تخوض الجمهورية الإسلامية في إيران والكيان المؤقت صراعاً أمنياً عالي الوتيرة، منذ عقود من الزمن، تخللها تنفيذ عمليات الاغتيال وتجنيد الجواسيس والحرب السيبرانية وغيرها من الأنشطة الاستخبارية. إلا أن أبرز ما ظهر منها الى العلن مؤخراً، هو قدرة أجهزة الاستخبارات الإيرانية المتصاعدة على تجنيد عشرات العملاء في الكيان، بطريقة دفعت رئيس ما يُعرف ببلدية "بات يام" وسط الكيان، تسفيكا بروت، الى إصدار بيان طارئ لمستوطني المدينة تحت عنوان "الإيرانيون وصلوا!"، كشف فيه عن معلومات أمنية خطيرة تلقّاها من جهاز الشاباك، مفادها وجود محاولات متزايدة من جهات إيرانية لتجنيد الإسرائيليين عبر مواقع التواصل والرسائل النصية.
وقال بروت: "الإيرانيون وصلوا إلى بات يام — وهذه ليست مزحة. نحن على اتصال متواصل مع الشاباك بشأن احتمالية سقوط سكان من مدينتنا في فخ المخابرات الإيرانية." مضيفاً بأن الشاباك وثّق خلال الفترة الأخيرة حالات عديدة حاول فيها عناصر مرتبطون بإيران التواصل مع المستوطنين، بينهم جنود احتياط وطلاب متميزون ومتقاعدون، عبر تقديم عروض مالية مغرية أو مهام تبدو بسيطة في ظاهرها، مثل نقل طرود أو جمع معلومات.
وكشف بروت بأن هناك بالفعل "العشرات" من مستوطني بات يام ممن يجرون في هذه الأيام اتصالات حقيقية مع جهات إيرانية، مؤكدًا: "هؤلاء يعرّضون أمن إسرائيل للخطر كما يدمّرون مستقبلهم الشخصي. هذه جرائم خطيرة جدًا، ومن يتم اعتقاله من قبل الشاباك قد يواجه أضرارًا لا يمكن إصلاحها". داعياً كل من تلقى "رسائل مشبوهة" أو تواصل مع "جهات خارجية" تبليغ الأجهزة الأمنية قبل فوات الأوان: "إذا كنتم أو أي من معارفكم قد تواصلتم مع الإيرانيين، لا تنتظروا حتى يصل الخطر إلى بابكم. تواصلوا معنا فورًا وسنساعد بالتعاون مع الجهات الأمنية في معالجة الوضع."
في موازاة هذه التحذيرات الإسرائيلية المتصاعدة، تتجه الأنظار إلى السؤال الجوهري: كيف تعمل أجهزة الاستخبارات الإيرانية على تجنيد العملاء داخل كيان الاحتلال الإسرائيلي الذي لطالما تعنت أجهزته الإستخباراتية بأنه عصي على الخرق؟
فالمعطيات التي أفرج عنها مؤخراً، وغيرها من القضايا المماثلة التي تم كشف القليل من تفاصيلها إعلامياً، إضافة إلى تحقيقات الصحافة الإسرائيلية، تكشف عن منهج متكامل تتبعه طهران يقوم على مزيج من العمل السري والعلني، وتداخل بين الاستخبارات الكلاسيكية والعمليات السيبرانية، مع استثمار عميق في نقاط الضعف السياسية والاجتماعية والاقتصادية داخل المجتمع الاستيطاني الإسرائيلي. وهذا ما كشف بعض ملامحه وزير الاستخبارات في الجمهورية الإسلامية السيد إسماعيل الخطيب منذ أشهر، حينما صرّح بوجود عملاء إسرائيليون تعاونوا مع إيران بسبب كراهيتهم لنتنياهو، وأن من بين هؤلاء من يعمل في المراكز النووية والعسكرية وأنهم ساهموا في حصول إيران على وثائق حساسة. حتى أن السيد الخطيب سخر من نتنياهو قائلاً: "بدلاً من التفكير في حل أزمة المياه في إيران، فكّر في قوت موظفيك؛ أولئك الذين تعاونوا معنا مقابل المال".
وهنا لا بد التذكير من وزارة الاستخبارات الإيرانية قد أعلنت في 9 حزيران / يونيو الماضي - وقبيل اندلاع العدوان الإسرائيلي الأمريكي على إيران والذي استمر 12 يوماً - أنها حصلت على كنز استخباراتي كبير وثمين، عن منشآت إسرائيل الحيوية والنووية والعسكرية الحساسة، وأنها نقلتها إلى داخل البلاد، لكنها لم تكشف حتى الآن أي تفاصيل حول هذه الوثائق.
مراحل التجنيد
وفقاً للعديد من التحليلات حول هذه القضية، مما يتم تسريبه في الصحافة الإسرائيلية، فإن أول خطوة تعتمد عليها إيران تتمثل في الاستدراج الرقمي الواسع. فوفقاً للمصادر الإسرائيلية، هناك وحدات متخصصة في وزارة الاستخبارات وحرس الثورة الإسلامية تدير شبكات حسابات وهمية على منصات مثل فيسبوك، إنستغرام، تيك توك، تيلغرام وحتى لينكد إن. هذه الحسابات صُمّمت باحترافية عالية، وتُنسَب غالبًا إلى نساء شابات أو رجال أعمال أو صحافيين، وتستهدف فئات محدّدة: جنود الاحتياط، المتقاعدون العسكريون، الطلاب المتفوقون في مجالات التكنولوجيا، العاملون في المصانع العسكرية والشركات الأمنية، وحتى الجنود الذين يواجهون مشاكل مالية.
وبعد الاستدراج الأولي، تبدأ المرحلة الثانية: اختبار القابلية للتجاوب. وعند هذه النقطة، تعتمد الاستخبارات الإيرانية سياسة "الخطوة الصغيرة"، حيث يُطلب من "هدف التجنيد" تنفيذ مهمات تبدو عادية وغير مؤذية، مثل الإجابة عن أسئلة حول الوضع المعيشي، إرسال صور لمناظر عامة، أو تقييم الحركة في منطقة معينة. الهدف من هذه المرحلة ليس جمع المعلومات بقدر ما هو بناء علاقة ثقة، وكسر الحاجز النفسي، وتحويل الفرد تدريجيًا إلى شخصٍ قابل للتكليف.
وفي المرحلة الثالثة، تظهر العروض المالية. وهنا تكشف التقارير الإسرائيلية أن الإيرانيين يلجؤون إلى سياسة الدفع السريع والمجزٍ، أحيانًا مقابل مهام هامشية للغاية، لتثبيت شعور لدى المُستدرج بأن "العمل مربح وسهل"، تمهيدًا للانتقال إلى مهمات أكثر حساسية. وقد وثّق الشاباك حالات تلقّى فيها بعض الجنود أو المستوطنين ما بين 200 إلى 1000 دولار مقابل مهام بسيطة، ما يخلق ارتباطًا نفسيًا واقتصاديًا يسهّل لاحقًا التحكم بهم.
أما المرحلة الرابعة، فهي نقل الهدف إلى مستوى تشغيل فعلي. في هذه اللحظة، تُصبح الطلبات أكثر مباشرة: تصوير منشأة، توثيق مواقع، مراقبة حركة أفراد بعينهم، جمع معلومات عن دوريات، أو شراء شرائح اتصال غير مسجلة. وفي بعض الحالات، تُطلب من العميل مهام أكثر تركيبًا مثل إنشاء حسابات جديدة تُستخدم لتجنيد آخرين، أو تنفيذ عمليات تحويل أموال لتغطية نشاطات معينة. وهنا يظهر البعد الأكثر خطورة في الاستراتيجية الإيرانية: تحويل العميل المحلي إلى نقطة تجنيد إضافية، ما يضاعف قدرة شبكات الاستخبارات على التوسع دون مخاطرة مباشرة.
وعلى الرغم من أن القسم الأكبر من هذه العمليات يجري عبر الإنترنت، إلا أن طهران تعتمد أيضًا على ما يسمّى في الكيان بـ "المسار غير المباشر": أي تشغيل إسرائيليين عبر وسيط موجود في دولة أخرى، مثل تركيا أو الإمارات أو جورجيا أو حتى أوروبا الشرقية. هؤلاء الوسطاء يقدّمون أنفسهم كرجال أعمال، شركات خدمات، أو وكلاء شحن، ويتولّون التواصل المباشر مع العميل، ما يجعل اكتشاف الصلة مع إيران أكثر صعوبة.
وتُجمع التقديرات الأمنية في الكيان على أن نجاح إيران يعود إلى ثلاثة عناصر حاسمة:
1)العمل الواسع عبر منصات التواصل الذي يسمح بالوصول إلى آلاف الأهداف يوميًا.
2)قدرة تشغيلية مرنة تجعل كل عميل مشروعًا صغيرًا يمكن تطويره تدريجيًا.
3)استثمار نقاط الضعف الداخلية في المجتمع الاستيطاني الإسرائيلي.
بهذه الأدوات، تحوّلت العمليات الإيرانية من نشاط محدود إلى حرب تجنيد مفتوحة قلّصت الفاصل بين الصراع الأمني التقليدي والحرب النفسية، وجعلت الشاباك في حالة استنفار دائم، خشية أن يكون “العميل القادم” مجرد رسالة نصية أخرى تصل إلى مستوطن يبحث عن فرصة عمل أو عن بضع مئات من الدولارات.
الكاتب: غرفة التحرير