في وقت تشهد فيه أميركا الجنوبية توترات متزايدة، تتجه إدارة ترامب نحو استخدام القوة العسكرية كأداة رئيسية للضغط على فنزويلا، وسط تحركات استفزازية قبالة سواحلها ونشر واسع للقوات الأميركية في البحر الكاريبي. تبدو هذه السياسة استمرارًا لنهج تاريخي من التدخل الأميركي في المنطقة، يهدف إلى الهيمنة على دول نصف الكرة الغربي وتأمين مصالحها الاقتصادية والسياسية، بغضّ النظر عن تبعاتها على استقرار هذه الدول. في هذا السياق، يطرح مقال نشرته صحيفة "ذا غارديان" وترجمه موقع الخنادق الإلكتروني؛ أسئلة جوهرية حول دوافع واشنطن الحقيقية، والتاريخ الطويل للممارسات العسكرية الأميركية، ومدى تأثير هذه السياسات على الأمن الأميركي والمنطقة ككل.
النص المترجم:
يبدو أن دونالد ترامب مصمّم على الدخول في مواجهة عسكرية مع فنزويلا. فقد نشر ترسانة عسكرية ضخمة في البحر الكاريبي ومحيطه، واتخذ سلسلة من الخطوات الاستفزازية قبالة السواحل الفنزويلية، مبرّرًا ذلك بضرورة وقف تدفّق المخدرات إلى الولايات المتحدة. ويقول مجلس العلاقات الخارجية إن هذا الانتشار العسكري يشمل حاملة طائرات، ومدمّرات، وطرادات، وسفن إنزال برمائية، وسفينة دعم للقوات الخاصة، إضافة إلى نشاط واسع لمجموعة متنوعة من الطائرات، بينها قاذفات ومقاتلات وطائرات مسيّرة وطائرات دورية وطائرات دعم. ويُعدّ هذا أكبر استعراض للقوة العسكرية الأميركية في نصف الكرة الغربي منذ غزو بنما عام 1989.
وقد رفض الرئيس استبعاد خيار الغزو البري لفنزويلا، إلا أن الإدارة، حتى الآن، استخدمت أصولها العسكرية لاستهداف قوارب يُزعم أنها تنقل مخدرات، وسعت إلى إغلاق المجال الجوي الفنزويلي، كما صادرت في العاشر من كانون الأول/ديسمبر ناقلة نفط. وليس واضحًا كيف يمكن لمصادرة ناقلة نفط أن تسهم في وقف تدفّق المخدرات إلى الولايات المتحدة. وفي هذا السياق، زعمت المدعية العامة بام بوندي أن السفينة كانت متورطة في "شبكة غير مشروعة لشحن النفط تدعم منظمات إرهابية أجنبية".
وإلى جانب هذه التبريرات، لا يزال من غير الواضح سبب استهداف ترامب لفنزويلا بهذه الطريقة. وقد يكون الرئيس يسعى إلى معاقبة رئيس البلاد ذي الطابع "الديكتاتوري"، نيكولاس مادورو، على سماحه لمئات الآلاف من الفنزويليين بالهجرة إلى الولايات المتحدة، أو ربما يهدف إلى السيطرة على الثروات النفطية الهائلة التي تمتلكها البلاد. ومهما تكن دوافعه، فإن رئيس السلام يلوّح بالسلاح في البحر الكاريبي، على نحو يشبه سلوك المتنمّر الذي يستقوي على خصومه الأضعف، وليست فنزويلا هدفه الوحيد.
ففي مقابلة مع موقع "بوليتيكو"، ألمح إلى استعداده لاتخاذ عمل عسكري في المكسيك وكولومبيا لوقف تدفّق المخدرات القادمة من هذين البلدين. وما كان قد قاله سابقًا عن أسلوبه المفضّل في التعامل مع المحتجّين داخل بلاده يبدو اليوم معبّرًا عن نظرته إلى علاقات الولايات المتحدة مع دول نصف الكرة الغربي: "عليك أن تهيمن. إذا لم تهيمن، فأنت تضيع وقتك".
لقد شاهدنا هذا المشهد من قبل، وغالبًا ما كانت نهاياته سيئة على الولايات المتحدة وجيرانها في الجنوب. وحان الوقت لكي يمارس الكونغرس دوره ويحاول منع الرئيس من دفع البلاد أكثر نحو مستنقع أميركا الجنوبية، وهو ما وصفه أحد أعضاء مجلس الشيوخ بأنه "سيرٌ نائم نحو حرب مع فنزويلا". كما حان الوقت لأن تكسر منظمة الدول الأميركية صمتها وتدين ما تقوم به إدارة ترامب. وتُصيب الفدرالية الدولية لحقوق الإنسان حين تقول إن "تآكل النظام الديمقراطي وانتهاكات حقوق الإنسان في فنزويلا لا يبرران لأي دولة التدخل على النحو الذي تقوم به الولايات المتحدة، إذ إن ذلك يشكّل انتهاكًا لحق الشعوب في تقرير مصيرها، وهو الحق المركزي الذي تقوم عليه بنية النظام العالمي".
ومن الواضح أن احترام هذا المبدأ لم يكن محرّكًا لسياسة الإدارة الخارجية، فالأمثلة كثيرة، من بينها طريقة تعاملها مع الفلسطينيين، وكذلك ما بدا أنه قبول بالمطالب الإقليمية الروسية في أوكرانيا. وبلغة تستحضر القرن التاسع عشر، تشير استراتيجية الأمن القومي الأميركية التي أُفرج عنها مؤخرًا إلى أن "النفوذ غير المتكافئ للدول الأكبر والأغنى والأقوى هو حقيقة خالدة في العلاقات الدولية". وتكاد الوثيقة تتخيّل عالمًا أقل هيمنة للولايات المتحدة، عالمًا تعترف فيه القوى الأقوى بنطاقات نفوذ بعضها البعض وتحترمها، بما يعني ضمنًا قبول تدخل هذه القوى في شؤون الدول الأضعف الواقعة ضمن مجال نفوذها.
وتعود جذور هذه الفكرة إلى القرن السادس قبل الميلاد، إذ يجادل البروفيسور أندرو لاثام بأن روما وقرطاجة أبرمتا معاهدة تحظر على السفن الرومانية الإبحار قرب المياه القرطاجية، وعلى القوات القرطاجية مهاجمة المدن الصديقة لروما. وبالانتقال إلى القرن التاسع عشر، نجد أمثلة عدة قامت فيها دول بتطمين منافسيها إلى احترام حقهم في لعب دور مهيمن داخل منطقة جغرافية محددة. ومن الواضح أن ترامب يسعى إلى ترسيخ هيمنة الولايات المتحدة في نصف الكرة الغربي، كما تورد استراتيجية الأمن القومي التي تؤكد أن "الولايات المتحدة يجب أن تكون القوة المهيمنة في نصف الكرة الغربي باعتبار ذلك شرطًا لأمننا وازدهارنا، وهو شرط يتيح لنا فرض حضورنا بثقة متى وأينما دعت الحاجة داخل المنطقة".
ويمثّل هذا بوضوح تراجعًا عمّا يسميه لاثام "تعميم النظام الدولي الليبرالي بقيادة الولايات المتحدة"، الذي شكّل ركيزة العلاقات الدولية منذ انهيار الاتحاد السوفياتي. لكن أسلاف ترامب في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، ويليام ماكينلي وثيودور روزفلت، كانوا سيشعرون بالفخر. فقد أطلق ماكينلي حقبة من الإمبريالية الأميركية وخاض حربًا ضد إسبانيا لدرء تدخلها في كوبا، فيما جعل روزفلت "دبلوماسية الزوارق الحربية" أداة مركزية في السياسة الخارجية الأميركية، قائمة على الاستعراض العلني للقوة العسكرية، ولا سيما البحرية، لترهيب الدول الأخرى وانتزاع تعاونها بما يخدم المصالح القومية الأميركية.
وتشمل الأمثلة التاريخية إرسال سفينة حربية أميركية عام 1903 لردع تدخل كولومبي في بنما، واستخدام الجيش الأميركي للاستيلاء على ميناء فيراكروز المكسيكي عام 1914، إضافة إلى نشر قوات المارينز أكثر من عشرين مرة في دول أميركا الوسطى والجنوبية خلال النصف الأول من القرن العشرين. وطوال فترة الحرب الباردة، دأبت الولايات المتحدة على التدخل بشكل متكرر في تلك الدول، مستخدمة العمليات السرية والقوة العسكرية لتقويض حكومات كانت متعاطفة، ولو جزئيًا، مع الاتحاد السوفياتي، كما في غواتيمالا عام 1954، والإكوادور بعد ذلك بتسع سنوات، ومرات عدة في تشيلي.
ولم تكن النتائج جيدة. فقد غذّت "دبلوماسية الزوارق الحربية" ومحاولات تغيير الأنظمة مشاعر العداء للولايات المتحدة في مختلف أنحاء المنطقة، وعرّضتها لاتهامات بالنفاق، لأنها تتحدث عن احترام السيادة الوطنية في النظام الدولي، لكنها لا تلتزم به عندما لا يعجبها نظام الحكم في دول أخرى. وخلصت دراسة تناولت تداعيات جهود وكالة الاستخبارات المركزية لإسقاط حكومات في نصف الكرة الغربي إلى أنها ألحقت أضرارًا واسعة باقتصادات تلك الدول وأنظمتها السياسية والاجتماعية، وجعلتها أقل حرية وديمقراطية وازدهارًا. ففي غواتيمالا، أُطيح برئيس منتخب ديمقراطيًا وتُركت البلاد تحت حكم ديكتاتور، ما أدى إلى حرب أهلية دموية وطويلة الأمد، كما أن مساعي أوائل سبعينيات القرن الماضي لتقويض حكم سلفادور أليندي في تشيلي زعزعت استقرار اقتصاد البلاد.
وأخشى أننا على وشك السير في هذا الطريق مرة أخرى. فإلا إذا جرى ردع الرئيس، فإن تصرفاته في أميركا الجنوبية ستجعل الولايات المتحدة أقل أمانًا، وتدفع بالمنطقة نحو مزيد من الاضطراب وعدم الاستقرار.
المصدر: The Guardian
الكاتب: Austin Sarat