منذ السابع من أكتوبر تحوّل المشهد الفكري والسياسي الأميركي بصورة لافتة، إذ لم تعد العلاقة مع إسرائيل مسألة إجماع ثقافي أو سياسي كما كانت لعقود، بل موضوعاً للنقاش والانقسام وإعادة التقييم. هذا التحول لم ينبع من زوايا سياسية ضيقة، بل تشكل داخل الجامعات ومراكز البحث ومنابر الإعلام، حيث بدأت النخبة الفكرية الأميركية، بأطيافها المتنوعة، تنظر إلى الصراع في فلسطين بمنظور أكثر نقداً، وأكثر حساسية للأبعاد الإنسانية والحقوقية، مما أسّس لمرحلة جديدة في فهم الخطاب الأميركي تجاه المنطقة.
الدراسة المرفقة أدناه من إصدار مركز الزيتونة للدراسات للكاتب أ.د. وليد عبد الحي، تبيّن أن طوفان الأقصى شكّل نقطة تحوّل داخل النخبة الفكرية والسياسية الأميركية، إذ أعاد فتح النقاش حول العلاقة الأميركية-الإسرائيلية وأثرها على صورة الولايات المتحدة وقيمها. وقد أوضحت الورقة أن النخبة الفكرية الأميركية، أساتذة الجامعات، كتّاب الرأي، الباحثون، الفنانين والمثقفين، بدأت تُظهر تحولاً واضحاً نحو انتقاد السياسات الإسرائيلية في غزة ورفض الدعم الأميركي غير المشروط لها.
كما تعرض الدراسة خرائط دقيقة لتغير المواقف داخل النخبة، حيث أظهرت أن نحو 37.5% من المفكرين الأميركيين غيّروا مواقفهم باتجاه أكثر نقداً لإسرائيل وتعاطفاً مع الفلسطينيين، بينما حافظ آخرون على موقف التأييد التقليدي، وانقسمت البقية بين تأييد صريح لإسرائيل ومواقف حيادية نسبياً. هذا التحول ارتبط أيضاً بحراك طلابي وجامعي واسع شمل أكثر من 500 مؤسسة تعليمية، اتسم بمساندة واضحة للفلسطينيين.
وتشير الدراسة كذلك إلى أن قضية إعادة إعمار غزة شكّلت ميداناً لتباين سياسي داخل الولايات المتحدة، حيث دعمت النخب الديمقراطية المشاركة الأميركية في الإعمار بنسبة 70%، مقابل 24% فقط بين الجمهوريين، مما يعكس اتساع الفجوة بين المرونة الديمقراطية والتشدد الجمهوري في هذا الملف.
وتسجّل الورقة أن مظاهر هذا التحول تمثلت في: زيادة الانتقادات الفكرية لإسرائيل، تصاعد التشكيك في حيادية الإعلام الأميركي التقليدي، تساؤلات حول ازدواجية المعايير، إضافةً إلى إعادة النظر في مكانة اللوبي الإسرائيلي داخل منظومة القرار الأميركي، خصوصاً في المقاربات التي طرحها مريشماير ووالت حول تأثير هذا اللوبي على السياسة الخارجية الأمريكية.
وبحسب الدراسة، فقد جاء الرد الإسرائيلي على هذا التحول بتقليل قيمته، واعتباره إشكالاً إعلامياً أو مجرد أزمة علاقات عامة، لا مؤشراً على شرخ أعمق في الوعي الأميركي. لكن إسرائيل أيضاً أبدت قلقاً خفياً من تغيّر الرأي العام الأميركي خاصة بين الشباب، واعتبرت أن الجامعات الأميركية قد تتحول إلى "مختبر رأي" يولّد بيئة غير صديقة لها على المدى الطويل.
وفي الخلاصة، ترى الدراسة أن طوفان الأقصى فتح شرخاً تاريخياً في تصور النخبة الأميركية لإسرائيل، وأن هذا التحول - رغم أنه لا يزال في مراحله الأولى - يملك قابلية التراكم والتفاعل، وقد يترجم في السنوات المقبلة إلى تراجع أكبر في الدعم الشعبي والسياسي لإسرائيل، خصوصاً مع تنامي الخطاب الحقوقي والإنساني داخل الثقافة الأكاديمية الأميركية. وتوصي الدراسة بضرورة استثمار هذا التحول فلسطينياً وعربياً بعقلانية مدروسة وبعيداً عن المبالغة أو الاستهانة.
لتحميل الدراسة من هنا
المصدر: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات
الكاتب: أ. د. وليد عبد الحي