السبت 06 كانون الاول , 2025 12:04

لا تثقبوا السفينة أكثر

اجتماع 5 آب لنزع سلاح المقاومة

منذ وقف إطلاق النار الأخير، تتبع الدولة اللبنانية مساراً تنازلياً لا يقابله أي تغيير في سلوك الاحتلال، وكأن توقف الحرب والتصعيد يأتي من طرف واحد، فيما يواصل العدو الإسرائيلي القصف، الاحتلال، والضغط المتصاعد على مختلف مؤسسات البلاد. ورغم عدم حصول لبنان على أي ضمانات أو مؤشرات جدية، تواصل الدولة تقديم تنازلات سياسية وأمنية، تُسوَّق داخلياً على أنها "خطوات إيجابية" أو "تمهيد للتهدئة". لكن الواقع الميداني والسياسي يشي بعكس ذلك تماماً، ما دفع الشيخ نعيم قاسم في خطابه الأخير إلى القول بوضوح إنّ الدولة "قدمت تنازلاً مجانياً للعدو الذي لن يغيّر موقفه ولا عدوانه". فالمعادلة التي يرسّخها الاحتلال اليوم تتمثل في إبقاء لبنان تحت النار وسحب المزيد من التنازلات من الدولة اللبنانية -التي أظهرت يأسها منذ بداية الطريق واتبعت التعليمات الخارجية على أساس أنها وسيلة للإنقاذ-.

ما بعد وقف إطلاق النار: ضغط أكبر وعدوان أوسع

أشار الشيخ نعيم قاسم في خطابه الأخير إلى أنّ إسرائيل أرادت أن تُظهر للبنان أنها قادرة على إبقائه تحت النار رغم ذهاب الوفد المدني واجتماعاته. فبدل أن تُسهم اللقاءات في تخفيف التصعيد، زاد الاحتلال من عدوانه وضغطه، سواء عبر استمرار القصف أو التمسك بالنقاط المحتلة أو بتوسيع دائرة الاستهداف التي طالت مؤسسات اجتماعية ومالية كـ القرض الحسن.

هذه الوقائع تنسف بالكامل خطاب "الإيجابية" الذي روّج له رئيس الجمهورية جوزيف عون حين أعلن أنّ آلية مراقبة وقف إطلاق النار (الميكانيزم) ستستأنف اجتماعاتها في 19 كانون الأول، وأن المحادثات مع "إسرائيل" "إيجابية" وتهدف إلى تجنب "حرب ثانية". فأي إيجابية يمكن البناء عليها إذا لم تُظهر "إسرائيل" أي نية للانسحاب من النقاط المحتلة، ولم توقف اعتداءاتها، ولم تُبدِ أي التزام حقيقي بالتهدئة؟

سلسلة من الإخفاقات

قبل التنازل الأخير، كانت هناك سقطة 5 آب/ أغسطس حين اجتمعت الحكومة اللبنانية وأقرّت عملياً طرح نزع سلاح حزب الله. ذلك القرار الذي لا يمكن لأي دولة مستقلة أن تتخذه لما له من تبعات كان تنازلاً فاضحاً عن ورقة القوة الوحيدة التي تملكها الدولة اللبنانية في مواجهة "إسرائيل" حيث كان بإمكان الدولة اللبنانية أن تبني على هذه القوة خريطة واضحة وتبني استراتيجية دفاعية -كما أرادت دوماً-. وهو أيضاً تنازل عن حق مشروع، حق الدفاع عن النفس وحماية الأرض، في وقت لا يزال العدو يحتل ويقصف ويعتدي.

ومع كل هذه الإخفاقات، يظهر أن الدولة اللبنانية على دراية بأن هذه السياسة التي تتبعها لم تحقق لها النتيجة المرجوة، وجاء هذا في تصريحات متتالية لعون. أي أنها تعترف بفشل هذا النهج مع العدو، لكنها تواصل المسار نفسه. وهذا مؤشر خطير لن يكون في صالح لبنان ولن يحقق له أي مكسب.

اجتماع الميكانيزم الأخير: إشادة أميركية

بعد اجتماع الميكانيزم الأخير الذي شارك فيه المدني اللبناني سيمون كرم، خرجت المبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس لتشيد بلبنان، معتبرة أن واشنطن ترى "بإيجابية" الخطوات التي يقوم بها لبنان على صعيد تطبيق القرار 1701، وخصوصاً تسمية دبلوماسي لرئاسة الوفد المفاوض.

هذه الإشادة الأميركية كافية لتوضح أن لبنان يسير في الاتجاه الخاطئ، فواشنطن تُعجب بخطوات لبنان لأنها تنسجم مع رؤيتها للضبط الأحادي الجانب، بينما تتغاضى بالكامل عن خرق "إسرائيل" للقرار 1701. فما قيمة إعجاب الموفدة الأميركية طالما لبنان ما زال تحت النار؟ وكيف يكون الالتزام اللبناني "إيجابياً" فيما الاحتلال يواصل الاحتلال والقصف والاعتداءات اليومية؟

وخلال لقائه بالسفراء في عين التينة، قدّم الرئيس نبيه بري رواية واضحة ومباشرة للوضع في الجنوب بعد وقف إطلاق النار. حيث أكد أن لبنان التزم منذ اليوم الأول بكل ما هو مطلوب منه، بينما واصلت "إسرائيل" الحرب من طرف واحد.

وقال بري إنّ إسرائيل تريد للبنان أن يتفاوض تحت النار، وهذا أمر "لا يمكن القبول به". وهذا الكلام يقدّم دليلاً إضافياً على اختلال المعادلة حيث يظهر التزام لبناني كامل مقابل عدوان مستمر، مع ذهاب الدولة إلى التفاوض من موقع ضعف لأنها تتنازل تباعاً.

إنّ استمرار هذا النهج يفاقم الضعف بدل أن يفتح باباً للحلول. ولذلك، فإن الرسالة الأوضح اليوم هي ضرورة التوقف عن تقديم مزيد من التنازلات، لأن التجربة أثبتت أنّ كل خطوة تنازلية لا تجلب إلا المزيد من الضغط والعدوان، وأن العدو لا يفهم إلا لغة القوة ومظاهر الدبلوماسية التي يقدمها في العلن ما هي سوى خدع إضافية لا يجب أن تنطلي على لبنان.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور