يُعدّ الوجود المسيحي في فلسطين واحدًا من أقدم وأعمق الأبعاد الحضارية والدينية في الشرق الأوسط، إذ يمتدّ هذا الوجود إلى القرون الأولى للمسيحية، ويرتبط بالمكانة الروحية العالمية للقدس وبيت لحم والناصرة وسائر المدن الفلسطينية التي شكّلت محورًا أساسيًا في تكوين الهوية الدينية للإنسانية جمعاء. وعلى الرغم من أن المسيحيين الفلسطينيين كانوا عبر التاريخ مكوّنًا رئيسيًا في النضال الوطني، وركيزة اجتماعية وثقافية أساسية، فقد تعرّضوا –خاصة بعد الاحتلال الإسرائيلي عام 1948 ثم 1967– إلى سياسة ممنهجة من التهميش والتهجير وطمس الهوية ومحاصرة الوجود الديمغرافي، في إطار مشروع استيطاني يسعى لإعادة تشكيل فلسطين ديمغرافيًا وثقافيًا وسياسيًا.
وبالتوازي مع ذلك، فقد كان المسيحيون الفلسطينيون –في فلسطين التاريخية وفي الشتات– جزءًا أساسيًا من الحركة الوطنية، وشاركوا في المقاومة السياسية والحقوقية والدبلوماسية، وفي الدفاع عن المقدسات المسيحية والإسلامية، وفي كشف مشاريع الاحتلال التي تسعى لتفريغ البلاد من سكانها الأصليين وتزوير روايتها التاريخية. هذا التداخل بين البعد التاريخي والبعد السياسي والبعد القانوني يجعل دراسة أوضاع المسيحيين في فلسطين ضرورة لفهم طبيعة الصراع وبنية المشروع الاستعماري الإسرائيلي الذي يستهدف جميع الفلسطينيين بلا استثناء.
لابد من استذكار الوجود التاريخي للمسيحيين في فلسطين، حيث تبدو جذورهم عميقة قبل الاسلام وبعده، إذ تمثل فلسطين، وبخاصة القدس والناصرة وبيت لحم، موطن نشأة المسيحية ومسرح حياة السيد المسيح وتعاليمه، ما جعلها مركزًا روحيًا عالميًا منذ القرن الأول الميلادي. هذا المعطى التاريخي لم يمنح فلسطين فقط قيمة دينية، بل أسّس لحضور بشري–ثقافي مستمر للمسيحيين عبر القرون.
تستعرض الدراسة المرفقة أدناه، الجذور العميقة للوجود المسيحي في فلسطين باعتباره مكوّنًا تاريخيًا أصيلًا في نسيج المجتمع العربي الفلسطيني منذ القرون الأولى للمسيحية، وتبرز دوره الحضاري والوطني في مختلف العصور، من البيزنطي مرورًا بالعهد الإسلامي، وصولًا إلى العهد العثماني، حيث تكرّس التعايش الإسلامي–المسيحي كواقع اجتماعي أصيل يفنّد الادعاءات الصهيونية حول الانقسامات الداخلية.
كما توضح الدراسة المكانة السياسية والثقافية للمسيحيين الفلسطينيين قبل النكبة، ودورهم الريادي في الصحافة والتعليم والاقتصاد والحركة الوطنية العربية، ثم تصف لحظة 1948 وما تبعها من تهجير قسري للمسيحيين واستيلاء منظم على ممتلكاتهم ومدنهم وهويتهم العمرانية والاجتماعية.
وتتعمّق الدراسة في التحولات الخطيرة بعد احتلال القدس 1967، مع تفصيل منهجي للسياسات الإسرائيلية التي استهدفت الوجود المسيحي عبر سحب الهويات، تعقيد لمّ الشمل، تقييد البناء والترميم، والضغط الاقتصادي، ما أدى إلى نزيف ديمغرافي حاد وهجرة مسيحية قسرية غير مباشرة.
كما تتناول الدراسة الدور النضالي والسياسي والفكري للمسيحيين الفلسطينيين عبر شخصيات محورية مثل جورج حبش ونايف حواتمة وإميل حبيبي وغيرهم، وتبرز مساهماتهم في المقاومة الفكرية والسياسية والدبلوماسية والقانونية، إضافة إلى نشاط المؤسسات الكنسية في توثيق الجرائم ورفع الدعاوى الدولية ضد الاحتلال.
ثم ترصد الدراسة سياسات الاحتلال في تفريغ المناطق المسيحية، والاستيلاء على العقارات الكنسية عبر صفقات مشبوهة والتضييق القانوني والضرائبي، ومحاولات صناعة هوية "مسيحية إسرائيلية" لإحداث شرخ اجتماعي، وخلق تصور مغلوط في الغرب عن دعم المسيحيين لإسرائيل.
وتعرض الدراسة الإطار القانوني للانتهاكات مستخدمة اتفاقية جنيف الرابعة ونظام الجنائية الدولية واتفاقية لاهاي، وتشرح كيف تُعتبر سياسات الترحيل غير المباشر، الاستيطان، التمييز، وتغيير الطابع الديني والثقافي للمدينة المقدسة جرائم دولية قابلة للملاحقة.
وتختتم الدراسة باستراتيجية مواجهة تشمل بناء خطاب وطني موحد، تفعيل الدبلوماسية الكنسية، تعزيز صمود القدس اقتصاديًا واجتماعيًا، وبناء تحالف مؤسسي بين الأوقاف المسيحية والإسلامية، لتثبيت الهوية الفلسطينية الجامعة وتفويت محاولات الفصل الطائفي.
لتحميل الدراسة من هنا