الثلاثاء 01 أيلول , 2026 02:56

مستقبل هرمز: بين ثبات الجغرافيا وتحولات موازين القوى

مضيق هرمز

شكّلت الثورة الإيرانية نقطة تحول في تاريخ الصراع الدولي حول مضيق هرمز، فبعد قيام الثورة بنحو خمسة أعوام تواترت الأنباء حول ما سمي حينها بـ”حرب الناقلات”، والتي امتدت خلال الفترة 1984-1988، حيث هاجمت كل من إيران والعراق السفن التجارية خلال الحرب بين البلدين، كما تمّ زرع ألغام بحرية استهدفت سفناً تابعة لدول المنطقة، وترتب على ذلك التدخل الأمريكي لحماية ناقلات النفط، خصوصاً الكويتية منها، وحدوث مواجهات مباشرة مع القوات البحرية الإيرانية. وارتبطت هذه الأحداث بالحرب العراقية الإيرانية من ناحية، وبتصاعد الخلافات بين إيران والولايات المتحدة بشكل رئيسي من ناحية ثانية، وهو ما يعني أنّ المواجهات خلال سنة 2026 في المضيق هي تتويج لصراع ممتد منذ ما يقارب نصف القرن.

تستعرض الدراسة أدناه، التي أعدّها الدكتور وليد عبد الحي وأصدرها مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات في أيلول/سبتمبر 2026، مستقبل مضيق هرمز في ضوء التصعيد الذي بلغ ذروته خلال المواجهات الإيرانية الأميركية في العام نفسه، والذي كاد يفضي إلى إغلاق شبه تام للحركة التجارية في المضيق.

تستعرض الدراسة الجدل الدائر حول تكييف المضيق بين "المرور العابر" (المتاح دون قيود لكل الدول) و"المرور البريء" (الذي يمنح الدولة الساحلية صلاحيات أوسع)، وتفصّل الأسس التي تستند إليها إيران للتمسك بالمرور البريء: عدم انضمامها لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، رفضها اعتبار المرور العابر عرفاً ملزماً وفق قاعدة "المعترض الدائم"، وقوع كامل المضيق ضمن مياهها ومياه عُمان الإقليمية، فضلاً عن سوابق تاريخية كمضيق تيران وكورفو ومضيق البوسفور. كما تربط الدراسة هذا الجدل بقوانين النزاعات المسلحة، معتبرة أن حالة الحرب القائمة بين إيران والولايات المتحدة تجعل تطبيق قواعد قانون البحار وحدها منقوصاً دون قوانين النزاع المسلح، وهو ما يمنح إيران، بحسب الدراسة، مسوّغاً إضافياً لتقييد مرور سفن الدول المعادية.

وتنتقل الدراسة إلى البعد الجيوستراتيجي، فتستعرض البدائل المطروحة لتجاوز أزمة هرمز، من خط أنابيب "بترولاين" السعودي وخط أبوظبي–الفجيرة، إلى التوسع في موانئ البحر الأحمر والتعويض عبر زيادة إنتاج دول خارج الخليج أو استخدام الاحتياطيات الاستراتيجية، لكنها تخلص إلى أن هذه البدائل جميعها تصطدم بعقبات جوهرية: محدودية الطاقة الاستيعابية لخطوط الأنابيب، تهديدات انصار الله للملاحة في البحر الأحمر، صعوبة تعويض الغاز القطري المسال تحديداً، وأهم من ذلك أن معظم الممرات البديلة (سورية والعراق ولبنان والأردن وفلسطين وباكستان) تقع في مناطق تشهد أعلى معدلات عدم الاستقرار السياسي عالمياً وفق مؤشر السلام العالمي. كما تلفت الدراسة إلى أن روسيا تحقق مكاسب متعددة من استمرار الأزمة، عبر ارتفاع أسعار الطاقة وصرف الأنظار عن الحرب الأوكرانية وزيادة اعتماد إيران عليها.

وفي محور مكانة نفط الخليج مستقبلاً، تستعرض الدراسة اتجاهاً تاريخياً لتراجع حصة النفط في سوق الطاقة العالمي من 46% مطلع السبعينيات إلى أقل من 30% حالياً، وتراجع حصة دول المضيق من تجارة النفط البحرية العالمية من 60% عام 1980 إلى 20% فقط، إضافة إلى تأثير محتمل، وإن محدوداً، للمشروعين الصيني (الحزام والطريق) والهندي (الممر الاقتصادي الهندي–الأوروبي) في تنويع طرق التجارة بعيداً عن هرمز.

أما من المنظور الإسرائيلي، فتستعرض الدراسة الأدبيات الإسرائيلية التي تصف هرمز بأنه "ذخر" لإيران، وتشير إلى أن "إسرائيل" ترى في تراجع أهمية المضيق مكاسب تتمثل في إفقاد إيران ورقة ضغط وتعزيز فرص اعتبار "إسرائيل" ممراً بديلاً للمشاريع الدولية، في حين ترى في تنامي تحكم إيران بالمضيق خطراً يعزز قدرتها التفاوضية والردعية، وإن كانت الدراسة تلاحظ أن ذلك قد يدفع أيضاً دولاً عربية أخرى نحو مزيد من التطبيع.

وتختم الدراسة بمحور "البجعة السوداء"، مستعرضة سيناريوهات قليلة الاحتمال لكن بالغة الأثر، إيجاباً كتسوية الصراع الخليجي الإيراني أو سلباً كاختراقات تكنولوجية في بدائل الطاقة أو اندلاع حرب إقليمية ممتدة، لتخلص في خاتمتها إلى أن مضيق هرمز لن يفقد أهميته في المدى القريب رغم تراجع نصيبه النسبي من نقل الطاقة، وأن نتائج الصراع على تطبيق حق المرور البريء ستكون محدداً رئيسياً لمستقبل إيران الاستراتيجي الإقليمي، في ظل تفاوت واضح في حجم الضرر الاقتصادي بين دول الخليج، حيث تُعدّ قطر والكويت وعُمان الأكثر تضرراً مقابل الإمارات والسعودية الأقل تضرراً.

لتحميل الدراسة من هنا


المصدر: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات

الكاتب: أ. د. وليد عبد الحي




روزنامة المحور