من الصعب قراءة الخطاب "الإسرائيلي" الأخير حول ما يسمى "غزة الجديدة" أو "رفح الخضراء" خارج سياق البنية العميقة التي تحكم علاقة القوة الاستعمارية بالمجتمعات الخاضعة لها. فمنذ اللحظة الأولى لقيام المشروع الصهيوني، شكّلت السيطرة على الأرض وطمس الذاكرة وإعادة تصنيع الجغرافيا أدواتٍ أساسية لإعادة صياغة الواقع السياسي. لكن ما يجري اليوم في رفح يتجاوز حدود التلاعب الإعلامي التقليدي، ليكشف عن أزمة بنيوية تُصاب بها "إسرائيل" كلما اصطدمت بعامل لا تستطيع السيطرة عليه: الإنسان الفلسطيني الذي يرفض الرحيل.
إن ترويج الاحتلال لفكرة إنشاء "مدينة رفح الخضراء" ليس سوى حلقة جديدة في سردية استعمارية تقوم على الخداع الممنهج، لكن الأهم أنه مؤشر على الذعر "الإسرائيلي" بعد الضربة القاصمة التي تلقّاها جيش الاحتلال على أيدي المقاومة في غزة. لقد حفرت تلك الضربة في عمق الوعي "الإسرائيلي" فجوة دائمة بين ما يراه الاحتلال في نفسه "كقوة لا تُقهر"، وبين حقيقة أن المقاومة قادرة على إعادة تشكيل موازين القوة متى شاءت، وبطرق لا تستطيع المنظومة الأمنية "الإسرائيلية" استيعابها أو التنبؤ بها.
وفي لحظة انكشاف هذا العجز، تلجأ إسرائيل إلى ما تجيده: صناعة الأوهام.
لكن "الوهم العمراني" الذي تطرحه اليوم، لا يستهدف إعمارًا ولا إعادة بناء. إنه محاولة لإعادة صياغة البيئة الجغرافية بما يخدم منطق السيطرة، عبر تسوية الأرض، وضرب الأنفاق، وإعادة تشكيل المشهد الميداني بما يلائم خريطة الاحتلال. ولكن ما تبيعه "إسرائيل" للغرب على أنه مشروع "حضاري" أو "إنساني" لا يتجاوز في واقعه كونه مخيمًا من الخيام تحت الاحتلال، تحكمه إدارة أمنية هدفها الأساسي تجريد المقاومة من السلاح، عبر ربط أي انسحاب أو أي تقدم في اتفاقية شرم الشيخ بعملية نزع السلاح.
هكذا يصبح "الإعمار" مجرد لغة تجميلية تُغطي عملية عسكرية مؤجلة، ومرحلة تفاوضية مشروطة، وشبكة ضغوط "أميركية – إسرائيلية" مشتركة.
أولاً: مرحلة ضبابية يخشاها الاحتلال
الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاقية شرم الشيخ يعني انسحاب الاحتلال من مناطق واسعة من غزة، وخصوصًا رفح وخان يونس. ولذلك، فإن قبول "إسرائيل" بهذا الانتقال يعني أنها قبلت ضمنيًا بخسارة قدرتها على التحكم المباشر بالميدان. ومن هنا، يصبح ترويج "رفح الخضراء" مجرد محاولة لشراء الوقت، وخلق انطباع بأن الاحتلال يملك خطة بديلة تقيه لحظة الاعتراف بالهزيمة.
"إسرائيل" تعلم أن التقدم نحو المرحلة الثانية ليس مجرد إجراء عسكري، بل اعتراف بالحدود الحقيقية لقوتها.
ثانيًا: مشروع يناقض العقيدة الصهيونية نفسها
لعقود طويلة، اعتمد المشروع الصهيوني على مبدأ التضييق على الفلسطيني ودفعه نحو الرحيل الطوعي. وعندما تفشل هذه الاستراتيجية، تنتقل "إسرائيل" إلى استراتيجية أشد قسوة. لذلك، من الصعب تصور أن الهدف من "رفح الخضراء" هو توفير مسكن أفضل للغزيين، في الوقت الذي تواصل فيه "إسرائيل" منع إدخال أي مواد إعمار.
هذا التناقض يكشف أن المشروع عمرانيًّا فقط على الورق، لكنه أمني بالكامل في الميدان.
ثالثًا: مدينة بلا سكان هي قبر بلا روح
تحتاج أي مدينة إلى سكان، و"إسرائيل" تعرف أن الفلسطينيين لا ينتقلون من بيوتهم إلى مخيمات بأمر عسكري. لقد فشلت كل مشاريع التهجير السابقة رغم حجم الإجرام المستخدم، فما بالك بمشروع تسوّقه "إسرائيل" على أنه "مدينة جديدة" فيما هو في الحقيقة موقع احتجاز أكبر حجمًا؟
إن البيت الفلسطيني ليس جدرانًا، بل ذاكرة وانتماء ومحيط اجتماعي، ولهذا تفشل كل محاولات "إعادة التوطين" التي تتخيلها السلطات "الإسرائيلية" كأنها عملية نقل تقني للناس من مكان إلى آخر.
رابعًا: أميركا تريد الاستقرار… ولكن بالصيغة التي تخدمها
من الواضح أن الإدارة الأميركية تدفع باتجاه مرحلة ثانية من الاتفاق، لأنها ترى في وقف إطلاق النار مصلحة استراتيجية. لكن واشنطن، كالعادة، تريد استقرارًا وظيفيًا يخدم هندسة سياسية أوسع، لا استقرارًا حقيقيًا يعيد للفلسطينيين حقوقهم. وهنا يلعب مشروع "رفح الخضراء" دور أداة الضغط التي تُستخدم لترهيب المقاومة من أن التسويف سيؤدي إلى واقع ميداني جديد تفرضه "إسرائيل".
لكن هذا الضغط لا يعمل إلا على الورق، لأن الواقع على الأرض تحدده المقاومة لا الخرائط الأميركية.
خامسًا: اكذوبة قبل السقوط
تسعى "إسرائيل" عبر هذا المشروع إلى إيصال رسائل متعددة:
لكن الحقيقة أن كل هذه الرسائل دفاعية، تصدر عن كيان يخشى الاعتراف بالعجز السياسي والعسكري، ولذلك يبني أوهامًا عمرانية ليُغطي هشاشته الاستراتيجية.
إن "رفح الخضراء" ليست سوى عنوان جديد في سلسلة الأكاذيب "الإسرائيلية" التي تُستخدم كمحاولة أخيرة قبل الاعتراف الفعلي بالهزيمة أمام واقع لا تستطيع القوة العسكرية تغييره:
شعبٌ يصر على البقاء، ومقاومة لا يمكن نزع سلاحها، وبيئة سياسية تتغير بطريقة لا ترضخ للرغبات "الإسرائيلية" ولا الأميركية.
وفي النهاية، سيكتشف الجميع أن المدينة التي أرادتها "إسرائيل" مشروعًا للهندسة الديموغرافية، ليست سوى شاهد إضافي على انهيار قدرتها على فرض إرادتها.
فالخسارة الحقيقية ليست في عدم بناء "رفح الخضراء"، بل في الاضطرار للاعتراف بأن "إسرائيل" لم تعد تملك القدرة على هندسة غزة من جديد.
الكاتب: محمد الأيوبي