الثلاثاء 01 أيلول , 2026 03:25

لماذا ترفض المقاومة تسليم مرتفعات علي الطاهر؟

مرتفع علي الطاهر

تتحوّل مرتفعات علي الطاهر، في الأيام الأخيرة، إلى نقطة اختبار حقيقية لمعادلة أعمق بكثير من مصير موقع عسكري واحد، فالمعركة الدائرة حول هذه التلة الواقعة شمال نهر الليطاني تختصر في جوهرها الصراع على من يملك حق تقرير مصير الأرض اللبنانية: هل تقرره سيادة الدولة وقرارها الداخلي، أم إنذار إسرائيلي تتولى واشنطن نقله وتغليفه بلغة "الحلول الإنسانية"؟

منذ نحو شهر، طرح رئيس الجمهورية جوزيف عون على حزب الله فكرة إخلاء الموقع وتسليمه للجيش اللبناني، على قاعدة أن ذلك يسحب الذريعة من "إسرائيل" ويمنعها من مواصلة عملياتها. يومها جاء الرفض حازماً وكاملاً، لأن فهم المقاومة للمسألة لم يكن يوماً محصوراً بمصير تلة بعينها، بل بالمعادلة الأشمل التي يُراد فرضها على امتداد الجغرافيا اللبنانية. واليوم، يعود الطرح نفسه بصيغة أكثر وضوحاً ومباشرة، مترافقاً مع ضغط عسكري إسرائيلي متصاعد، وتسريبات نقلتها "هيئة البث الإسرائيلية" عن مسؤول أميركي يربط علناً بين وقف إطلاق النار في الجنوب وبين انسحاب حزب الله من المرتفعات وتسليمها للجيش، في ما يشبه تبنياً أميركياً صريحاً للشرط الإسرائيلي.

اللافت في هذا المسار أنه يعيد إنتاج نمط سبق أن جرّبه العدو خلال الأشهر الخمسة عشر الفاصلة بين حربي 2024 و2026، حين كان يحدد المواقع التي يريد إخلاءها أو تفتيشها، فيما يتولى الأميركيون الضغط على الدولة اللبنانية، ويُطلب من الجيش تسلّم المهمة تحت تهديد استمرار القصف أو التوغل البري. واليوم يتكرر السيناريو ذاته حول علي الطاهر، وسط حصار ناري وأمني متواصل تفرضه "إسرائيل" على المنطقة، ترافقه روايات متضاربة عن منشآت تحت الأرض ومقاتلين محاصرين ومخزون إمداد بين النفاد والاكتفاء، وهي روايات تخدم في النهاية هدفاً مزدوجاً: تبرير القصف المستمر من جهة، وتقديم التسليم بوصفه "تسوية تحفظ ماء الوجه" من جهة أخرى، بينما يبقى الهدف الحقيقي انتزاع الموقع من دون دفع كلفة اقتحامه ميدانياً، خصوصاً بعدما أظهرت المواجهات الأخيرة، وفي مقدمتها استهداف قوة هندسية إسرائيلية وسقوط إصابات في صفوفها، أن السيطرة الكاملة على هذه التلال ليست عملية مجانية كما يحاول الاحتلال الإيحاء.

في المقابل، تنطلق قناعة حزب الله من معادلة معاكسة تماماً: إذا كان مقدَّراً لهذا الموقع أن يسقط، فليكن ذلك بعد قتال وصمود لا عبر استسلام طوعي، ذلك أن الانسحاب من دون أي ضمانة ملزمة لا ينزع الذريعة عن "إسرائيل"، بل يكرّس فاعلية التهديد ويشجعها على تكراره في مواقع أخرى. كما أن دخول الجيش اللبناني إلى الموقع لا يضمن بحد ذاته امتناع العدو عن قصفه أو اجتياحه أو طلب تفتيشه لاحقاً، فالتجربة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الأول في تشرين الثاني 2024 قدّمت أدلة كافية على أن "إسرائيل" لا ترى في انتشار الجيش أي قيد فعلي على حركتها، وآخر الأمثلة ما جرى في بلدة المنصوري حين اقتحمت قوات الاحتلال مكاناً كان الجيش متمركزاً فيه.

