يقدم كتاب "ديناميكيات الصراع الإقليمي غير المتكافئ: تطور الصبر" لمؤلفه الإسرائيلي الدكتور يوري ريسنك الذي عينه رئيس وزراء الكيان الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للمشاركة في "المكانيزم"، بعد إعلان لبنان تعيين عضو مدني، يقدم إطاراً نظرياً مبتكراً لفهم النزاعات الإقليمية غير المتناظرة، ويرتكز على مفهوم "تطور الصبر" The Evolution of Patience)) لدى الأطراف المتصارعة. ويرى ريسنك أن الصراعات لا تفهم كحالة ثابتة، بل كـعملية تطورية حيث يتغير "موقف الأطراف من الزمن" عبر الوقت.
ومن الأهمية بمكان الوقوف على الفكر الذي يمثله ريسنك لمعرفة جانب من اتجاهات الحكومة الإسرائيلية حيال لبنان على المدى البعيد، حيث يُفسر ريسنك الصراع من خلال نموذج تراكمي يجمع بين نظرية الألعاب الديناميكية، والآليات التطورية. وفي هذا النموذج، يبني الكاتب لعبة صدامية زمنية بين طرفين مختلفي القوة، ويختار كل منهما بين مواصلة المطالبة بالأراضي/الموقف أو قبول حل مرحلي/تسوية، مع مراعاة أن كل قرار يؤثّر على إمكانية الربح مستقبلاً. إن الخيارات المتتالية تُنتج تاريخاً من التفاعلات يغيّر موازين الاحتمالات، بدل افتراض عقليات ثابتة، ويفترض ريسنك عملية اختيار تطوري/تعلمي، حيث تنتشر الاستراتيجيات الناجحة، وتُهمّش الاستراتيجيات الفاشلة، ونتيجة لذلك تتبدّل مدّة الصبر التوقعية لدى الجماعات أو الدول.
ويرى ريسنك أن تبدل الصبر يعود لعاملين رئيسيين:
الأول: هو الأساس المادي Material Foundations))، ويشمل التغير في القوة العسكرية، الموارد الاقتصادية، أو الدعم الدولي. فإذا تحسّن وضع الطرف الأضعف، يمكن أن يصبح أقل صبراً، وذلك أملاً في كسب المزيد، أو إذا أثرت الضغوط المادية على الطرف القوي يجبره على إعادة تقييم تحمل الوقت.
الثاني: هو الأساس المعرفي/الأيديولوجي Ideational Change))، ويشمل الرسائل الإعلامية، والأطر التاريخية، وإبداع قيادات جديدة، أو تجارب عنيفة/سلمية تُعيد تشكيل توقعات الجمهور وصُنّاع القرار، وهو ما يسميه المؤلف Mind and Matter"."
يؤكد الكتاب على أهمية "اللاتماثل" في النزاعات الإقليمية، حيث يخلق فرق القوة مشاكل خاصة، فعلى سبيل المثال، فإن الطرف الأضعف يملك حافزاً للاستمرار بالوقت الطويل، ومثالها الأبرز (حروب الاستنزاف)، بينما يفضل القوي حلولًا سريعة، ولكن إذا تغيرت ظروف الدعم الخارجي أو قدرة الطرف الضعيف على التحول إلى تكلفة مستمرة على القوي، يتبدّل توازن الصبر. ولا يكتفي ريسنك بالنموذج الرياضي، بل يجري اختباراً يعتمد الملاحظة ومراقبة الوقائع، حيث بنى قاعدة بيانات تحتوي على نحو 400 نزاع إقليمي/قضية إقليمية، واستخدم الصراع الإسرائيلي–الفلسطيني كدراسة حالة مركزة لاختبار كيف تعمل آليات "تطوّر الصبر" في سياق طويل ومعقد، بهدف ربط الفرضيات الرسمية بنتائج تاريخية وإحصائية فعلية.
يستخلص ريسنك أن الصبر يتغيّر فعلاً عبر الزمن بوتيرة تُفسّرها تحوّلات في القدرات المادية والتغيّرات الأيديولوجية/المعرفية. وتلعب أنماط تواصل الأطراف كإشارات التهديد، والسياسات العامة دوراً حاسماً في التأثير على توقيت التراجع أو التصلّب. كما أن الدور الحاسم للبيئة الإقليمية والداعمين الخارجيين يُظهر أن تدخلاتهم أو انسحاباتهم، قد تسرّع أو تؤخر تحول الصبر. بالإضافة إلى ذلك، يشير إلى قابلية الاستبدال الاستراتيجية، حيث يختار الطرف الأضعف أحيانًا تحويلًا استراتيجياً من عنف إلى ضغط سياسي مثلاً، لإطالة الزمن حتى تتكوّن شروط أفضل للتفاوض، وإعادة بناء القوة.
ويوصي ريسنك صانعي السياسات بعدم الاكتفاء بمراقبة القدرات، بل كذلك مراقبة تصوّرات الجمهور والقيادة، لأن أي تغيّر معرفي يمكن أن يغيّر توقيت التسوية. ويوفر فهم مقولة "تبدل الصبر" أداة تنبؤية أفضل لتحديد الوقت الذي قد ينفجر فيه صراع طويل إلى عنف واسع أو متى قد تنجح مساعي الوساطة، ويُقدّم كتاب ريسنك إسهاماً مهماً في فهم ديناميات الصراع الإقليمي غير المتناظر عبر مفهوم مركزي وهو تطوّر الصبر، مما يساعد على تفسير لماذا ومتى تتغيّر مواقف الأطراف حيال التنازل أو الاستمرار في النزاع.
تطبيقات نظرية الصبر الاستراتيجي في لبنان
تعتبر نظرية "الصبر الاستراتيجي"، أو "تطور الصبر" إطاراً قوياً لفهم ديناميكيات النزاع اللبناني - الإسرائيلي، خاصةً فيما يتعلق بالتفاعلات بين إسرائيل وحزب الله، والتي تمثل بحد ذاتها حالة نموذجية للصراع غير المتناظر على الأراضي والحدود، ويمكن تطبيق هذه النظرية على هذا النزاع من خلال تحليل عاملين رئيسيين، هما الأساس المادي والأساس المعرفي/الأيديولوجي.
- يقاس الصبر في هذا السياق بتغير القدرة على تحمل تكاليف المواجهة والحاجة الزمنية لحسم النزاع، فبالنسبة للكيان الإسرائيلي، وهو (الطرف الأقوى)، بتآكل الصبر.
فصبر إسرائيل يقل عندما ترتفع التكاليف المادية للنزاع، فمثلاً، التحول من قصف متبادل محدود إلى وضع يتطلب إخلاء المستوطنات الحدودية لفترة طويلة، أو زيادة الخسائر الاقتصادية الناجمة عن توقف الحركة في الشمال يفرض عليها ضغطاً مادياً يجبرها على إعادة تقييم تحمل الوقت، ويحفزها نحو حلول سريعة كالتهديد بعملية عسكرية واسعة، والعامل الآخر الذي يؤثر على معادل الصبر لدى إسرائيل، هو الدعم الأمريكي السخي من كميات الأسلحة، وصولاً إلى الدعم السياسي، فأي تغيير، أو تراجع أو تضاؤل يصيب هذا الدعم قد يُجبر إسرائيل على أن تصبح أكثر "صبراً" دبلوماسياً أو أقل اندفاعاً عسكرياً.
أما بالنسبة لحزب الله، وهو هنا الطرف الأضعف، فهو يقبع في دائرة بناء الصبر، ويزداد صبر حزب الله أو ميله للاستمرار باللعب في المدى البعيد، عندما ينجح في مراكمة القدرات العسكرية من الصواريخ الدقيقة، إلى الطائرات المسيرة وغيرها، حيث يصبح قادراً على فرض "تكلفة مستمرة" على إسرائيل، وهذا التراكم يعزز اعتقاده بأن الوقت يعمل لصالحه.
ثم تأتي مسألة استمرار الدعم المادي من إيران من التمويل، والسلاح، وهو ما يعزز قدرات الحزب على الاستنزاف، ويطيل مدة صبره على عدم القبول بحل جذري لا يلبي مطالبه.
- تحليل الأساس المعرفي/الأيديولوجي Ideational Change))، حيث يتعلق هذا العامل بكيفية تفسير الأطراف للأحداث، وتأثير ذلك على توقعات الجمهور والقيادة.
عندما ترسل إسرائيل إشارات التهديد الإسرائيلية بشكل واضح وموثوق بالحسم العسكري، فإنها تحاول تقليل الصبر لدى حزب الله/لبنان، والضغط عليه لقبول تسوية مثل التراجع عن الحدود.
بالمقابل فإن "رسائل الردع" لحزب الله، عندما ينجح في تحويل أية مكاسب ميدانية، ولو محدودة إلى نصر إعلامي أو رمزي، فإنه يعزز الأساس المعرفي لصبره، ويقنع جمهوره وجمهور الطرف الآخر بأن استراتيجية "الاستنزاف" التي يعتمدها تنجح.
وفي هذا السياق تُستخدم نتائج الصراعات السابقة (مثل حرب 2006) أو جولات التصعيد الأخيرة، أو ما يمكن تسميته بـ (نظرية التعلم التطوري) كـتغذية راجعة، فإذا أظهرت تجربة ما أن التصلب يؤدي لمكاسب، فإن "استراتيجية التصلب" تنتشر وتصبح شرعية في القرارات السياسية، ما يطيل أمد الصبر، وتعزز التشبث بالمواقف، و عدم الإقدام على التنازل.
وتشير النظرية إلى أن الطرف الأضعف، قد يختار تحويلاً استراتيجياً لإطالة الزمن، فقد يختار حزب الله الانتقال من العنف المباشر إلى الضغط السياسي المؤسساتي، كاستخدام الحكومة اللبنانية أو الأمم المتحدة كقناة تفاوض، كما ظهر في مفاوضات ترسيم الحدود البحرية أو لجان "الميكانيزم"، وهي وسيلة لـإطالة أمد النزاع بشكل مقبول التكاليف، ريثما تتكون شروط دولية أفضل للتفاوض تحقق مكاسب سياسية أكبر، وقد يكون غض نظر حزب الله عن تعيين ممثل مدني للحكومة اللبنانية في لجنة الميكانيزم مصداقاً لهذه النظرية في هذا المجال.
وتهدف التدخلات الدولية، مثل جهود الوساطة التي تقودها الولايات المتحدة أو فرنسا، بشكل أساسي إلى تعديل مستوى الصبر لدى الطرفين، أي إقناع إسرائيل بأن تكلفة الحسم العسكري مرتفعة، وإقناع حزب الله بأن مكاسب التسوية الدبلوماسية الآنية تفوق المخاطر المستقبلية، وقد تنجح هذه العناصر في تحقيق هذا التغيير بشكل نسبي، ويبقى الأثر الأكبر في انزلاق الأمور إلى حرب، أو الركون إلى التهدئة مرتبطة بقراءة كل طرف لقدراته، وقدرات خصمه، واحتمالاته لمخرجات أي نزاع مسلح.
يمثل النزاع اللبناني - الإسرائيلي نموذجاً حياً للآليات التي وصفها ريسنك في كتابه ذي الطابع التنظيري، حيث لا يحدث أي تصعيد أو انفراج في فراغ، بل هو نتيجة لتفاعل مستمر وديناميكي يقوم باستمرار بتغيير مستوى الصبر الاستراتيجي لدى كلا الطرفين بناء على قدراتهما المادية وتصوراتهما المعرفية.
الكاتب: محمد حسين الموسوي