يشير المنعطف التاريخي الذي تمرّ به "إسرائيل" اليوم إلى أزمة عميقة أكثر خطورة من الانهيارات الظاهرة في السياسة والمجتمع والاقتصاد. نحن أمام حالة تفتقر فيها "الدولة"، لأول مرة منذ تأسيسها، إلى القدرة البنيوية على التكيف مع بيئة دولية وإقليمية تتغير جذريًا. ما يبدو في ظاهره فقدان توازن سياسي أو ارتباك عسكري، ليس سوى انعكاس لمشكلة أكثر رسوخًا: فقدان الاتزان الإستراتيجي، بوصفه خللًا في البنية العقلية والمؤسسية التي تحكم الكيان، وفي علاقته بالعالم وشعوب المنطقة، وفي فهمه لموقعه الحقيقي داخل نظام دولي يتجاوز نماذج القوة التقليدية.
هذا الانحدار البنيوي ليس طارئًا على لحظة الحرب في غزة أو على فشل أجهزة الأمن في 7 أكتوبر، بل هو تراكم تاريخي طويل انفجر في السنوات الأخيرة، خصوصًا مع صعود اليمين المتطرف إلى الحكم، وتحول المنظومة السياسية إلى حالة أقرب إلى "الدولة داخل الدولة". لقد تكشّف ما حاولت "إسرائيل" إخفاءه طيلة عقود: هشاشة المجتمع الاستيطاني، وتناقضاته العميقة، وانتقاله من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة إنتاجها.
أولًا: أزمة بنيوية تُفقد الدولة القدرة على الاستمرار
منذ نهاية 2022، ومع تشكيل حكومة الليكود المدعومة من الصهيونية الدينية، بدأت تظهر ملامح الانحدار البنيوي بصورة صارخة. للمرة الأولى، تفقد المؤسسة "الإسرائيلية" قدرتها التقليدية على إدارة التعددية الداخلية بين العلمانيين والمتدينين، وبين الأشكناز والشرقيين، وبين المستوطنين والليبراليين الحضريين. الآليات السياسية والقضائية التي أسستها الحركة الصهيونية لم تعد فاعلة في احتواء الانقسامات، ولا في إدارة التناقضات داخل المجتمع الاستيطاني.
لقد كان طوفان الأقصى حدثًا كاشفًا لا صانعًا. فقد أظهر أن "إسرائيل" لم تعد تمتلك الحد الأدنى من الاتزان الإستراتيجي الضروري لاتخاذ قرارات عقلانية طويلة المدى. انكشفت منظومة تقدير الموقف، وتبين أن "الدولة" كانت تقرأ البيئة المحيطة بعقلية قائمة على سوء الإدراك—العنصر المحوري في نظرية روبرت جيرفس—حيث يُنتج النظام السياسي، تحت ضغط أيديولوجي وديني، صورة مختلقة عن ذاته وعن أعدائه.
هذا الخلل في الإدراك ليس مجرد سوء تقدير عابر، بل هو السمة الأساسية للعقل السياسي "الإسرائيلي" في العقد الأخير: تضخيم مستمر للقدرات الذاتية، واستصغار ممنهج لقدرات الشعوب العربية، وتبنٍّ لأسطورة التفوق العسكري الذي يمكن أن يُستعاد باستخدام قوة أكبر. هذه الذهنية، التي تبدو أقرب إلى الخرافة منها إلى التحليل، أدت إلى أخطر ما يمكن أن تواجهه أي دولة: فقدان البوصلة الإستراتيجية.
ثانيًا: الفرق بين فقدان التوازن وفقدان الاتزان… وما وقع لـ"إسرائيل"
ثمة فرق جوهري بين فقدان التوازن الإستراتيجي—الذي يعبر عن اختلال في ميزان القوى—وبين فقدان الاتزان الإستراتيجي—الذي يعبر عن خلل داخلي يصيب بنية الدولة نفسها.
الأول يمكن تعديله عبر التحالفات والسلاح والتقنيات؛ الثاني لا علاج له إلا بإعادة إنتاج بنية الدولة من أساسها.
الولايات المتحدة، بعد الحرب الباردة، مثلًا، امتلكت فائضًا من القوة مكّنها من استعادة التوازن في كثير من الساحات. أما "إسرائيل" اليوم، فهي تخسر قدرتها على استعادة الاتزان ذاته. إذ لم يعد الخلل مرتبطًا بضعف في الردع أو نقص في السلاح، بل مرتبطًا بالمنظومة السياسية والفكرية التي تُنتج القرار.
وهذا ما يجعل الأزمة الحالية أخطر من أي لحظة سابقة: "الدولة" نفسها أصبحت تُنتج الأخطاء التي تطيح باستقرارها.
ثالثًا: عقلية غير قادرة على قراءة الواقع
تقوم العقيدة الصهيونية على ثلاث ركائز: (التفوق الأخلاقي المتخيّل، التفوق العسكري المفترض، التفوق الحضاري الأسطوري).
هذه الركائز الثلاث انهارت خلال العامين الماضيين. تكشفت هشاشة "الديمقراطية الإسرائيلية" التي حاول الغرب تسويقها، وتآكلت صورة "الجيش" الذي كان يُفترض أنه الأفضل في المنطقة، وسقطت صورة "الدولة المتحضرة" التي تنشر "القيم".
عوضًا عن الاعتراف بانهيار هذه السرديات، لجأت "الحكومة الإسرائيلية" إلى مزيد من التطرف. تحولت السياسة إلى فعل انتقامي، وإلى اطمئنان مرضي إلى الدعم الأميركي، وإلى توظيف ديني متصاعد للسياسة، جعل من اتخاذ القرار رهينة عقائد آخر الزمان لدى المستوطنين، لا حسابات الأمن القومي.
هذا النمط من العقل السياسي هو ما يمكن تسميته بـ"هروب القوة إلى الوهم": أي أن "الدولة" القوية، حين يبدأ نظامها في الانحدار، تتشبث بالمطلقات الأيديولوجية بدل الحقائق البراغماتية، فتدخل في دائرة من الإنتاج الذاتي للأزمات.
رابعًا: مظاهر الانحدار البنيوي وفقدان القدرة على التكيف
يمكن رصد مؤشرات الانحدار البنيوي "الإسرائيلي" في ثمانية مسارات حاسمة:
- تفكك العقد الاجتماعي بين العلمانيين والمتدينين، وانفجار أزمة التجنيد، وانسحاب الحريديم من الحكومة.
- أزمة قيادة غير مسبوقة بين الجيش والحكومة والشاباك والقضاء، وصلت إلى استقالات جماعية أضعفت المنظومة.
- التناقض بين التوسع الأيديولوجي والحاجة إلى الاستقرار، ما جعل الاحتلال نفسه عائقًا وجوديًا أمام الدولة.
- سقوط الثقة بالجيش والحكومة وفقدان الشرعية الداخلية.
- فشل الردع التقليدي بالكامل، واللجوء إلى الإبادة والتدمير كأداة سياسية—وهي علامة كلاسيكية على فقر الخيارات.
- التمدد العسكري المفرط على سبع جبهات، وهو سبب تاريخي معروف لانهيار الإمبراطوريات.
- سوء تقدير مخيف لقدرات حماس والمقاومة، ما كشف ضعف البنية المعرفية للمؤسسة الأمنية.
- السقوط المدوي للسردية "الإسرائيلية" عالميًا، وتحوّل الكيان إلى "دولة" عزلة قانونية وأخلاقية.
هذه المؤشرات تُظهر أن "إسرائيل" فقدت القدرة على التكيف مع محيط معادٍ لا يمكن إخضاعه بالقوة، ومع عالم يتجه نحو تعددية قطبية تخفّ فيها سلطة الولايات المتحدة.
خامسًا: المقاومة كعامل بنيوي في إضعاف الدولة "الإسرائيلية"
المقاومة الفلسطينية، وعلى رأسها حماس، لم تعد مجرد "تهديد أمني". لقد تحولت خلال طوفان الأقصى إلى فاعل بنيوي في تغيير توازن القوى داخل النظام الدولي.
لقد أجبرت "إسرائيل" على التخلي عن التخطيط الإستراتيجي، وأدخلتها في وضعية الاستنزاف المستمر، وأظهرت حدود القوة العسكرية الحديثة أمام إرادة صلبة وشبكات قتال غير مركزية.
المقاومة ألغت عمليًا أسطورة "الجيش الذي لا يُهزم"، ودفعت "إسرائيل" نحو فقدان اتزانها الداخلي، وعرّت هشاشة جبهتها الداخلية، وأجبرت الولايات المتحدة على البحث عن مخرج يحفظ بقايا صورة الحليف.
سادسًا: خطة ترامب… طوق نجاة أم تأجيل للانهيار؟
حين تدخل ترامب بخطة "اليوم التالي" لغزة، كان ينقذ "إسرائيل" من الانتحار السياسي. فالكيان كان غارقًا في مستنقع قرارته الخاطئة، غير قادر على الإنهاء ولا على الاستمرار.
قدمت الخطة للإسرائيليين فرصة لالتقاط أنفاسهم، لكنها لم تُصلح البنية المتصدعة. ما فعلته هو تأجيل الانهيار وليس منعه.
فالخلل ليس في غزة، بل في العقلية السياسية نفسها التي تدير الكيان، وفي البنية الاجتماعية التي تنتج حكومات يمينية دينية لا تعترف إلا بالقوة، ولا تفهم إلا الهيمنة، ولا تقبل أي صيغة للتعايش المتكافئ.
في خلاصة المشهد، تظهر "إسرائيل" كيانًا يفتقد القدرة على التكيف مع نظام دولي يتحول، ومع منطقة ترفض هيمنتها، ومع مقاومة تنمو وتتطور. الانحدار البنيوي ليس حدثًا، بل مسارًا؛ ليس أزمة، بل بنية؛ ليس خللًا هامشيًا، بل هوية سياسية جديدة.
إن لحظة النشوة "الإسرائيلية" بعد الحرب على غزة ليست سوى استراحة قصيرة في مسار انحدار طويل. هذا الكيان، يشبه القوة التي لا تعرف إلا لغة العنف، لكنها في لحظة الحقيقة عاجزة عن فهم العالم الذي يتغير حولها. وحين تفقد "الدولة" القدرة على التكيف، يصبح الزمن نفسه ألدّ أعدائها.
كاتب صحفي فلسطيني
بكالوريوس في الصحافة والإعلام
دكتوراه في الحقوق
[email protected]