ولا تملك السلطة اللبنانية، برئاسة عون نفسه، أجوبة شافية عن الأسئلة الجوهرية التي يطرحها هذا السيناريو: ماذا يحصل إذا أخلى الحزب الموقع وانتشر الجيش فيه، ثم ادّعت إسرائيل وجود منشآت لم تُفكّك أو أسلحة بقيت مخبأة أو مقاتلين عادوا إليه؟ ومن يضمن ألا يطلب جيش الاحتلال دخوله "للتحقق"، أو ألا يقصفه بذريعة إزالة تهديد مفترض؟ فواشنطن، من جهتها، لا تقدّم أي ضمانة تتجاوز وعوداً سياسية أثبتت الوقائع أنها قابلة للتراجع كلما رفعت تل أبيب سقف مطالبها، ما يضع الجيش اللبناني، من حيث لا يريد، في موقع الجهة التي تتسلّم مواقع المقاومة بناءً على لوائح إسرائيلية، فيما يحتفظ العدو لنفسه بحرية العمل في أي مكان وزمان من دون أي انسحاب كامل مقابل.

وهنا تكمن الإشكالية التي تتجاوز مستقبل علي الطاهر بحد ذاته: فقبول هذا المقترح يعني إقراراً ضمنياً بحق إسرائيل في تحديد المواقع التي تريد إخلاءها داخل لبنان، ثم فرض تسليمها للجيش تحت وطأة النار، وإذا نجحت هذه الآلية مرة واحدة، فلن يبقى ما يمنع تكرارها في مناطق أخرى يطمع بها العدو بشدة، من معسكرات المقاومة في إقليم التفاح والبقاع الغربي، إلى جبال وتلال صافي والرفيع والريحان، وصولاً إلى أي موقع آخر في الجنوب أو البقاع أو الهرمل. والحقيقة أن التحركات العسكرية الإسرائيلية بمجملها تكشف أن الهدف ليس معالجة "تهديد موضعي" مزعوم في علي الطاهر، بل فتح منفذ عملياتي باتجاه النبطية وإقليم التفاح وجبل الريحان، وهو ما يمنح هذه السابقة، في حال تحققت، خطورة إضافية كونها تقع خارج النطاق الجغرافي الذي حدده القرار الدولي 1701، بما يجعلها جزءاً من مسعى إسرائيلي أوسع لتعديل الحدود الفعلية لهذا القرار وتوسيع صلاحياته تدريجياً شمال الليطاني على حساب دور "اليونيفل".

يحرص حزب الله على توضيح أن لا مشكلة لديه من حيث المبدأ في انتشار الجيش على كامل الأراضي اللبنانية، فقد سبق أن سلّمه عشرات المواقع جنوب الليطاني ضمن ترتيبات متفق عليها تطبيقاً للقرار 1701 واتفاق وقف الأعمال العدائية لعام 2024. لكن المسألة اليوم مختلفة جوهرياً، لأن الخلاف لا يدور حول مبدأ الانتشار، بل حول الجهة التي تقرر توقيته وأهدافه وحدوده: هل يجري ذلك في سياق استراتيجية دفاعية وقرار لبناني سيادي داخلي، أم استجابة لإنذار إسرائيلي تنقله واشنطن؟ وهل يدخل الجيش إلى موقع أخلته المقاومة ضمن تسوية متكاملة تضمن انسحاب العدو ووقف اعتداءاته، أم تتراجع المقاومة خطوة فيما تبقى إسرائيل محتلة ومتأهبة لتقديم لائحة أهداف جديدة؟

من هنا يرى الحزب أن تسليم علي الطاهر لن يقفل جبهة بل سيفتح جبهات كثيرة، ولن يحمي الموقع بالضرورة من الاحتلال، بل سيعفي إسرائيل من كلفة السيطرة عليه ويمنحها نموذجاً قابلاً للتعميم على مناطق أخرى. أما الرهان على أن تكتفي تل أبيب بهذه المرتفعات فيتجاهل طبيعة الاستراتيجية الإسرائيلية القائمة أصلاً على توسيع المطالب كلما تحقق مطلب سابق من دون مقابل، فيما تبقى ثقافة المقاومة، متمسكة بمبدأ القتال والمواجهة حتى أقصى الحدود الممكنة، مع مرونة ميدانية تقوم على رفع كلفة التقدم والاحتلال على القوى المهاجمة، لا على تسليم المواقع طوعاً تحت أي غطاء سياسي أو إنساني.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور