في طبيعة النزاعات اللامتماثلة، حيث يواجه جيشٌ نظامي قوةً شعبية تعتمد على المرونة والتخفي وحرب الاستنزاف، يجد الطرف الأقوى عسكرياً نفسه عاجزاً عن تحقيق نصرٍ حاسم بالوسائل التقليدية. فغياب الجبهة الواضحة، واستحالة الإمساك بالمقاتل في ميدان مفتوح، يدفع هذا الجيش إلى البحث عن أدوات بديلة لتعويض فشله الميداني، فيبرز هنا ما يُعرف بـ "سلاح التهويل" بوصفه أداة نفسية موازية للسلاح الناري. يقوم هذا السلاح على استخدام القوة، أو التهديد باستخدامها، ليس لتحقيق إنجاز عسكري مباشر، بل لإحداث صدمة نفسية عميقة في وعي المجتمع المستهدف، بحيث تتحول حالة الخوف إلى عنصر ضغط داخلي يخدم أهداف المعتدي.
وظيفة التهويل لا تقتصر على بث الرعب اللحظي، بل تمتد إلى ما يمكن تسميته بـ "كيّ الوعي"، أي زراعة صورة مرعبة ودائمة في ذاكرة الناس، بحيث تصبح فكرة المقاومة نفسها مرادفاً تلقائياً للدمار والفقدان، لا للكرامة والتحرير. ومن خلال هذا الكيّ المتواصل، يسعى العدو إلى تفكيك الرابط بين المقاومة وبيئتها الحاضنة، عبر جعل تكلفة احتضان المقاومة باهظة حدَّ الانهيار الشامل في المنازل والاقتصاد والبنى التحتية. وحين يفشل العدو في بناء بنك أهداف دقيق، يتحول القصف العشوائي للأحياء والأسواق والمرافق العامة إلى وسيلة تعويض نفسي أمام جمهوره الداخلي، وكأن الرسالة المبطنة تقول: "نحن ما زلنا نفعل شيئاً".
وفي هذا السياق، تتحول المعادلة من صراع بين قوتين عسكريتين إلى صراع على الأعصاب والوعي. فالعدو يدرك أن "التهديد بالألم" أشد أثراً من الألم نفسه، ولذلك يركز في تهديداته على ما يلامس الحياة الشخصية: البيت، الطفل، الرزق، المستشفى، المدرسة، والمطار. ويريد من خلال ذلك أن يحوّل كل فرد في المجتمع إلى أداة ضغط على المقاومة، لا بقوة الانتماء، بل بقوة الخوف على المصير الشخصي.
خلال الحرب الساخنة، يستخدم العدو التهويل لتغطية عجزه في البر، فعندما يفشل جنوده في الالتحام ويقعون في الكمائن، يُستدعى القصف الجوي ليعيد بناء صورة "الجيش الذي يضرب من السماء"، تعويضاً عن صورة الجندي المهزوم على الأرض. وفي الوقت نفسه، يتحول المدنيون إلى رهائن ضغط تفاوضي، حيث يُمارس أقصى درجات الألم عليهم لدفع قيادة المقاومة إلى تقديم تنازلات سياسية. وفي كل ذلك، يسعى العدو إلى ترميم الردع المتآكل عبر استعراض مفرط للقوة التدميرية، حتى لو كان بلا قيمة عسكرية حقيقية.
أما في فترات التهدئة، فإن التهويل لا يغيب بل يتحول إلى حرب باردة طويلة النفس، هدفها منع المجتمع من الشعور بالاستقرار أو التقاط الأنفاس. يستمر التحليق الجوي، وتستمر لغة التهديد الاقتصادية، ويُترك الناس في حالة قلق دائم من جولة قادمة. وهنا تتحول المعاناة من حالة استثنائية إلى نمط حياة، ويُراد لها أن تُنهك المجتمع ببطء.
يعتمد العدو في هذا الإطار على ما تُعرف بـ "عقيدة الضاحية"، القائمة على التدمير المنهجي لغير الأهداف العسكرية، ضمن رسالة مفادها أن البيئة المدنية نفسها هي ساحة العقاب. وتُترجم هذه العقيدة نفسياً عبر رسائل الإخلاء العشوائية، والخرائط المعقدة التي تُنشر فجأة، فتخلق موجات نزوح فوضوية، وتحوّل الناس إلى عبء على بعضهم البعض. كما يُستهدف البصر قبل الجسد، عبر تدمير الأبراج الشاهقة والمعالم الكبرى، في محاولة لمحو ذاكرة المكان وكسر الإحساس بالاستمرارية. ويُضاف إلى ذلك خرق جدار الصوت فوق المدن، كوسيلة لإبقاء التوتر مشتعلاً دون إطلاق قنبلة واحدة.
إلى جانب ذلك، تتحول وسائل الإعلام إلى ساحة مركزية في الحرب النفسية، حيث تُضخّ التهديدات والتصريحات التي تحمل عبارات من نوع "سنعيدكم إلى العصر الحجري"، وهي ليست خططاً عسكرية بقدر ما هي منتجات مصممة خصيصاً للاستهلاك الإعلامي وبث الرعب. ويجري التركيز على شيطنة المنازل والأعيان المدنية عبر سردية "الدرع البشري"، لتجريد المدني من حصانته الأخلاقية والقانونية. وفي هذا السياق، يُستنسخ نموذج الدمار في غزة بوصفه صورة تهديد جاهزة للبنان، حيث يُراد للصدمة البصرية أن تُسقط أي إرادة للمواجهة قبل أن تبدأ.
ولا يقف الأمر عند حدود التهديد العام، بل يتطور إلى تهديد المرافق الحيوية التي تشكل "شرايين الحياة"، وعلى رأسها المطار والمرفأ والمعابر. الهدف هنا هو إشعار الناس أنهم داخل سجن كبير، وأن الحصار الاقتصادي والنفسي قادم لا محالة. ويتكامل ذلك مع سياسة الاغتيالات الدقيقة التي تُروّج لفكرة "اليد الطويلة"، حيث يريد العدو أن يقول للجميع: "نحن نعرف أين تنامون". ومن أخطر أشكال التهويل، التلويح باستهداف المناطق المصنّفة "آمنة"، في محاولة لإشعال فتنة داخلية بين النازحين والبيئات المضيفة.
تجارب لبنان خلال الحروب المتعاقبة تكشف بوضوح هذا النمط، من خرق جدار الصوت فوق بيروت، إلى قرصنة شاشات المطار، إلى كذبة "مستشفى الساحل"، وصولاً إلى الاتصالات العشوائية ورسائل الإخلاء. فالعدو يلجأ إلى الضجيج عندما يريد تحقيق نتيجة نفسية دون أن يدفع كلفة عسكرية أو سياسية مباشرة.
وفي هندسة هذا السلاح، لا يتعامل العدو مع المجتمع ككتلة واحدة، بل يقسمه إلى شرائح، ويوجه لكل شريحة رسالة رعب تناسب حساسياتها. فبيئة المقاومة تُستهدف برسائل اليأس وتحميلها ثمن الدمار، والجمهور المحايد يُستهدف برسائل التحريض والفتنة، والقطاع الاقتصادي يُستهدف برسائل الإفلاس والانهيار. أما في داخل البيئة الحاضنة نفسها، فيُجرى تفكيكها اجتماعياً لاستهداف الأمهات بغريزة الخوف على الأطفال، وأصحاب الأرزاق بالخوف على "تحويشة العمر"، وسكان القرى الأمامية بالخوف من الاقتلاع الأبدي.
ورغم أن المقاتل نفسه يكون في الغالب محصّناً عقائدياً أمام التهديد، فإن التهويل يركز على نقاط الضعف الإنسانية المحيطة به: عائلته، أطفاله، جيرانه. وهنا يتحول المدني إلى الساحة الأساسية للصراع النفسي. وتبرز فئات أكثر تأثراً من غيرها، مثل النازحين الجدد الذين يعيشون صدمة فقدان المنزل، والعائلات التي تضم أطفالاً صغاراً أو مرضى، والجيل الشاب الذي يرتبط بنمط حياة حديث يخشى العزلة والانقطاع، إضافة إلى كبار السن الذين يخافون من فقدان المكان أكثر من خوفهم من الموت.
وعلى الرغم من كل ذلك، تُظهر التجربة التاريخية أن سلاح التهويل قد ينجح تكتيكياً في إحداث صدمة أو نزوح مؤقت، لكنه يفشل استراتيجياً في كسر إرادة المجتمعات. فالمجتمع الذي يتعرض للتوحش لا يستسلم عادة، بل يتحول الخوف فيه تدريجياً إلى غضب، ثم إلى تشدد أكبر في خيار المقاومة، لأنه يدرك أن الاستهداف ليس موجهاً ضد فصيل مسلح فقط، بل ضد وجوده وكرامته ومستقبله.
تتم مواجهة هذا السلاح عبر جملة من الآليات النفسية والمجتمعية، تبدأ من السخرية والتسخيف، مروراً بالتمسك بروتين الحياة اليومية كفعل تحدٍّ، وصولاً إلى الشفافية الإعلامية التي تفضح زيف التهديدات وتُظهر التهويل بوصفه دليلاً على ضعف استخباري لا على قوة حقيقية. ويبقى الرد المؤلم في العمق المعادي عاملاً حاسماً في إسقاط مفعول التهويل، لأن توازن الرعب يعيد الصراع إلى مستواه الحقيقي، ويمنع العدو من احتكار معادلة الخوف.
وفي الخلاصة، فإن سلاح التهويل ليس سوى "ضجيج العاجز عن الحسم"، ومحاولة لتعويض الفشل في كسر إرادة المقاتلين عبر كسر قلوب المدنيين. ومواجهته لا تكون بالخضوع له، بل بالوعي بطبيعته، وتسميته باسمه الحقيقي: إرهاب دولة يستخدم الخوف بديلاً عن النصر.