السبت 13 كانون الاول , 2025 12:39

السرّية كشرط وجودي: صناعة الوعي في زمن الانكشاف الرقمي

وسائل التواصل الاجتماعي وعلم لبنان

تتناول هذه الدراسة أدناه، فكرة صناعة الوعي بوصفها شرطًا وجوديًا للبقاء الفردي والجماعي في زمن تتسارع فيه أدوات الاختراق المعرفي، وتتحول فيه وسائل الإعلام والتواصل الرقمي إلى ساحات صراع على العقول والإدراك. تنطلق الدراسة من تشخيص واقع معاصر باتت فيه الخصوصية مهددة، والفضاء الخاص مستباحًا، ما أدى إلى تآكل الحدود بين الفردي والعام، وتحويل الاستعراض الرقمي إلى نمط حياة يضعف المناعة الفكرية ويُسهّل توجيه السلوك والوعي. وفي هذا السياق، تطرح الدراسة السرية لا كخيار ترفيهي أو سلوك انعزالي، بل كضرورة وجودية لحماية المجتمع، وصون الهوية، ومنع تحويل الانكشاف المعلوماتي إلى أداة قتل مادي أو معنوي.

تُعرّف الدراسة السرية لغويًا واصطلاحيًا بوصفها الكتمان وعدم الإذاعة، وتوضح الفروق الجوهرية بينها وبين مفاهيم قريبة مثل التقية، معتبرة أن السرية أوسع وأشمل، وتتصل بالسلوك الفردي والجماعي في الحياة اليومية، وفي العمل السياسي والأمني والمقاوم. وتؤكد أن السرية اليوم لم تعد مرتبطة فقط بظروف الاضطهاد المباشر، بل فرضها التطور التقني، وهيمنة القوى الكبرى، واعتمادها على المراقبة والبيانات والإعلام كسلاح استراتيجي. ومن هنا، ترى الدراسة أن الإفراط في النشر، خصوصًا في أوقات الصراع والحرب، يمنح العدو "إحداثيات مجانية" تسهم في الاستهداف والاغتيال وإضعاف المجتمعات المقاومة.

وتخصص الدراسة حيزًا واسعًا للبعد الشرعي، معتبرة أن حفظ الدم الإنساني، ولا سيما دم المسلم، أصلٌ مركزي في التشريع الإسلامي، وأن إفشاء الأسرار، عندما يؤدي إلى القتل أو الإضرار الجماعي، يرتقي إلى مستوى الخيانة والإثم العظيم. وتستند في ذلك إلى نصوص قرآنية وأحاديث نبوية وروايات عن أهل البيت، تُحمّل مذيع السر مسؤولية جسيمة، قد تصل إلى مساواته بالقاتل من حيث الأثر والنتيجة. وتخلص الدراسة إلى أن السرية، وإن كانت من الأحكام الظرفية، إلا أنها في المرحلة الراهنة تكتسب صفة الإلزام بسبب تشابه الظروف التاريخية مع لحظات الخطر الوجودي، وتضاعف أدوات الهيمنة والسيطرة.

أما في بعدها الأخلاقي، فتنتقد الدراسة النزعة الفردانية الليبرالية التي تُقدّم الرغبة الشخصية وحرية التعبير المنفلتة على حساب المصلحة العامة، وتؤكد أن الأخلاق في المنظور المقاوم لا تنفصل بين الفرد والجماعة، بل تقوم على المسؤولية المشتركة. وتخلص في مجملها إلى أن الوعي الحقيقي يبدأ من ضبط المعلومة، وأن المعركة المعاصرة ليست فقط على الأرض، بل في ميدان الإدراك، حيث تصبح السرية فعلًا مقاومًا، وسلوكًا دفاعيًا، وأداة أساسية في حماية المجتمعات من التفكيك، والاختراق، والهزيمة قبل وقوعها

لتحميل الدراسة من هنا


المصدر: مركز براثا للدراسات والبحوث

الكاتب: أحمد الخالصي




روزنامة المحور