع في إدارة المعركة السياسية والإعلامية، بدلاً من الانتقال مباشرة إلى مواجهة عسكرية قد تُستخدم لإعادة تحميل لبنان مسؤولية التصعيد.
أما الاعتبار الرابع، فيتمثل في وضع السلطة اللبنانية أمام مسؤولياتها الوطنية، خاصةً بعدما أثبت مسارها الاستسلامي ومفاوضاتها المباشرة مع كيان الاحتلال الإسرائيلي وتنازلها عن كل الحقوق والثوابت الوطنية عدم جدواه، دون تحقيق أي مقابل أو مكسب حتى لو اقتصر الأمر على امتناع إسرائيل من القيام باعتداءاتها. وهذا ما يشكّل دليلاً أساسياً على أن تقديم التنازلات لم يؤد إطلاقاً إلى تحقيق الأمن أو استعادة الحقوق، بل زاد الأمر تعقيداً، بحيث ظهر لبنان أمام العدو منقسماً على ذاته ومفككاً داخلياً، وسهّل استمرار الاعتداءات بشكل تصاعدي.
أما الاعتبار الخامس، فهو الأكثر ارتباطاً بالبيئة الاجتماعية، من خلال منح مجتمع المقاومة فرصة لاستعادة أنفاسه. فقد مرّ هذا المجتمع بأشهر طويلة من الحرب والنزوح والخسائر البشرية والمادية، وبالتالي فإن استمرار التصعيد بصورة دائمة يعني إبقاء مئات آلاف العائلات في حالة استنزاف اقتصادي واجتماعي ونفسي. لذلك، فإن فترة الهدوء تمنح المؤسسات والبلديات والعائلات فرصة لإعادة تنظيم الحياة اليومية، وترميم المنازل، واستعادة النشاط الاقتصادي، وتأمين عودة النازحين، وإعادة بناء شبكات الدعم الاجتماعي.
وعليه، يمكن فهم عدم المبادرة إلى رد عسكري واسع باعتباره قراراً بإدارة القوة وليس التخلي عنها. فالمقاومة، وفق هذه القراءة، تسعى إلى الجمع بين إعادة بناء قدراتها، وحماية بيئتها، والحفاظ على هامش سياسي، وإبقاء خيار الرد قائماً من دون استخدامه في كل مناسبة.
وبالتالي، فإن السؤال لا ينبغي أن يكون: "لماذا لا يرد حزب الله؟"، بل يمكن صياغته بصورة أخرى: هل يخدم الرد الفوري أهداف المقاومة في هذه المرحلة، أم أن تأجيله يمنحها قدرة أكبر على إعادة تنظيم أوراقها وتحديد توقيت وشكل المواجهة المقبلة؟ وفي الحسابات الاستراتيجية، قد يكون ضبط استخدام القوة في بعض مراحل الصراع، جزءاً مهماً من إدارته بقدر ما يكون استخدامها كذلك.
الكاتب: غرفة التحرير