على الرغم من أن الحوار المستدام يُفهم نظريًا كعملية مستمرة لبناء الثقة وحل النزاعات، إلا أن تطبيقه على أرض الواقع لا يحصل دائمًا على هذا النحو، بل يمكن أن يُستغل لأهداف سياسية واستراتيجية. مثال واضح على ذلك هو ممارسات الولايات المتحدة و"إسرائيل" في المنطقة. فبعد اللقاء الأخير، حاولت واشنطن تصوير اجتماع آلية الحوار أو الميكانيزم على أنه "خطوة لبناء تفاهم دائم وحل النزاعات"، عملاً بالمبدأ الذي يظهر بأن الولايات المتحدة "تسعى دائماً نحو الاستقرار". ومع ذلك، يظهر الواقع أن هذا التصريح يفتقد إلى التطبيق العملي الحقيقي، خاصة عندما يُقارن بالمجريات على الأرض. فالجنوب اللبناني، على سبيل المثال، ما زال تحت وطأة الغارات الإسرائيلية المتكررة، وهذا يُظهر فجوة كبيرة بين الخطاب المعلن والواقع الميداني ولا يمكن التعويل عليه.
هذا التناقض يبيّن أن مفهوم "الحوار المستدام" الذي استخدمته مؤخراً السفارة الأميركية، يُستغل كأداة دبلوماسية للإيهام بالانفتاح على الحلول أو التفاهم، بينما تظل السياسات العملية موجهة نحو الضغط العسكري والسياسي على الأطراف المقابلة. أي أن الاستخدام السياسي للمصطلح لا يعكس الحرص الحقيقي على الحوار أو احترام حقوق الأطراف.
الأهداف الاستراتيجية الأمريكية من استخدام الحوار المستدام
تعمد الولايات المتحدة إلى استخدام أسلوب الحوار المستدام كغطاء سياسي ودبلوماسي لعدة أسباب استراتيجية. فهو يمنحها القدرة على شرعنة تدخلاتها السياسية والعسكرية، إذ يبدو أنها طرف محايد يسعى للسلام، بينما تمارس في الوقت نفسه سياسات تضغط على الخصوم أو تدعم حلفاءها، ما يعطي مظهرًا من الشرعية الدولية لتصرفاتها. كما يسهم هذا الأسلوب في تحييد النقد الدولي، حيث يمكن مواجهة أي انتقاد بالقول إن واشنطن تدعم الحوار والمفاوضات، مما يقلل من الضغط عليها حتى إذا كانت الممارسات على الأرض تتناقض مع الخطاب.
بالإضافة إلى ذلك، يتيح الحوار المستدام لأمريكا الحفاظ على نفوذها الاستراتيجي، فهي تتحكم في إطار النقاش السياسي وتحدد شروط الحوار ومحتواه. كما يتيح إيهام الأطراف المحلية بالمرونة، حيث يبدو للخصوم أو الأطراف المحلية أن هناك فرصة للتفاهم، مما قد يخفف من مقاومتهم أو يشتت تحركاتهم، بينما تستمر السياسات العملية في خدمة مصالح أمريكا وحلفائها. كما يسهل استخدام الخطاب لأغراض إعلامية واستراتيجية، إذ يعكس صورة إيجابية في الإعلام الغربي والدولي، ويعطي الانطباع بأن واشنطن تساهم في الاستقرار، حتى لو كانت تدعم بشكل خفي أو مباشر سياسات عدائية ضد بعض الأطراف، كما يحدث في لبنان حالياً.
تجارب سابقة قبل لبنان
استخدمت الولايات المتحدة أسلوبًا مشابهًا لادعاء دعم الحوار المستدام أو الوساطة في عدة مناطق قبل لبنان. في فلسطين، أعلنت واشنطن على مدى سنوات أنها تدعم "مفاوضات سلام مستمرة"، بينما كانت في الواقع تدعم الاحتلال سياسيًا وعسكريًا وتفرض قيودًا على الفلسطينيين، مما جعل الخطاب حول الحوار المستدام مجرد واجهة دبلوماسية، بينما الواقع على الأرض يشهد استمرار الاستيطان والاعتداءات.
في العراق بعد 2003، أعلنت أمريكا أنها تسعى لإقامة حوار وطني مستدام بين الطوائف المختلفة لبناء دولة مستقرة، لكن في الواقع سيطرت على مفاصل الحكم والاقتصاد وعززت الانقسامات الطائفية واستغلتها لاحقاً لتحقيق مصالحها، ولم يتحقق أي حوار حقيقي على أسس عادلة بين الأطراف المحلية. أما في أفغانستان قبل الانسحاب النهائي، فاستخدمت واشنطن خطاب الحوار مع طالبان ومختلف الفصائل كجزء من استراتيجية السلام، لكنها في الوقت نفسه استمرت في العمليات العسكرية والتدخلات، مما أعاق إمكانية حوار مستدام حقيقي. وفي سوريا منذ عام 2011، روجت أمريكا لمبادرات الحوار الوطني أو اجتماعات السلام كخطوات نحو الحل، بينما دعمت الجماعات الإرهابية وأرسلت أسلحة واستشاريين، مما أضعف أي عملية حوار حقيقية على الأرض.
الجذور والمفهوم
أما عن ابتكار فكرة استخدام الحوار المستدام كغطاء دبلوماسي لإخفاء الواقع وتقديم مصالح سياسية تحت مسميات إيجابية، فهو نتاج تراكم وتطور العمل الاستراتيجي في الدبلوماسية الغربية، خصوصًا الأمريكية، بعد الحرب الباردة. بعد هذه الحرب، واجهت الولايات المتحدة تحديات متعددة في مناطق النزاع، وكان من الضروري إيجاد أدوات سياسية لتبرير تدخلاتها. ومنذ ذلك الوقت بدأ خطاب الولايات المتحدة يركز على مفاهيم مثل الحوار، بناء الثقة، الاستدامة، السلام، والعملية السياسية، كعبارات تحمل معنى إيجابي بينما تتيح لأمريكا ممارسة النفوذ والتحكم في النتائج.
كما لعبت مراكز الأبحاث وصانعو القرارات مثل مركز "راند" للأبحاث دورًا كبيرًا في صياغة الخطاب الدبلوماسي، وتقديم أفكار حول الحوار المستدام بحيث يُستخدم كمفهوم مرن يغطّي السياسة الواقعية ويصبح أداة إعلامية ودبلوماسية. وتطوّر المصطلح تدريجياً داخل إدارة السياسة الخارجية الأمريكية والإسرائيلية، ليصبح لغة رسمية تستخدم في البيانات والاجتماعات الرسمية لتغطية الضغط العسكري والسياسي.
الكاتب: غرفة التحرير