الثلاثاء 02 كانون الاول , 2025 04:01

حزب الله في خطاب ترامب: حضور إعلامي غائب عنه العمق السياسي

ترامب والشيخ نعيم قاسم

تظهر مقاربة دونالد ترامب لحزب الله ضمن خطاباته على مدى السنوات الأخيرة باعتبارها تعبيرًا عن رؤية غير متماسكة وذات طابع استعراضي، أكثر منها قراءة سياسية واقعية أو معرفية. فذكر الحزب غالبًا ما يأتي إما للتعبير عن انتصار متخيَّل على "خصمٍ" خارجي، أو للاستخدام كأداة دعائية داخل سياق تعبوي يستهدف جمهوره المحلي والأطراف الإقليمية الحليفة لواشنطن. هذا الحضور الهش في خطابه يعكس، في خلفياته، نقصًا في المعرفة بتاريخ الحزب وتعقيدات الواقع اللبناني، ويترافق مع جهلٍ أوسع بمنطقة الشرق الأوسط وتاريخها السياسي والاجتماعي.

خلال ولايته الأولى، دعا ترامب في 13 يناير 2018 حلفاءه إلى إدراج حزب الله ضمن قائمة المنظمات الإرهابية، ثم عاد في مايو 2020 ليصف الحزب بأنه تهديد للشرق الأوسط، وذلك بالتزامن مع ترويج نفسه كرئيس قادر على الحسم والردع بعد مشاركته في اغتيال سليماني. يومها، لفت الانتباه ربط ترامب انتقاده للحزب بالدعوة إلى دعم الجيش اللبناني، في تكرار للنبرة الأميركية التقليدية التي تريد إقصاء المقاومة من معادلة الدفاع الوطني اللبناني.

ثم جاءت مرحلة ما بعد 7 أكتوبر 2023 لتكشف تقلب شخصية ترامب وتوظيفه الخطابي، فقد وصف حزب الله بأنه "ذكي جداً"، في تصريح بدا مثيرًا للاستغراب يعود لقصد السخرية من المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، أكثر من كونه اعترافًا إيجابيًا بحزب الله. هذه العبارة ولّدت موجة انتقادات عاصفة داخل الولايات المتحدة، كونها كُسرت عن السردية الأميركية الثابتة التي تصنّف الحزب ضمن "عدو غير عقلاني".

يترافق هذا الاستخدام المتذبذب مع مرحلة الحرب على غزة ثم لاحقًا لبنان، حيث يتوقف ترامب تمامًا عن ذكر الحزب علنًا، وهو صمتٌ لافتٌ يشير إما إلى إدراك لحساسية المرحلة، أو إلى عدم امتلاك مادة حقيقية للحديث.

ومع عودة ترامب إلى الرئاسة مطلع 2025، بدا الخطاب أكثر انفصالًا عن الواقع. ففي 8 يناير 2025 طرح فرضية مشاركة حزب الله في أحداث اقتحام الكابيتول عام 2021، ادعاء بلا أي سندٍ معلوماتي، وبلا أي سياق منطقي. بدا هذا الكلام أقرب إلى محاولة لصرف الأنظار عن مسؤولية قاعدته الانتخابية الداخلية، عبر تحميل "عنصر خارجي" ذلك العبء، حتى لو كان ذلك عنصرًا لا علاقة له بالحدث مطلقًا.

كما انعكس الموقف الأميركي الرسمي عبر مورغان أورتاغوس، التي زارت بيروت وأعلنت معارضة واشنطن لمشاركة الحزب بالحكومة مؤكدة "انتهاء عهد الترهيب". هذا التصريح الذي لم يصدر حرفيًا من ترامب لكنه يمثل رؤيته كما تمارسها الإدارة، يعبر عن رغبة الأميركيين بإعادة ترتيب السلطة الداخلية اللبنانية وفق شروطهم.

عندما خطب ترامب في منتدى الاستثمار السعودي-الأميركي في 13 مايو 2025، قدّم رواية تُرضي المستمعين الخليجيين: إيران "قوة مدمرة"، وحزب الله "جلب البؤس ونهب الدولة". هنا يتضح أن الخطاب كان مصممًا للموسيقى السياسية المطلوبة في الرياض، ولا يعكس معرفة حقيقية بالوقائع اللبنانية ولا بشبكة الفساد المالي التي ترتبط تاريخيًا بالنظام المصرفي اللبناني، وليس بالحزب.

وعلى مستوى التعبير، يتكرر نمط ترامب، حيث لا يخصص فقرة كاملة للحزب في أي خطاب، بل يقتصر على جملة مصنوعة، سريعة، استعراضية. عباراته: "تم تدميره"، "انتهى"، "خنجر تحطم"، "يشكل تهديدًا"، تعكس سطحية معرفية وتكرارًا للخطاب الإعلامي الأميركي الشائع.

يتضح من ذلك أن ترامب لا يبني موقفه بناءً على جهاز معلوماتي أو استخباري جاد، بل عبر إدراك شعبي بسيط، غير تاريخي وغير جيوسياسي. ربما تعود هذه الظاهرة إلى طبيعة ترامب الشخصية: رجل أعمال لا علاقة له بالسياسة الفكرية أو بالتاريخ الاستراتيجي، يُختزل العالم لديه بمنطق الصفقة، والربح والخسارة، والتحشيد الجماهيري.

كما يجب الأخذ بالاعتبار أن مواقف ترامب حول الحزب لا تُشتق منه شخصيًا فقط، وإنما من بيئةٍ استشارية تحيط به، شخصيات من أصل لبناني، أو دبلوماسيين يضغطون لإعادة تشكيل الواقع اللبناني، أو برلمانيين أميركيين يرفعون مذكرات تطالب بنزع السلاح وفرض إصلاحات وفق أجندة سياسية محددة. هذه البيئة هي التي تغذي ترامب بالمفردات الجاهزة، ما يؤكد أن حضوره في خطاباته ليس ناتجًا عن معرفة شخصية، بل عن ترداد ما يسمعه.

في الخلاصة، يبدو حضور حزب الله في خطاب ترامب هامشيًا وغير محترف، يتسم بالضحالة اللغوية والمعرفية، ولا يعكس رؤية مستقلة أو فهمًا للتركيب اللبناني أو لدور الحزب في مسار الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي. يظهر ترامب هنا كزعيم استعراضي يستخدم حزب الله كرمز تعبوي، لا كمكوّن فعلي في معادلات المنطقة، وهو ما يجعل مقاربته للحزب تعبيرًا عن غياب الفهم، أكثر من كونها تعبيرًا عن موقف سياسي متكامل.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور