الثلاثاء 02 كانون الاول , 2025 04:34

المبادرة العربية للسلام: هكذا ارادت السعودية وأد القضية الفلسطينية لتُرضي أمريكا!

يستند المعسكر الاستسلامي العربي، كلما أراد تحضير الأجواء للتطبيع مع الكيان المؤقت، وإبرام اتفاقيات اذعان لإسرائيل ومحاولة وأد القضية الفلسطينية والتخلّص من خيار المقاومة، الى إعادة تفعيل ما يُسمى بـ "مبادرة السلام العربية"، التي سبق لأرييل شارون أن وصفها بأنها "لا تساوي الحبر الذي كُتب به"، والتي لم لتكن أصلاً موجودة -أي المبادرة -، لولا رغبة السعودية بزعامة ولي عهدها يومذاك عبدالله بن عبد العزيز إقرار الجامعة العربية لها، بهدف الحصول على رضا الرئيس الأمريكي وقتذاك جورج بوش الابن عن السعودية. لكن الرئيس الأمريكي بوش خيّب آمال حاكم السعودية الفعلي، حينما رفض استقبال الوفد الوزاري العربي الذي كان يريد زيارته لشرح تفاصيل هذه المبادرة، بل وقام بإطلاق مبادرته "خارطة الطريق" كتعبير عن قتل المبادرة العربية في مهدها.

وهذا ما كشفه وزير الخارجية السوري فاروق الشرع، في الجزء الثاني من كتاب مذكراته الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، حيث أشار إلى أن "الحماسة السعودية للاتفاق على مبادرة السلام العربية أشد من حماسة العرب الآخرين، لا سيما أن هجمات الحادي عشر من أيلول / سبتمبر، المتهم بها بعض مواطنيها ممن سيتضح أنهم أعضاء في تنظيم القاعدة، لم يمر عليها سوى بضعة أشهر، ما جعلها أكثر اندفاعًا لإعطاء الانطباع للأميركيين وللعالم بأن المملكة داعية سلام وليست داعية حرب".

أمّا عمن قام بصياغة هذه المبادرة، فكانت المفاجأة الكبرى، حيث لم تكن سوى ترجمة عربية سعودية - بدون تصرف وبدون تدقيق وبدون مراعاة لحقوق الشعب الفلسطيني - لمقترح قدمه الصحافي الأمريكي "توماس فريدمان" الى الأمير السعودي. وهذا ما بيّنه الشرع قائلاً: "كان لدي فضول لا حدود له في أن أعرف من أين أتى هذا النص. طبعا كنت أرجح أنه أتى من الأميركيين وليس من الإسرائيليين؛ لأن الإسرائيليين لا يستخدمون كلمة الانسحاب بتاتا في أي وثيقة ولو على سبيل المجاملة الدبلوماسية. لكن من هم الأميركيون أصحاب المبادرة؟ اكتفيت بتعليق مختصر في صيغة سؤال حول خلو الفقرات من حق اللاجئين الفلسطينيين بالعودة إلى وطنهم، وهو ما كان لا بد من إضافته إلى المبادرة.

قال ولي العهد الأمير عبد الله الذي استفزته أسئلتي دون أن تفقده هدوءه العام الذي يتميز به، إن الصحافي توماس فریدمان زاره منذ عدة أسابيع، وتحدث معه مطولًا بأن العرب لا يبادرون إلى استعادة أراضيهم المحتلة، وينتظرون من إسرائيل أن تقدم على هذه الخطوة، ولكنه أي فريدمان متأكد أن الإسرائيليين لن يقدموا على هذه الخطوة مهما طال الانتظار. ولا تقدم الحكومة الأميركية على مبادرة إلا بموافقة إسرائيلية، وهذا لن يرضي العرب. إذا على العرب القيام بالمبادرة دون مزيد من الأوهام.

اقترح هذا الصحافي على ولي العهد السعودي الذي يؤمن بأن السلام في مصلحة الجميع، أن يتقدم بمشروع مبادرة لا تستطيع أن ترفضها إسرائيل من جهة، وتلبي الحقوق العربية بحدودها المعقولة من جهة أخرى، وترى الإدارة الأميركية فيها مخرجا من حالة الركود التي كانت تعانيها المنطقة؛ لأن حروب اليوم تدمر كل شيء، وهي غير حروب الأمس التي كانت في جانب منها مصدر إنعاش للتجارة والاقتصاد، بحسب قول فريدمان لولي العهد.

بعد صمت طويل، بيننا وبين الجانب السعودي، قطعه ولي العهد قائلا إنه لم يقرأ الورقة التي تسلمها من فريدمان بوجوده، ووضعها في درج المكتب لأنه لم يرد أن يعطيه جوابًا على ما ورد فيها، إذ إن الجواب - كما قال ولي العهد - هو من مسؤولية من لديهم أراض محتلة، والمملكة ليس لها أرض محتلة. ثم طلب من رئيس الديوان بعد أن انصرف الصحافي، أن يترجمها إلى العربية ويعيدها إليه، وأضاف موجها کلامه إلى الرئيس الأسد: أنتم أحرار، قبولا أو رفضًا أو بما ترونه مناسبًا، فنحن في المملكة يهمنا نجاح قمة بيروت ونجاح مبادرة السلام العربية في المقام الأول".

وفي مقطع آخر، يُورد الشرع كيف كان عبد الله بن عبد العزيز متعجلا لإقرار مبادرته دون أي اهتمام بحق العودة للاجئين الفلسطينيين: "كان ولي العهد السعودي عبد الله بن عبد العزيز متعجلا لإقرار المبادرة العربية للسلام لأنه بحدسه العفوي يعرف أن إسرائيل سترفض حق الفلسطينيين بالعودة إلى وطنهم، وقد قال لي في أحد لقاءاتنا العديدة بعد قمة بيروت: "كله منك يا أخ فاروق رفض الأميركان استقبال الوفد لأنك أصريت على حق العودة".

فصل "المبادرة العربية" في كتاب الشرع

ارتبط اسم "المبادرة العربية للسلام" بالعاهل السعودي الملك فهد بن عبد العزيز حيث طرحت مبادرة أولى علنا في القمة العربية في فاس عام 1982. أما المبادرة الثانية، التي نحن بصددها، فقد صدرت في قمة بيروت آذار / مارس 2002 باسم ولي العهد عبد الله بن عبد العزيز آل سعود، مع فارق نحو عشرين عاما بين المبادرتين اللتين حدثت بينهما زلازل في العالم منها احتلال العراق للكويت، وانهيار الأنظمة في شرق أوروبا وتفكك الاتحاد السوفياتي، وانتهاء معاهدة الصداقة والتعاون والمعونة المشتركة المعروفة بحلف وارسو.

رافقت القادة العرب قبل وصولهم إلى بيروت للمشاركة في مؤتمر القمة أجواء متوترة في المنطقة؛ فالقصف الأميركي الانتقامي حينها على أفغانستان تواصل والتصعيد الإعلامي ضد العراق كان أعلى ضجة من أي حديث عن السلام في قاعة مزينة بأعلام الدول العربية وبلمسة لبنانية، فضلا عن غياب الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، وهو المعني أكثر من غيره من الحكام العرب بالسلام، وهو سجين المقاطعة (مقر السلطة الفلسطينية برام الله) وممنوع من مغادرتها، فكيف يستطيع السفر للمشاركة بالقمة في بيروت، التي كان قد أخرج منها تحت الحراب الإسرائيلية عام 1982؟ لم يشفع للرئيس عرفات توقيعه اتفاق إعلان المبادئ بشأن ترتيبات الحكومة الذاتية الفلسطينية، أو اتفاق أوسلو عام 1993، الذي سمح له بأن يصبح رئيس سلطة بالتقسيط على الأرض الفلسطينية المزروعة بالحواجز العسكرية والمستوطنات الإسرائيلية.

دقت لحظة الحقيقة وأن للقادة العرب المجتمعين أن يختاروا بين السلام والحرب.

فقد كان العراق أيضًا تحت تهديد الرئيس الأميركي جورج بوش الابن، الذي لا يستطيع انتظار تقارير المفتشين الدوليين هانس بليكس ومحمد البرادعي)، حول وجود أو عدم وجود أسلحة الدمار الشامل في العراق. لقد نسي الكثير من القادة العرب في تلك القاعة البيروتية الهادئة أن من سيتعامل مع هذه المبادرة هو جورج بوش المنشغل بالحرب في أفغانستان، وأريئيل شارون الذي احتل بيروت بعد محاصرتها إبان الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982، فكيف سيكون تعامله وقد أصبح في عام 2002 يرأس حكومة في إسرائيل، ويمكنه أن يأمر جيشها بغزو أي موقع يشاء في المنطقة العربية؟

سبقت انعقاد قمة بيروت بعدة أسابيع اتصالات وزيارات متعددة إلى دمشق على مختلف الصعد والمستويات. من بين أهم من شملتهم هذه الزيارات ولي العهد السعودي الأمير عبد الله، والملك الأردني عبد الله الثاني، والرئيس المصري محمد حسني مبارك، والرئيس الإيراني محمد خاتمي، ونائبا الرئيس العراقي عزة إبراهيم الدوري وطه ياسين رمضان. كان الجميع يحاول معرفة ماذا يجري في المنطقة وماذا يمكن أن يرشح من قمة بيروت العربية.

لكن اللقاءات الأبرز كانت تلك التي عُقدت في بيروت في آذار / مارس على هامش القمة العربية بين الأمير عبد الله بن عبد العزيز والشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح تمهيدا لمصالحة طال انتظارها بين الكويت والعراق.

كانت الحماسة السعودية للاتفاق على مبادرة السلام العربية أشد من حماسة العرب الآخرين، لا سيما أن هجمات الحادي عشر من أيلول / سبتمبر، المتهم بها بعض مواطنيها ممن سيتضح أنهم أعضاء في تنظيم القاعدة، لم يمر عليها سوى بضعة أشهر، ما جعلها أكثر اندفاعًا لإعطاء الانطباع للأميركيين وللعالم بأن المملكة داعية سلام وليست داعية حرب.

كنت قد سافرت مع الرئيس بشار الأسد إلى الرياض في 5 آذار / مارس 2002 لنناقش مشروع المبادرة السلمية مباشرة مع الأمير عبد الله. كانت زيارة عمل قصيرة إلى قصر "السلام" بجدة، بدأناها بإلقاء التحية على الملك فهد بن عبد العزيز الذي أقعده المرض، ثم انتقلنا مباشرة إلى مكتب الأمير عبد الله الملاصق لنبدأ النقاش في لقاء حضره الأمير سعود الفيصل.

أطلعنا الأمير عبدا الله على نص المبادرة بالإنكليزية وترجمتها إلى العربية. قرأها الرئيس بشار الجالس قبالة ولي العهد على كرسي منفصل، ثم ناولني النص وطلب مني قراءته، فقرأته بإمعان مرتين، وقلت إنه في حاجة إلى بعض التعديلات. علق ولي العهد السعودي بتوتر غير معهود: إذا كنتم تريدون استعادة أرضكم فوافقوا على هذه المبادرة كما هي واتكلوا على الله. قلت له نحن العرب دائما نتوكل على الله.

كان لدي فضول لا حدود له في أن أعرف من أين أتى هذا النص. طبعا كنت أرجح أنه أتى من الأميركيين وليس من الإسرائيليين؛ لأن الإسرائيليين لا يستخدمون كلمة الانسحاب بتاتا في أي وثيقة ولو على سبيل المجاملة الدبلوماسية. لكن من هم الأميركيون أصحاب المبادرة؟ اكتفيت بتعليق مختصر في صيغة سؤال حول خلو الفقرات من حق اللاجئين الفلسطينيين بالعودة إلى وطنهم، وهو ما كان لا بد من إضافته إلى المبادرة.

الصحافي فريدمان في القصر الملكي

قال ولي العهد الأمير عبد الله الذي استفزته أسئلتي دون أن تفقده هدوءه العام الذي يتميز به، إن الصحافي توماس فریدمان زاره منذ عدة أسابيع، وتحدث معه مطولًا بأن العرب لا يبادرون إلى استعادة أراضيهم المحتلة، وينتظرون من إسرائيل أن تقدم على هذه الخطوة، ولكنه أي فريدمان متأكد أن الإسرائيليين لن يقدموا على هذه الخطوة مهما طال الانتظار. ولا تقدم الحكومة الأميركية على مبادرة إلا بموافقة إسرائيلية، وهذا لن يرضي العرب. إذا على العرب القيام بالمبادرة دون مزيد من الأوهام.

اقترح هذا الصحافي على ولي العهد السعودي الذي يؤمن بأن السلام في مصلحة الجميع، أن يتقدم بمشروع مبادرة لا تستطيع أن ترفضها إسرائيل من جهة، وتلبي الحقوق العربية بحدودها المعقولة من جهة أخرى، وترى الإدارة الأميركية فيها مخرجا من حالة الركود التي كانت تعانيها المنطقة؛ لأن حروب اليوم تدمر كل شيء، وهي غير حروب الأمس التي كانت في جانب منها مصدر إنعاش للتجارة والاقتصاد، بحسب قول فريدمان لولي العهد.

بعد صمت طويل، بيننا وبين الجانب السعودي، قطعه ولي العهد قائلا إنه لم يقرأ الورقة التي تسلمها من فريدمان بوجوده، ووضعها في درج المكتب لأنه لم يرد أن يعطيه جوابًا على ما ورد فيها، إذ إن الجواب - كما قال ولي العهد - هو من مسؤولية من لديهم أراض محتلة، والمملكة ليس لها أرض محتلة. ثم طلب من رئيس الديوان بعد أن انصرف الصحافي، أن يترجمها إلى العربية ويعيدها إليه، وأضاف موجها کلامه إلى الرئيس الأسد: أنتم أحرار، قبولا أو رفضًا أو بما ترونه مناسبًا، فنحن في المملكة يهمنا نجاح قمة بيروت ونجاح مبادرة السلام العربية في المقام الأول.

كان في مشروع المبادرة التي حملها فريدمان ثغرات عديدة، من أهمها غياب تام لحق العودة للاجئين الفلسطينيين. أوضحت ذلك أكثر من مرة، فاقترح ولي العهد أن أنسق مع وزير الخارجية سعود الفيصل ونأخذ موافقة جامعة الدول العربية؛ لأن وزراء الخارجية من وجهة نظره يعرفون أكثر من غيرهم أ أنسب الطرق لإقناع الجميع فهم لديهم باع بالاتصالات أطول مما لدى الآخرين.

اتفقت مع الأمير سعود الفيصل على لقاء قريب في القاهرة يشارك فيه أحمد ماهر وزير خارجية مصر على هامش اجتماع مجلس الجامعة الدوري المقرر انعقاده قبل نهاية آذار / مارس موعد القمة المرتقبة. اجتمعنا نحن الوزراء الثلاثة؛ أي وزراء خارجية "المثلث الذهبي" كما يحلو للسفير المصري محمود شكري بدمشق إطلاقه على اللقاءات السورية - المصرية - السعودية آنذاك، واتفقنا على تثبيت قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 194 الذي يكفل حق العودة للاجئين الفلسطينيين في نص المبادرة. وكنا قد ناقشنا قبل يومين خلال اللقاء مع الرئيس اللبناني إميل لحود الذي سيرأس القمة أهمية حق العودة للاجئين الفلسطينيين في المبادرة العربية للسلام. وهذا الحق يجمع عليه جميع اللبنانيين رغم نظامهم الطائفي، الذي نادرا ما يجمعون فيه على موضوع محدد؛ فكل القوى السياسية في لبنان تتمسك بحق العودة للاجئين الفلسطينيين، وإن لأسباب متعارضة لا تخفى على من يعرف التركيبة الطائفية اللبنانية.

تغيب الرئيس المصري مبارك عن قمة بيروت بدافع الغضب من السعودية وسورية معا لتهميشهما دوره في المبادرة العربية للسلام. لكن وسائل الإعلام اللبنانية لم تشعر متابعيها بغياب مبارك؛ لأن غيابه لا يعني الكثير بالنسبة إلى اللبنانيين الذين لا يلمسون تأثير مصر في تطورات لبنان السياسية. ربما عوض إعلاميا عن تغیب مبارك الحضور الرمزي للأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان، ورئيس وزراء إسبانيا خوسيه أثنار، والأمناء العامين لمنظمة المؤتمر الإسلامي ولمنظمة الوحدة الأفريقية وعمرو موسى أمين عام جامعة الدول العربية، الذين انشغل الإعلام اللبناني بهم.

كانت كلمة رئيس القمة العربية، الرئيس إميل لحود في الافتتاح متوقعة بقوتها ودفاعها عن المقاومة، ولو أنني شخصيا كنت أتمنى ألا تنسحب نبرته العالية أيضًا بحيث يرفض اقتراح ظهور عرفات مخاطبا القمة على شاشة منصوبة في المؤتمر.

استعنت مع فاروق القدومي بالرئيس بشار ليقنع الرئيس لحود بنقل كلمة عرفات على الهواء مباشرة، فلم يكترث الرئيس بشار بالأمر بين لي الرئيس لحود سبب رفضه مباشرة، فقال: إن شارون قد يفاجئنا فيظهر فجأة على الشاشة التلفزيونية ليسكت عرفات فيخرب كل المؤتمر.

جاءني فاروق القدومي للمرة الثانية متمنيا ألا نكسر بخاطر "الختيار المحاصر"، فذهبنا معا لمقابلة رئيس القمة العربية لحود لإقناعه مجددًا، إلا أنه استمر في عناده الذي كان جزءًا من تكوينه النفسي ولا علاقة له بالوجود السوري في لبنان؛ إذ ربما كان يخشى فعليا من الأضواء التي كان يمكن أن يختطفها عرفات من قمة بيروت إذا ظهر على الشاشة العملاقة، فضلا عن أنه أخذ في الاعتبار أن عرفات لا يحظى بشعبية كبيرة داخل لبنان.

في أثناء فترة الاستراحة طغت مناخات المصالحة بين الكويت والعراق على ما عداها؛ إذ فاجأ الأمير عبد الله بن عبد العزيز الجميع مصطحباً معه من صالة الاستراحة نائب الرئيس العراقي عزة إبراهيم الدوري والشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح ممسكا بيديهما إلى داخل قاعة المؤتمر كأنه يرفع راية النصر. استقبل هذا المشهد المثير بعاصفة من التصفيق لم تهدأ حتى جلس الضيوف والوفود في مقاعدهم المخصصة داخل قاعة المؤتمر.

عندما اجتمعت اللجنة الوزارية الخاصة بمبادرة السلام في بيروت في 18 أيار/مايو 2002، والتي كان من مهماتها الاتصال مع العواصم التي ستزورها وفي مقدمتها واشنطن لمقابلة الرئيس الأميركي جورج بوش، ثم نيويورك لمقابلة كوفي أنان الأمين العام للأمم المتحدة، ثم السفر إلى بقية العواصم المعنية في فرنسا وبريطانيا وروسيا والصين. كان هناك اهتمام من الوزراء العرب للسير بهذا البرنامج. وكان من المستغرب أن تظهر العقبة الأولى رفض جورج بوش استقبال هذا الوفد؛ فقد طلب أحد وزراء اللجنة من الأمير سعود الفيصل أن يتكفل شخصيا بتأمين موعد مع البيت الأبيض؛ لأن بوش لم يستجب. تحمس الأمير للطلب، فذهب بعباءته العربية الصيفية إلى غرفة مجاورة برفقة وزير خارجية لبنان محمود حمود لتأمين اتصال الأمير مع أصدقائه في البيت الأبيض. غاب الأمير الفيصل حوالي 15 دقيقة وكان الكل بانتظاره، لكنه عاد خائبا لا يلوي على شيء سوى تلفظه بعبارة "لم يوافقوا".

ران الصمت على الجميع بعد سماع هذه العبارة.

لقد فشل تحرك اللجنة دوليا قبل أن يبدأ؛ إذ لا معنى لزيارة العواصم الأخرى منطقيًا إذا لم يستقبل بوش هذا الوفد العربي الكبير، لأن دور البيت الأبيض لا يخفى على أحد. كان واضحًا أن هذه الإدارة الأميركية بالذات لا تقيم وزنا للعرب أو للسلام معهم، لا سيما بعد هجمات أيلول / سبتمبر. فبعضنا ربما يتذكر رئيس بلدية نيويورك رودولف (رودي) جولياني الجمهوري وهو يرفض علنا أمام الصحافيين، وبطريقة مهينة تبرع الأمير السعودي الوليد بن طلال بعشرة ملايين دولار لصالح ضحايا تلك الهجمات.

كان ولي العهد السعودي عبد الله بن عبد العزيز متعجلا لإقرار المبادرة العربية للسلام لأنه بحدسه العفوي يعرف أن إسرائيل سترفض حق الفلسطينيين بالعودة إلى وطنهم، وقد قال لي في أحد لقاءاتنا العديدة بعد قمة بيروت: "كله منك يا أخ فاروق رفض الأميركان استقبال الوفد لأنك أصريت على حق العودة"، مع أن حق العودة أقر بالإجماع في القمة. والدليل على عدم جدية إسرائيل هو دخول دبابات شارون جنین في الضفة الغربية في الأول من نيسان / أبريل 2002، لتحيل مخيمها إلى أنقاض وتقتل المئات من الفلسطينيين قبل أن تكون كل الوفود العربية قد غادرت بيروت.

كانت مفارقة غير مستغربة أن يكلف الرئيس الجمهوري بوش، بعد هذه المواقف المعادية للمبادرة العربية للسلام، السيناتور الديمقراطي جورج ميتشل، بمعالجة المفاوضات الإسرائيلية - الفلسطينية بخارطة طريق تشكل بديلا من المبادرة. وقد حصلت خارطة الطريق على تغطية إعلامية واسعة أكثر بكثير من المبادرة العربية للسلام، وقد ساهم في الترويج لها متحمسا مروان المعشر وزير خارجية الأردن آنذاك. كان المعشر يجمع في مجلد أنيق كل ما كتب عن خارطة الطريق دون أن يغفل بطبيعة الحال تاريخ الحروب بين البروتستانت والكاثوليك والخلاف بين إيرلندا وإيرلندا الشمالية، كأنه نسي أن هذه الخارطة صممها الأميركيون والإسرائيليون لإلغاء المبادرة العربية للسلام التي أقرت بالإجماع في قمة بيروت العربية.

لم يكتف الرئيس بوش بالسيناتور جورج ميتشل وخارطته التي حظيت بإعجابه الشديد لحل النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي، وإنما شكل لجنة دولية من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وروسيا، والأمم المتحدة عُرفت باسم "اللجنة الرباعية" لتطبيق خارطة الطريق التي يعاد ذكرها كلما ضاقت الأحوال بالسلام، وأصبحت مثل لازمة تستعار أيضًا من الكتاب والمحللين الاستراتيجيين للدلالة على ما ليس له علاقة بالسلام الشامل في المنطقة العربية.

استمرت اجتماعات اللجنة الرباعية بلا توقف حيث أدى رئيس الحكومة البريطانية السابق توني بلير بعد الغزو الأميركي - البريطاني للعراق، دورًا رئيسا في توجيه دفة مفاوضات اللجنة الرباعية، وضبط شراعها كلما شارفت السفينة على الغرق، تحول بلير من داعية حرب في أثناء غزو العراق عام 2003، بسبب تعلقه بخارطة الطريق، إلى داعية سلام مزعوم.

كان مجلس جامعة الدول العربية قد انعقد في القاهرة بدورته العادية في مطلع أيلول / سبتمبر 2002 لدعم مبادرة السلام العربية مجددًا. ألقيت كلمة سورية وقلت فيها "إن مصير المبادرة العربية للسلام بات مجهولا لأن ما يجري على الأراضي الفلسطينية وما يحضر للعراق من حرب، جعل متابعة الحديث المتفائل عن المبادرة العربية للسلام عقيما بلا جدوى".

لم أكن وحيدا في توقعاتي، فقد شاركني فيها الوزير العماني يوسف بن علوي والمغربي محمد بن عيسى، والجزائري عبد العزيز بلخادم، واليمني أبو بكر القربي واللبناني محمود حمود كان ارتفاع مستوى الإحباط لدى الدول العربية من جهة، ورفض الولايات المتحدة للمبادرة العربية للسلام ورفض استقبال الوفد العربي من جهة ثانية، مصدر القلق الحقيقي لمعظم وزراء الخارجية العرب في كلمات الوزراء الخمسة التي أكدت أن تقديرات جورج بوش الابن لم تكن في محلها فيما يتعلق بخارطة الطريق التي اصطنعها، كما برهنت السنوات القادمة بكل تداعياتها.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور