مع تولي أحمد الشرع قيادة سوريا منذ سنة من الآن، دخلت الدولة مرحلة انتقالية جديدة، كان عنوانها الأبرز "إحداث التغيير في البنية السورية بعد سنوات من الصراع والفوضى". إلا أن تجربة سوريا الجديدة تكشف عن غياب التوازن في السياسة الخارجية، إذ تتأثر القرارات بشكل واضح بالضغوط الدولية والإقليمية، وتُدار العلاقات مع القوى الكبرى مثل الولايات المتحدة، كيان الاحتلال وتركيا ضمن حدود ضيقة تحفظ مصالح هذه الأطراف أكثر من مصالح الدولة السورية نفسها.
سياسة خارجية تحت إشراف خارجي
أبرز سمات سياسة أحمد الشرع الخارجية هي التوجيه الخارجي الواضح، حيث تميل سوريا إلى تبني مواقف متوافقة مع المصالح الأميركية والإسرائيلية، خصوصًا في الجنوب السوري والمناطق الحدودية مع "إسرائيل". هذا التوجه لا يترك مساحة كبيرة للسياسة السورية المستقلة، ويحد من قدرة الشرع على اتخاذ قرارات استراتيجية تخدم سوريا بشكل كامل.
على الرغم من محاولة الحكومة الجديدة إرسال رسائل رمزية للداخل والخارج عبر الخطاب العسكري والاحتفالات الرسمية، إلا أن هذه الرسائل غالبًا ما حتلت طابعاً رمزياً أكثر من كونها فعلية، وتتركز على إثبات القدرة على ضبط المرحلة الانتقالية دون الدخول في تصعيد مباشر مع "إسرائيل" أو التصعيد في الملفات الإقليمية.
غياب التوازن لا يقتصر على السياسة الخارجية فقط، بل يمتد إلى الداخل، حيث تظهر سوريا كدولة مركزية شكلية، تمتلك مؤسسات ضعيفة لا تملك القدرة على فرض سيطرتها على جميع المناطق. فالسويداء، على سبيل المثال، تتحرك نحو الحماية الذاتية بسبب هشاشة الأمن والممارسات التي يتعرض لها الأقليات دون إمكانية ضبطها من قبل الدولة السورية. كذلك الساحل السوري الذي يعيش حالة من القلق والخوف من المستقبل خصوصاً فيما يتعلق بفقدان الوظائف والهشاشة الأمنية وهذا ما يظهر خلال المظاهرات والاضرابات التي تحصل الآن. ما يخلق مساحة رمادية تسمح للأطراف الداخلية والخارجية بالتحكم في الإيقاع السياسي والأمني.
هذا الوضع الداخلي الهش يحد من قدرة سوريا على الموازنة بين مصالحها الوطنية ومصالح القوى الدولية فيها، ويجعل السياسة الخارجية أداة تعيق تقدم سوريا أكثر من كونها استراتيجية تخدمها.
إدارة التوازن الإقليمي
أحد أبرز مظاهر غياب التوازن هو التعامل مع التقاطع بين المصالح التركية والإسرائيلية ضمن الإشراف الأميركي المباشر. فتركيا تحتفظ بنفوذ على إدلب وحلب وبعض مناطق الساحل، بينما "إسرائيل" تركز على الجنوب والجولان والمناطق الحدودية.
هذا التفتيت يؤكد أن سوريا الجديدة لا تقرر بشكل مستقل، بل تتحرك ضمن خطوط حمراء يحددها الخارج لها ما يضعها أمام مزيد من التشرذم. وأي محاولة للتغيير أو الابتعاد عن هذه السياسة القائمة قد تواجه ضغوطًا مباشرة أو غير مباشرة من الولايات المتحدة لضمان عدم المس بمصالح الكيان وتدحرج الموقف إلى المواجهة.
الاقتصاد أداة الضغط
كذلك يمثل الاقتصاد في سوريا الجديدة، أحد أدوات السياسة الخارجية، حيث تُستخدم الملفات الاقتصادية والنفطية لإظهار الشرعية وكسب الدعم الدولي دون معالجة التحديات الاجتماعية بشكل حقيقي. الدعم الدولي مرتبط بالاستقرار الظاهر، وليس بالإصلاح العميق، ما يعكس أن السياسة السورية حالياً تحت تأثير التوازنات الخارجية لا تقدم أي خدمة للمصلحة الوطنية. هذه الديناميكية تزيد من اعتماد الدولة على التمويل الخارجي وتقلل من استقلاليتها في اتخاذ القرارات السياسية الاستراتيجية لكسب واستمرار الدعم.
التحديات المستقبلية
يضع غياب التوازن في السياسة السورية الدولة أمام عدة تحديات:
ضعف النفوذ الإقليمي: الانحياز الواضح يقلل قدرة سوريا على لعب دور مؤثر في القضايا الإقليمية.
اعتماد خارجي مستمر: كل خطوة في السياسة الخارجية أو الداخلية مرتبطة بالموافقات الدولية والإقليمية، ما يحد من حرية اتخاذ القرار.
هشاشة الدولة الداخلية: عدم القدرة على فرض السيادة الكاملة على جميع المناطق يزيد من احتمالية نشوء صراعات أهلية لاحقًا.
سوريا في عهد أحمد الشرع تظهر كدولة مركزية هشة، ذات سياسات خارجية موجهة من الخارج، مع هشاشة داخلية واضحة. ويعكس غياب التوازن طبيعة الدولة الانتقالية التي تعتمد على إدارة الاستقرار الظاهري أكثر من التركيز على الجوهر اللازم لبناء سياسة مستقلة تحفظ المصالح الوطنية.
لذلك، أي خطوة جدية نحو تطوير السياسة الخارجية السورية تحتاج إلى إعطاء الأولوية للمصالح الداخلية على مصالح الخارج، مع ضرورة الحفاظ على استقلال القرار الاستراتيجي وعدم جعله رهناً لأميركا.
الكاتب: غرفة التحرير