الخميس 11 كانون الاول , 2025 03:14

المعاناة في غزة لن تتوقف في ظل تعنّت الاحتلال

المنخفض الجوي يكشف عمق الكارثة في غزة

مع بداية فصل الشتاء حيث تضرب المنطقة منخفضات جوية قاسية، تتكشف في غزة ملامح مأساة جديدة تُضاف إلى رصيد عامين من الدمار المتواصل. فالقطاع، الذي أنهكته حرب إسرائيلية همجية خلّفت بنية تحتية شبه منهارة، يقف اليوم أمام فصل آخر من المعاناة، حيث تتحول الأمطار العادية إلى تهديد مباشر لحياة مئات آلاف النازحين.
في ظل استمرار الاحتلال في منع دخول مواد الإيواء وإعادة الإعمار، ليصبح عامل الطقس اختبارًا إضافيًا لقدرة سكان غزة على التحمل، بينما يغيب العالم عن مشهد هو ذاته الذي غاب عنه خلال عامين من الإبادة الجماعية.
المنخفض الجوي يفضح همجية الاحتلال 
أدى المنخفض الأخير إلى تفاقم الأزمة الإنسانية بصورة لافتة.
أعلنت بلدية غزة أن الأمطار الغزيرة كشفت مجددًا دمار البنية التحتية، من شبكات صرف صحي متوقفة إلى طرق محفّرة وساحات مغمورة بالمياه. وفي ظل غياب المعدات والمواد اللازمة التي يمنع الاحتلال دخولها منذ بدء العدوان، تبدو المدينة عاجزة تمامًا عن التعامل مع أي طارئ من هذا النوع.
وحذرت البلدية من أن آلاف الأسر مهددة بالتشرد مجددًا بعد تلف خيامهم تحت وطأة الأمطار. هذه الخيام، التي أقيمت كحلّ مؤقت بعد تدمير المنازل، لم تُصمّم أصلًا لتحمل الظروف الجوية، ما يجعل آلاف الأطفال والنساء عرضة للمطر والبرد في آن واحد.
نداءات استغاثة بلا مجيب
الدفاع المدني في غزة قدّم صورة أخرى عن عمق الكارثة، معلنًا تلقيه أكثر من 2500 نداء استغاثة خلال 24 ساعة فقط.
هذه النداءات تتوزّع بين منازل غمرتها المياه، وخيام مهددة بالانهيار، وعائلات حوصرت في مناطق يصعب الوصول إليها بفعل الشوارع المدمرة.
ويؤكد الدفاع المدني أن خيام النازحين غير قادرة على مواجهة المنخفضات الجوية، في ظل افتقار القطاع لأبسط التجهيزات التي يمكن أن تخفف من آثار هذه العواصف. وفي الوقت الذي يفترض أن يكون وقف إطلاق النار مدخلًا لتخفيف وطأة الحرب عن أهالي غزة، يواصل الاحتلال منع دخول مواد أساسية تتعلق بالإيواء والصيانة، ما يجعل التعامل مع المستجدات شبه مستحيلة.
موت الأطفال من البرد: المأساة بأبشع تجلياتها
من بين الأخبار التي هزّت القطاع خلال الساعات الماضية، وفاة طفلة تبلغ من العمر تسعة أشهر في خانيونس جرّاء البرد.
هذه الحادثة ليست الأولى، لكنها تكشف بوضوح أن انعدام المقومات الأساسية للحياة لم يعد مجرد مسألة معاناة، بل صار تهديدًا مباشرًا لحياة الأطفال، الذين يموتون في خيام تفتقد التدفئة، وفي ظل حصار يمنع دخول البطانيات، الأغطية والمواد التي توفر الحد الأدنى من الدفء.
هذه المأساة الإنسانية ليست طارئة، بل استكمال لمعاناة فرضها الاحتلال خلال عامين من الحرب التي استهدفت المنازل والبنى التحتية والمستشفيات دون أي ضوابط، ثم جاءت لتمنع إعادة الإعمار، ليبقى المدنيون وحدهم في مواجهة المطر والبرد.
انهيارات متتالية في الأحياء المنكوبة
كذلك تسببت الأمطار الأخيرة في سلسلة انهيارات في مناطق مختلفة من غزة، وهو دليل إضافي على هشاشة الأبنية المتضررة التي لم تخضع لأي ترميم أو فحص هندسي بسبب الحصار المفروض على دخول مواد البناء.
ففي حي النصر، انهار منزل مؤلف من ثلاثة طوابق، بينما شهدت منطقة تل الهوا انهيار مبنى جديد قرب "كير فور". كما انهار منزل مأهول قرب مسجد صلاح الدين في حي الزيتون، وأدى المنخفض إلى سقوط طابقين في منزل لعائلة كشكو في الحي ذاته.
هذه الوقائع تشير إلى مستوى الخطر الذي يعيشه السكان، إذ تتحول أمطار الشتاء إلى عامل انهيار لمنازل تصدّعت بفعل القصف ولم يسمح بإصلاحها.
حملت حركة حماس الاحتلال المسؤولية الكاملة عن الظروف المأساوية التي يعيشها سكان غزة بسبب منعه إدخال مواد الإيواء.
ومع ذلك، لا يبدو المجتمع الدولي مستعدًا لمواجهة هذه الهمجية، رغم أن قواعد القانون الدولي الإنساني واضحة. خصوصًا أن هذا المشهد يتكرر منذ عامين: مجازر، دمار، تهجير، حصار. وفي كل مرة، يبقى الصمت الدولي حاضرًا، فيما تتعامل "إسرائيل" مع وقف إطلاق النار وكأنه ترخيص لمواصلة المجازر الإنسانية بأدوات مختلفة.
تعنت يمتد إلى خارج غزة
لا يقتصر منع دخول مواد الإعمار والمعدات الإنسانية على غزة فقط. فلبنان، ولا سيما القرى الحدودية التي تعرضت للقصف العنيف خلال الأشهر الماضية، يشهد سلوكًا مشابهًا من قبل الاحتلال، يتمثل في منع وتعطيل دخول مواد تساعد على ترميم الأضرار.
هذا النهج يكشف أن سياسة الحصار ليست ظرفية بل جزء من استراتيجية إسرائيلية تعتمد خلق بيئات هشة، ومنع إعادة البناء، وإبقاء المجتمعات في دائرة الضغط.
تُظهر الوقائع أن كارثة غزة لا تزال تتوسع، وأن أي حديث عن وقف إطلاق النار يبقى منقوصًا ما دام الاحتلال يواصل حصاره ويمنع الإعمار.
فالمنخفض الجوي الأخير لم يأت بجديد، بل أكد على حجم الإبادة الممنهجة التي طالت البشر والحجر والبنى التحتية لمدة عامين، ووضعت أكثر من مليون نازح في مواجهة العراء.
في ظل هذا الواقع، تصبح مسؤولية العالم واضحة فغزة ليست بحاجة إلى بيانات تضامن، بل إلى وقف فعلي للمعاناة عبر إنهاء الحصار وفرض المساءلة على الاحتلال وأركانه.


الكاتب: غرفة التحليل




روزنامة المحور