شكّلت الدعوة إلى إنشاء قوة استقرار دولية مؤقتة في قطاع غزة محطة مفصلية في مسار إدارة ما بعد الحرب، خصوصاً مع إعلان الولايات المتحدة في أواخر أيلول/سبتمبر 2025 عن خطة الرئيس الأميركي لإنهاء الحرب، والتي تضمّنت في أحد بنودها الأساسية إنشاء هذه القوة. وعزّز مجلس الأمن هذا التوجّه بإصدار القرار 2803 في تشرين الثاني/نوفمبر من العام نفسه، مُضفياً على المشروع غطاءً دولياً عبر تفويض قوة تُكلَّف رسمياً بالمساعدة في تأمين المناطق الحدودية، وتثبيت البيئة الأمنية، ونزع سلاح الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة، وحماية المدنيين. غير أنّ هذا المسار، على الرغم من غطائه الأممي، لم يمرّ بسلاسة في البيئة العربية والفلسطينية، بل أثار موجة واسعة من التحفّظات والاعتراضات السياسية والشعبية.
تبلور الموقف العربي من هذه القوة عبر مجموعة من المحددات المعقّدة، في مقدّمها طبيعة المهام المقترحة لها. فقد أصرّت الدول العربية منذ اللحظة الأولى على أن يكون دور القوة محصوراً في "حفظ السلام" لا "فرضه"، أي الاكتفاء بمراقبة وقف إطلاق النار وتأمين المساعدات وتثبيت التهدئة، دون التحوّل إلى أداة تنفيذية تفرض الأمن بالقوة أو تنخرط في ملاحقة فصائل المقاومة. كما برز شرطٌ أساسي يتمثّل بضرورة خضوع أي قوة من هذا النوع لتفويض صريح من الأمم المتحدة، وأن تبقى المرجعية القانونية والسياسية لها دولية وليست ثنائية أو خاضعة لإدارة منفردة.
في موازاة ذلك، كان للضغوط الأميركية دور محوري في تسريع الطرح والدفع نحو إقناع بعض الدول العربية بالمشاركة، وهو ما قوبل بحذر شديد، نظراً لحساسية المهمة ومخاطر الانزلاق إلى صدام مباشر مع الشارع العربي والفلسطيني. فالرأي العام العربي، الذي ظلّ داعماً للمقاومة ومتعاطفاً مع الشعب الفلسطيني بدرجة غير مسبوقة، نظر إلى فكرة نزع سلاح المقاومة باعتبارها امتداداً سياسياً لأهداف الحرب، لا خطوة حيادية لتحقيق الاستقرار. كما أثارت سلامة القوات المحتمل مشاركتها مخاوف عميقة في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية واتساع رقعة الدمار والاشتباك.
ضمن هذا السياق العام، صدرت مواقف عربية رسمية متحفظّة، عكست تردداً واضحاً في الانخراط الميداني المباشر. فمصر، على سبيل المثال، أعلنت دعمها المبدئي لنشر قوة دولية مؤقتة في غزة شرط أن يكون هدفها تثبيت وقف إطلاق النار وضمان تدفق المساعدات وتحقيق الاستقرار، لكنها في الوقت ذاته أوضحت أن هذا الدعم لا يعني بالضرورة مشاركتها بقوات على الأرض. بهذا المعنى، حرص الموقف المصري على الفصل بين الإطار السياسي الداعم للتهدئة، والالتزام العسكري المباشر.
أما الأردن، فقد عبّر عن رفض صريح للمشاركة في هذه القوة إذا تجاوزت مهام "حفظ السلام" إلى "فرضه". وجاءت تصريحات الملك عبد الله الثاني واضحة في هذا الاتجاه، حين أكّد أن أي قوة تتحول إلى أداة لفرض واقع عسكري جديد في جنوب غزة لن تكون مقبولة، وأن بلاده لا ترغب في الانزلاق إلى دوريات مسلحة داخل بيئة مشتعلة ومعقّدة.
الإمارات بدورها لم تُبدِ حماسة للمشاركة، إذ صرّح مستشارها الرئاسي بأن بلاده لا ترى حتى اللحظة إطار عمل واضحاً لقوة حفظ الاستقرار، وفي ظل هذا الغموض، فإن المشاركة تبقى مستبعدة. هذا الموقف عكس قلقاً سياسياً وأمنياً من الانخراط في مهمة غير محدّدة المعالم، تحمل كلفة عالية ومخاطر استراتيجية.
في المقابل، بدت السعودية أكثر ميلاً لدعم الفكرة من حيث المبدأ، لكنها ربطت ذلك بصدور قرار أممي واضح، وبأن تكون مهمة القوة دعم السلطة الفلسطينية وتعزيز الاستقرار، لا الانخراط في مهام اشتباك أو نزع سلاح قسري. وبذلك حاول الموقف السعودي الجمع بين دعم الإطار السياسي الدولي، وتجنّب الانخراط في أدوار أمنية مباشرة مثيرة للجدل.
على الصعيد الفلسطيني، ظهر تباين حاد في المواقف. فالسلطة الفلسطينية أعلنت قبولها المبدئي بنشر قوات متعددة الجنسيات في غزة، شرط أن تكون الشرطة الفلسطينية جزءاً أساسياً من هذه المنظومة، بما يضمن الحفاظ على النظام العام تحت إشراف وطني فلسطيني. كما رحّبت بقرار مجلس الأمن، وأبدت استعدادها للتعاون في تطبيقه. في المقابل، رفضت حركة حماس وفصائل المقاومة هذا الطرح رفضاً قاطعاً، معتبرة أن أي قوة تُمنح أدواراً داخل القطاع، ولا سيّما نزع سلاح المقاومة، تفقد حيادها وتتحول إلى طرف مباشر في الصراع، وهو ما يُسقِط عنها أي صفة دولية محايدة.
أما جامعة الدول العربية، فقد التزمت موقفاً ضبابياً، إذ لم تصدر بياناً حاسماً بشأن المشاركة من عدمها، وإنْ رحّب أمينها العام بقرار مجلس الأمن من حيث المبدأ، باعتباره يتحدث عن وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب. إلا أن هذا الترحيب لم يرتقِ إلى مستوى تبنّي خيار المشاركة العسكرية.
وتزامناً مع هذه المواقف العربية المتحفظة، برز تردد مشابه في مواقف عدد من الدول الإسلامية، مثل إندونيسيا وباكستان وأذربيجان، التي تحفّظت بدورها على إرسال قوات تتولى مهام نزع السلاح وتفكيك بنية المقاومة الفلسطينية.
في جانب التوقعات، تشير المعطيات إلى أن معظم المواقف العربية المتحفظة أُعلنت قبل صدور القرار 2803، ورغم تأييدها الشكلي للقرار، لم تظهر حتى الآن مؤشرات جدّية على استعداد هذه الدول لتغيير موقفها الرافض للمشاركة إذا أصرّت الولايات المتحدة على تكليف القوة بمهام فرض الأمن ونزع السلاح. ومع ترجيح تصاعد الضغوط الأميركية في المرحلة المقبلة لإقناع بعض العواصم العربية بالعدول عن تحفظها، إلا أن من المرجّح أن تتمسّك عدة دول برفضها، تجنباً لانعكاسات شعبية داخلية سلبية، وحفاظاً على علاقتها المعنوية والسياسية مع الشعب الفلسطيني.
من هنا، يغدو بلورة موقف عربي جماعي من الدول المرشّحة للمشاركة في هذه القوة مسألة بالغة الأهمية، بحيث يُعاد التأكيد بشكل صريح على حصر مهام القوة في حفظ "السلام" ومراقبة التزام وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب، لا التحوّل إلى أداة فرض أمني أو عسكري. فهذا الموقف الجماعي، إن تحقق، من شأنه أن يعزّز قدرة الدول العربية على مواجهة الضغوط الأميركية، ويحول دون استفراد كل دولة على حدة، ويمنع تحويل القوة الدولية إلى غطاء سياسي لإعادة إنتاج صراع جديد تحت عنوان "الاستقرار".
الكاتب: غرفة التحرير